spot_img

ذات صلة

الأكثر مشاهدة

هل يعود اليسار ؟

الدكتور نوار نجمة  هل يا ترى نحن بحاجة إلى سياسات...

وزير الثقافة السوري محمد ياسين الصالح في المدن: بيروت احتضنت الأصوات السورية

منصة دمشق الإخبارية في إطار زيارته إلى لبنان، بالتزامن مع...

إعادة افتتاح الجامع الأموي الكبير في حلب بعد استكمال أعمال الترميم

منصة دمشق الإخبارية أُعيد افتتاح الجامع الأموي الكبير في المدينة...

الشرع وعقيلته يلتقيان ابنتَي شكري القوتلي ومحمد العايش

منصة دمشق الإخبارية التقى الرئيس السوري أحمد الشرع وعقيلته لطيفة...

علبي: الاعتداءات الإسرائيلية تقوض جهود سوريا لترسيخ سيادة القانون

منصة دمشق الإخبارية قال مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة،...

وزير الثقافة السوري محمد ياسين الصالح في المدن: بيروت احتضنت الأصوات السورية

منصة دمشق الإخبارية

في إطار زيارته إلى لبنان، بالتزامن مع افتتاح معرض بيروت الدولي للكتاب، زار وزير الثقافة السوري محمد ياسين صالح مقرّ صحيفة “المدن” في بيروت، حيث جال على أقسام الصحيفة والتقى رئيس تحريرها منير الربيع. وشكّلت الزيارة مناسبة للحديث عن مستقبل العلاقات اللبنانية السورية، ودور الثقافة والإعلام في إعادة بناء الثقة بين البلدين، في مرحلة تبرز فيها الحاجة إلى تجاوز إرث الوصاية والصور النمطية التي خلّفتها العقود الماضية، وإرساء علاقة تقوم على احترام سيادة كل بلد وخصوصيته.

 

في لحظة تسعى فيها العلاقات اللبنانية السورية إلى تجاوز إرث طويل من الوصاية والتوتر والشكوك المتبادلة، تكتسب الثقافة أهمية تتجاوز كونها مساحة للتبادل الأدبي والفني، لتصبح أحد المداخل الممكنة لإعادة بناء الثقة بين البلدين.

 

من هذا المنطلق، استضافت صحيفة “المدن” في مقرّها ببيروت وزير الثقافة السوري محمد ياسين الصالح، بالتزامن مع افتتاح معرض بيروت الدولي للكتاب، في مناسبة جمعت بين الحوار المفتوح مع المثقفين اللبنانيين وأسئلةٍ عن العلاقة ببن مجتمعين تتداخل بينهما الذاكرة والتاريخ والمصالح والمصائر.

 

جال الصالح على أقسام الصحيفة، والتقى رئيس تحريرها الزميل منير الربيع وفريق التحرير، متحدثاً عن مستقبل العلاقات اللبنانية السورية، ودور الثقافة في تقريب المسافات بين المجتمعات، وعن مسؤولية المؤسسات الثقافية السورية في التعريف بتنوّع المجتمع السوري وفتح المجال أمام مختلف التيارات الفكرية.

 

من إرث الوصاية إلى الثقة

في حديثه لـ”المدن” قدَّم الصالح العلاقة بين البلدين بوصفها ملفاً سياسياً قائماً على التاريخ الاجتماعي والثقافي المشترك، وربط إمكاناتها الراهنة بضرورة تجاوز الصور النمطية التي خلّفها النظام السوري السابق. وقال إنّ من المهم الخروج من “الصور النمطية المشوّهة التي ورثناها عن نظام الوصاية”، معتبراً أن المرحلة الجديدة تتيح إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين الشعبين، بعيداً من التجارب التي أثقلت هذه العلاقة خلال العقود الماضية.

 

وتكتسب هذه الإشارة أهميتها من أن العلاقة اللبنانية السورية لا تبدأ من فراغ، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد تفاهمات بين حكومتين. فقد تركت مرحلة الوصاية السورية على لبنان آثاراً سياسية واجتماعية عميقة، وأنتجت مواقف متباينة من سوريا ومن حضورها في الحياة اللبنانية. وفي المقابل، لا يمكن اختزال العلاقات بين المجتمعين في تلك المرحلة، بالنظر إلى ما يجمعهما من روابط اجتماعية وثقافية واقتصادية وتاريخية.

 

من هنا، تبرز مسألة الثقة باعتبارها أحد التحديات الأساسية أمام بناء علاقة جديدة. فالتقارب يتحقق باستعادة مفردات الأخوّة والتاريخ المشترك، كما يحتاج إلى ترجمة عملية تحترم استقلال البلدين، وتتيح لكل منهما التعبير عن مصالحه وهواجسه، وتؤسس لتعاون لا يعيد إنتاج تجارب الهيمنة السابقة.

 

وفي هذا السياق، شدّد الصالح على أهمية احترام خصوصية الآخر وسيادته، مستعيداً ