د. محمد م. الأرناؤوط
مرّت الذكرى المئوية لإعلان الاستقلال السوري الأول في 8 آذار 1920، في ظل تجاهل تام من رأس ومؤسسات “الجمهورية العربية السورية”. الذكرى التي تضم إعلان تتويج الأمير فيصل بن الحسين على رأس المملكة السورية، وشروع المؤتمر السوري (الذي تحوّل إلى جمعية تأسيسية)، في مناقشة بنود مشروع دستور 1920 وإقرارها، وعلى رأسها البند الأول الذي نصّ على “حكومة مدنية نيابية عاصمتها دمشق الشام ودين مَلكها الإسلام”، والبند (28) الذي جعل الوزارة “مسؤولة عن أعمالها أمام المجلس النيابي” وليس أمام الملك. فخلال العام 2020، اقتصر إحياء الذكرى على ندوة برعاية الأمير الحسن في عمّان، ومحاضرة لكاتب هذه السطور في منتدى الفكر العربي بعمّان.
وربما لو قارنا بين دستور 1920 الذي اعتمد النظام النيابي ومسؤولية الوزارة أمام المجلس النيابي وليس أمام الملك فيصل، ودستور 1973 الذي وضع كلّ السلطات تقريباً في يد الرئيس حافظ الأسد والتي حكم بموجبها الأب والابن سوريا حتى نهاية 2024، لعرفنا سبب التجاهل الرسمي آنذاك، خصوصاً بعدما أصبحت سلطات الأسد الابن لا تحكم جغرافية الخريطة السورية كاملة، ولم تعد تطابق “الجمهورية العربية السورية” تحت حكم آل الأسد.
كان اعتبار “دمشق قلب العروبة النابض”، يغطي تاريخ سوريا ما قبل الأسدين، في المناهج الجامعية لأقسام التاريخ والكتب المدرسية ضمن التاريخ العربي الحديث، ويمجّد في المقابل إنجازات الأسدين اللذين حكما سوريا أكثر من نصف قرن، وأكثر من ذلك إذا تحدثنا عن “حكم البعث” منذ 1963. هكذا، أصبح تاريخ سوريا الحديث، في النصف الأول منه (1918-1963)، مؤدلجاً وممسوخاً، ولم يعد هناك حتى مقرّر عن تاريخ سوريا المعاصر في قسم التاريخ بجامعة دمشق.
ولأجل ذلك، انطلقت مشاعر مكبوتة بعد 24/12/2024 تعبّر عن الهوية المرغوبة أو المنشودة لسوريا الجديدة التي تراوحت من استعادة دمشق الأموية، إلى إعادة الاعتبار لسوريا الديموقراطية التي بدأت مع دستور 1920، مع تباين الآراء حول الهوية الوطنية السورية ومرتكزاتها التاريخية أو المتخيّلة في غياب الدراسات عن النصف الأول من “القرن السوري”. فباستثناء الطبعة الثانية لكتاب “من الحكومة إلى الدولة: تجربة الحكومة العربية في دمشق 1918-1920” الذي صدر في عمان 2025، وندوة “كيف نكتب تاريخ سوريا” التي نظمها في دمشق في مستهل العام 2026 المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، صدر هذه السنة كتاب “من فيصل الأول إلى أحمد الشرع لحظات سوريا الفارقة بين أبناء الأرض وأبناء السماء: في الدولة والتحولات” للكاتب ابراهيم الجبين (عمان، المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2026، 448 صفحة)، ويغطي فيه ما هو أكثر من نصف القرن المغيب، إلى مقاربة جديدة تستعرض “القرن السوري” كله، بما فيه من تحولات وحكومات ودساتير وانقلابات وتدخلات إقليمية ودولية جعلت النهايات مفتوحة على مصير الدولة والمجتمع .
وبعد أعماله الشعرية والروائية، مثل “عين الشرق” و”يوميات يهودي”، وغيرها مما عبّر عن انشغاله بالتاريخ لطرح رؤية مختلفة عما يجري في دمشق وسوريا، اتجه الجبين إلى الكتابة في التاريخ العربي والإسلامي لينشر دراسات تطرح مقاربات مختلفة عما استقر عليه الحال من توجهات متطرفة باسم الدين، ومن ذلك كتابه “لغة محمد” الذي أوضح فيه أن لغة الرسول كانت متنوعة وغير متشددة ولا عنصرية، على عكس ما يبدو في خطابات الجماعات الإسلامية التي تكاثرت في سوريا قبل 2011 وبعدها. ومع انخراطه في المعارضة، كتابة وممارسة في مؤسساتها في الخارج، تحوّل الجبين إلى الدراسات السياسية التي تستند إلى أرضية واسعة تاريخية وفكرية وثقافية كما في كتابه “الطريق إلى الجمهورية 1800-1952″، الذي تناول فيه انشغال الرواد بفكرة الدولة التي بقيت هاجساً لدى المثقفين بعد احتكارها من قبل حزب أو أسرة وتحوّل سوريا إلى ساحة للصراعات الإقليمية والقوى الكبرى. ومع صِلاته بقوى المعارضة، أتيح له أن يعرف مسبقاً ما هو قادم مع عملية “ردع العدوان” التي انتهت إلى سقوط “سوريا الأسد” في 24/12/2024 فكتب ونشر بعض المقالات في “المدن” وكانت نواة هذا الكتاب الأخير.
في هذا الكتاب يتجلى شغف الجبين بالتاريخ السوري المعاصر، بعدما غطّت عليه عقود الأدلجة وتغييب الخبرة الدستورية والنيابية للحركة الوطنية، والمؤسسات الجديدة للدولة السورية، حتى أن دستور 1973 بدا وكأنه نبتة كبرى في صحراء مقفرة. ومن هنا حرص على توثيق المصادر والمراجع حيث استقى المعطيات التي بني عليها تحليلاته واستنتاجاته. وما بين التحليلات والاستنتاجات هناك المقاربة المهمة التي قامت عليها هذه الدراسة وبرزت في العنوان (من فيصل الأول إلى أحمد الشرع )، لا سيما في الخاتمة.
العنوان الفرعي “في الدولة والتحولات” يعبّر عن الانشغال الرئيسي للمؤلف، وهو ما يفصّل فيه الحديث على سبعة أسئلة أو أقسام في الكتاب: الشرعية والدولة، الحكم، المركز والأطراف والخارج، القوة في علاقتها بالسياسة والتحولات الفكرية. وفي هذا السياق يوضح المؤلف في المقدمة أن ما يقدّمه في هذا الكتاب “محاولة لقراءة تاريخ الدولة السورية وتحولاتها ليس بكيفية الوصول إلى السلطة بل ماذا تفعل السلطة الجديدة حين تنقل من إسقاط النظام إلى إدارة الدولة”، لكي يطرح السؤال المهم: “ليس المهم من هو الرجل الذي يحكم سوريا، بل ماذا يحدث حين يصل إليها، هل يصنع الحاكم الدولة التي يريدها أم تصنع الدولة بتاريخها ومجتمعها وجغرافيتها وتعقيداتها الحكم الذي تستطيع احتماله؟” (ص 10-20).
ومع التركيز في هذا العرض على البدايات القلقة والنهايات المفتوحة (من فيصل الأول إلى أحمد الشرع) لا بد من التنويه إلى أن الكتاب يقدّم للقارئ السوري أرضية تاريخية غنية عن الفترات الفاصلة بين وصول فيصل الأول وحكمه (1918-1920) وبين وصول أحمد الشرع إلى دمشق وانتخابه رئيسا انتقاليا (2025-2026)، خصوصاً للجيل المغيّب عن تلك الفترات بسبب تسيّد التاريخ الرسمي لما حدث في سوريا بعد 1970. ومن المفيد هنا استعراضه النقدي لوحدة سوريا مع مصر (1958-1961) وآثارها المدمرة في الحياة الاقتصادية والسياسية (الحزبية والنيابية) التي لم تستطع “الجمهورية العربية السورية” (1961-1963) أن تتعافى منها قبل أن تدخل في دوامة انقلابات وتصفيات (1963-1970) أدّت إلى جمهورية أسدية وراثية (1970-2024).
يبدأ القسم الأول الذي نحن بصده مع الانقلاب المهم الذي حدث في البلاط العثماني في 1876 حين فرض رجالات الإصلاح في الدولة العثمانية على السلطان الشاب عبد الحميد الثاني أن يقبل بدستور يقيّد الحكم المطلق لأسلافه، وهو الذي اشتهر بـالاسم العربي “المشروطية” إلى أن جمّد السلطان العمل به في 1878 ثم استخدم السوريين الكلمة الفارسية “دستور” بعد الثورة “الدستورية” على السلطان عبد الحميد في 1908، والذي خلع في 1909 بتهمة “الثورة المضادة” على الحكم الدستوري مما أتاح المجال أمام انتخابات جديدة وحياة نيابية تتسم بالنقاش بين الموالاة والمعارضة إلى أن حدث الانقلاب العسكري الثاني لجمعية الاتحاد والترقي في 1913 الذي أدى إلى دخول الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى إلى جانب دول الوسط (ألمانيا والنمسا وبلغاريا) وما أدت إليه من انهيار الدولة العثمانية في نهاية 1918.
في هذا السياق تمت الدعوة إلى انتخاب أعضاء “مجلس المبعوثان” (109 أعضاء بواقع 50 ألف منتخب لكل عضو) وهو ما أفضى إلى أول تجربة نيابية في الدولة العثمانية (1877-1878) بادرت فورا إلى مناقشة القوانين الجديدة (قانون الانتخابات وقانون الصحافة وقانون اللامركزية وإقرار الميزانية العامة للحكومة). ومن آباء هذه التجربة النيابية من سوريا كان خالد الأتاسي (1837-1908) مفتي حمص المنفتح على التغيرات في عصره الذي حرص على إرسال أولاده إلى المدارس الحديثة ومن هؤلاء هاشم الأتاسي(1873-1960) الذي تخرّج من مدرسة الإدارة العليا في استانبول وعاد إلى بلاده ليبرز لاحقا باعتباره من آباء الحركة النيابية (المؤتمر السوري الذي تحول إلى جمعية تأسيسية 1919-1920) وآباء الدستور السوري الأول (1920).
كان هذا منعطفا مهما بالفعل كما يصفه المؤلف، فقد “غيّرت الحياة البرلمانية من فهم السوريين للولاء للدولة ونقلتهم من قاعدة السمع والطاعة إلى دائرة الصراع من أجل البرامج الحيوية التي تمس حياتهم ومستقبلهم بفضل مناقشات مجلس البرلمان” (ص 19). وكان ممن خاض هذه التجربة التي جرت بعد العودة للدستور والحياة النيابية في 1908 الأمير فيصل بن الحسين (1885-1933)، الذي كان قد استقر مع أبيه في استانبول خلال 1896-1909 حيث تعلم التركية والانكليزية وبعض الفرنسية وعاد لاحقا ليشغل مبعوث جدة إلى مجلس المبعوثين مما أكسبه خبرة سياسية ونيابية وعلاقات عامة مع رجالات الدولة. وبعد انضمامه إلى جمعية العربية الفتاة في دمشق، التي كانت في الطريق بين مكة واستانبول، التحق بالمشروع العربي الذي قاده والده لأجل دولة عربية مستقلة فاوض الحلفاء عليها دون أن ينتزع منهم إعترافا بحدودها، ودخل دمشق على رأس الجيش العربي في 3/10/1918 ليعلن بعد يومين “تأسيس حكومة دستورية عربية مستقلة شاملة جميع الأراضي السورية” في 5/10/1918.
لكن هذه الحكومة أو مشروع الدولة كانت على الورق دونما حدود واضحة في الوقت الذي كانت قوات الحلفاء (بريطانيا وفرنسا) هي القوة الضاربة واحتلت الفرنسية منها الساحل السوري بحكم التوافقات مع بريطانيا بعد تخلّت فرنسا لبريطانيا عن ولاية الموصل. ولكن مشاركة الأمير فيصل في مؤتمر الصلح في باريس وخطابه في 6/2/1919 الذي عبّر فيه عن رغبة العرب بالاستقلال لفتت نظر الرئيس الأميركي ولسون الذي سأله عن نوع الانتداب الذي يفضله العرب فأجاب أن العرب يفضلون الوحدة والاستقلال، وإذا كان لا بد من الانتداب فهم يفضّلون الانتداب الأميركي. وبعد اللقاء الخاص الذي جمعه بالرئيس ولسون قال الأمير فيصل إن الرئيس ولسون وعده إذا أعلنت سوريا استقلالها فستدعمها الولايات المتحدة في ذلك.
وبالفعل، كما يذكر الجبين، فإنّ الرئيس ولسون اقترح في مؤتمر الصلح وأصرّ على استفتاء رغبة السوريين واقترح تشكيل لجنة دولية تذهب إلى المنطقة لتستطلع رغبات السوريين. ومع موافقة بريطانيا وفرنسا شكليا على الاقتراح إلا أن عضوية اللجنة اقتصرت على الأميركيين هنري كينغ وتشارلز ؤكراين. ومن حسنات هذه اللجنة، كما يضيف الجبين، “أن السوريين وبغية الاستعداد للقائها اتجهوا نحو عقد مؤتمر وطني” (ص 25).
وفي الواقع كان فيصل خلال مشاركته في مؤتمر الصلح باريس قد أدرك أهمية الدبلوماسية وضرورة أن تكون هناك هيئة منتخبة تمثل السوريين وتحدّد مطالبهم لكي لا يبدو الأمر أن ما يطلبه هو موقف شخصي باسمه أو باسم والده، ولذلك دعا فور عودته إلى دمشق في 7/5/1919 النخبة السورية إلى انتخاب مؤتمر سوري ليطرح ما يريده السوريون أمام لجنة كينغ- كراين، وليعدوا بعدها دستورا للبلاد. وبالفعل فقد التأم المؤتمر السوري في 3 حزيران بعد أن انتخب معظم أعضائه حسب قانون الانتخاب العثماني الأخير، بينما لم يتمكن السكان من ذلك في الساحل وفي فلسطين وشرق الأردن بسبب ممانعة السلطات البريطانية والفرنسية، ولذلك لجأوا إلى ترشيح من يرونه مناسبا للمؤتمر السوري. ويرى الجبين هنا إشكالية أن السوريين كانوا “يبحثون عن هوية وطنية جديدة بعد الهوية العثمانية، بينما كان عليهم الآن أن يقبلوا بممثليهم السابقين في مجلس المبعوثبن العثماني”، ولكن المهم كان أن السوريين أجروا فيما بينهم نقاشات مهمة حول الدستور الجديد واتفقوا أخيرا على إعلان استقلال المملكة السورية في 7/3/1920 ليضعوا الدول الأوربية أمام الأمر الواقع (ص 33).
وبالفعل فقد أعلن هذا القرار أمام الجماهير المحتشدة في ساحة المرجة في 8/3/1920 وتشكلت حكومة جديدة برئاسة رضا الركابي تستمد شرعيتها من المؤتمر السوري الذي تحول حينئذ إلى جمعية تأسيسية لتقرّ مشروع الدستور المقدم لها. ولكن في مقاربة مع ما حدث بعد 105 سنوات يسجل الجبين هنا أنه “على النقيض في تعاملها مع إدارة أحمد الشرع في وقتنا هذا رفضت الأسرة الدولية الاعتراف بالمملكة السورية المشكّلة آنذاك” (ص 32).
ومع أن هذه التجربة الرائدة في بناء دولة سورية، التي تبلورت أخيرا بعد إعلان الاستقلال مع نظام حكم نيابي ومدني وملك يملك ولا يحكم، استمرت أقل من سنتين إلا أنها تركت ما يذكّر بها من بناء مؤسسات دولة (جيش وطني وعملة وأول مجمع للغة العربية ونواة للجامعة السورية الخ) وإطلاق حرية الأحزاب والصحافة والنشر. وفي هذا السياق يُبرز الجبين الانعطاف الكبير في مجال حرية تأسيس الأحزاب والصحف حيث برزت فجأة حوالي عشرة أحزاب (حزب الاستقلال العربي والحزب الديموقراطي وحزب التقدم وحزب الاتحاد السوري والحزب الوطني السوري الخ ) وأكثر من عشر صحف (الاستقلال العربي وفتى العرب والعاصمة وغيرها) ولذلك يستذكر ما قاله الشيخ رشيد رضا، الذي ترأس المؤتمر السوري وعرف كيف يدير النقاش حول الدستور ويجعل غالبية النواب توافق في المادة الأولى منه على “حكم مدني”، عن هذه التجربة الغنية: “المملكة السورية أسّست ديموقراطية حقيقية وكانت الحرية لجميع أنواعها والنشر مما تحسدها عليه سائر البلاد السورية ومصر” (ص 43).
لكن انهيار “المملكة السورية” بعد معركة ميسلون في 24/7/1920 وانسحاب الملك فيصل إلى حيفا ومنها إلى أوروبا ثم عودته مرشحا لحكم العراق في 1921 ونجاحه في تحقيق استقلال متدرج للعراق وانضمامه كأول دولة عربية إلى عصبة الأمم في 1932 جعلت الجبين يقارن “فيصل السوري” مع “فيصل العراقي” ويخلص إلى أن “فيصل السوري” كان “يريد دولة مستقلة قبل أن يملك أدوات حمايتها، بينما كان في العراق يعمل على بناء الأدوات (المؤسسات) داخل استقلال ناقص حتى يصبح الاستقلال الكامل ممكنا” (ص 52). ويبدو لنا أن “فيصل السوري” كان مستعداً لذلك على مبدأ “خذ وطالب” ووقّع مبكرا بالأحرف الأولى في 6/1/1920 على اتفاق فيصل- كليمنصو، الذي كان يفتح مسار دولة سورية مستقلة على النمط العراقي الذي سار عليه لاحقا، ولكنه تعرّض إلى معارضة شعواء من المعارضة في الشارع السوري التي قادها الشيخ كامل القصاب والتي أعلنت أنها مستعدة لمقاومة التدخل الفرنسي وحتى البريطاني، وهو ما دفع “فيصل السوري” إلى مماشاة المعارضة والتوجّه لإعلان الاستقلال في 8/3/1920 لـ”المملكة السورية” التي كانت لا تملك السيطرة على أراضي خريطتها المعلنة وهو يعرف نتيجة ذلك.
وفي الانتقال إلى القطب الثاني لعنوان الكتاب (أحمد الشرع) يتناول الجبين في فصل “ربيع دمشق وقتل الأب” ظروف توريث بشار الأسد للحكم في عام 2000 و”ربيع دمشق”، الذي سمح لي أن ألقي محاضرة في المنتدى الحضاري بدمشق يوم 25/11/2000 بعنوان “الآفاق الحضارية للدستور السوري الأول” بمناسبة الذكرى الثمانين له، وصولا إلى الانتكاسة السريعة وتصاعد المعارضة التي استقوت بالربيع العربي لتتحول إلى ثورة 2011 ضد النظام الأسدي. ومع المد والجزر بين الكيانات التي تقاسمت لاحقا الجغرافيا السورية (الجزيرة تحت حكم قسد وأدلب وجوارها تحت حكم جبهة تحرير الشام والساحل والجنوب تحت حكم النظام الأسدي) يُبرز الجبين كيف أنه بعد 2021 بدأت ملامح “فقدان الأمل والميل إلى التفاوض وتقاسم السلطة مع الأسد واقتناع رؤساء المعارضة الرسمية آنذاك بأن العالم ودول الإقليم تريد تأهيل الأسد”، وتتوج ذلك بمشاركة الأسد في القمة العربية الإسلامية في الرياض التي عقدت في 11/11/2024 (ص 314).
إلا أن التشاؤم هذا، سرعان ما تبدّد بعد أيام عند المؤلف مع اتصال جاءه عشية عملية “ردع العدوان” وجعله يستعيد الأمل ويعبّر عما هو آت، وأصبح كما يقول عن نفسه كاد يكون “الوحيد الذي كان يجزم بأن هذه المعركة ستنتهي بإنهاء نظام الأسد” نظرا “لأن الظروف تكاملت لحدوث التغيير”. ومع أنه كان قد نشر سابقا “كتابات ساخطة” عن التيارات الإسلامية والحركات الجهادية” إلا أن الصورة تغيرت حين التقى أحمد الشرع بعد ذلك فبدا “على النقيض مما رأيته ورآه الجميع” (ص 317).
مع هذا التحول يبدو الفصل الأخير “الجولاني- أحمد الشرع رئيسا” مهما في المقاربة والمقارنة التي يجريها الجبين بين قطبي سوريا 1920-2025، أي بين الملك فيصل والرئيس أحمد الشرع.
من الجولاني إلى أحمد الشرع
ينطلق الجبين هنا من اعتباره أن الجولاني كان يمثل “جيلا جديدا من الجهاديين السلفيين بريد أن يطوّر الفكر والتموضع ليتمكن من العيش في العصر وسط بيئة كانت معادية فيحوّلها ويتحوّل معها إلى ما يمكن أن يقدم الجديد من المعادلات”، فأسّس “جبهة النصرة” التي “تدين في بعض جذورها إلى أبو مصعب السوري(مصطفى نصار) الذي دعا إلى تجاوز التنظيمات الجهادية المغلقة والعمل عبر خلايا أكثر مرونة”، ثم أخذ في التحول من “فرع في شبكة جهادية عابرة للحدود (القاعدة) إلى قوة سورية محلية تستطيع الاندماج مع الفصائل (الأخرى) وإدارة الأرض”، بينما قام في 2022 بانفتاح كبير على المسيحيين والدروز الموجودين في محافظة إدلب وصولا إلى القول “إن اعتناقهم للإسلام ليس ضروريا وإنه لا إكراه في الدين” وإلغاء الحسبة (ص 223). وفي تطور آخر يلاحظ الجبين كيف أن الصورة النمطية للجهاديين أخذت تتغير و”ظهرت البدلات الرسمية وقمصان التي شيرت الشبابية”، وراحت صورة الجولاني “تتشكل من جديد وتنمو باتجاه صورة القيادي الوطني (المعتدل)”، ولكنه بقي في نظر المعارضين السوريين ذلك الرجل الخطر المصنف إرهابيا (ص 325). وفي هذا السياق تشكلت “حكومة الإنقاذ” لتكون الإدارة والسياسة متلازمتين مع فصل نسبي بين التنظيم العسكري والحكم المدني على قاعدة “لم يعد الفقيه وحده يعرف كيف تدار الدولة” (ص 327). وبالاستناد إلى ذلك يصل الجبين إلى ملاحظة مهمة تتمثل في أن “هذه التحولات في الشمال لم تحظ بالمتابعة التي تتناسب مع أهميتها لدى قطاعات واسعة من النخب السورية إلى أن أعلن الجولاني عن دوره الجديد في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 قائدا لـ “ادارة العمليات العسكرية” التي شنّت هجومها المفاجئ” (ص 327).
وفي هذا السياق يلاحظ الجبين كيف أن الساعات والأيام الأولى لوصول أحمد الشرع إلى دمشق أبرزت التحول من المقاتل إلى رجل الدولة بدءا من رسالته إلى رئيس الوزراء محمد الجلالي (8/12/2024) “للحفاظ على مؤسسات الدولة” ثم الاتصال الهاتفي معه الذي ورد فيه أن “الهدف الأساسي للعمليات العسكرية هو تغيير رأس النظام ومنظومة السياسة وليس تدمير الدولة” ثم تكليف البشير برئاسة حكومة تصريف الأعمال وصولا إلى “مؤتمر النصر” في 29/1/2025 الذي أعلن عن قرارات فاصلة: تولي أحمد الشرع رئاسة الجمهورية خلال المرحلة الانتقالية وتفويض الرئيس بتشكيل مجلس شعب يتولى المهام التشريعية حتى صياغة دستور دائم للبلاد (ص 336).
في نهاية الفصل الأخير يُبرز الجبين أكثر شخصية أحمد الشرع كرجل دولة ضمن العلاقات الجديدة الإقليمية سواء مع الدول التي دعمته منذ البداية (قطر وتركيا) أو مع السعودية (حيث وُلد الشرع في 1982) التي رحبّت به وفتحت له أفقا كبيرا للولايات المتحدة التي بقيت تصنفه بين الجماعات الإرهابية، وحتى مع الدول المتحفظة في البداية (الأردن ولبنان ومصر وغيرها)، بينما بقيت مقطوعة مع ايران ومتوترة مع اسرائيل.
هل يصنع الحاكم الجديد سوريا كما يريد؟
على الرغم من غنى الفصل الأخير بالمقارنات الأخرى في تناول “الشرع بين إسلامين” (ص 363-365) و”مجتمعات محلية بين الوطنية والتظاهر بها” (ص 375-376) إلا أن المجال لا يسمح سوى بالانتقال إلى الخاتمة ليستخلص جوهر المقارنة والرؤية المستقبلية بين الملك فيصل والرئيس أحمد الشرع ليترك الجواب مفتوحا أمام المؤيدين والمعارضين له: “بعد أكثر من قرن على دخول فيصل بن الحسين إلى دمشق دخلها أحمد الشرع من باب مختلف، حاملا تاريخا مختلفا ومشروعا مختلفا، ووارثا دولة ومجتمعا يختلفان جذريا عما وجده فيصل في مطلع القرن العشرين. وبين الدخولين مسافة زمنية طويلة امتلأت بالدساتير والانقلابات والحروب والوحدات والانفصالات والثورات والاستبداد، لكن سؤالا واحدا بقي مفتوحا: هل يصنع الحاكم سوريا التي يريدها، أم تصنع سوريا بتعقيدتها وتاريخها ومجتمعها الحاكم الذي تستطيع أن تعيش معه؟”
وفي النهاية يمكن القول إن كتاب الجبين مفيد جداً للجيلين اللذين ولدا خلال عهد الدولة الأسدية (1970-2024) بما يحوي من معلومات غزيرة عن سوريا خلال القرن الأول لها إلى أن تصدر مؤلفات أكاديمية تضيف جديداً، وهو مفيد للمثقفين بما حمله من مقاربات وتحليلات ومقارنات وتوقعات بين قطبي “الكيان السوري” الملك فيصل والرئيس أحمد الشرع تفتح الأفق لنقاش مفتوح يشارك به الجميع عن “القرن الثاني” للدولة السورية.







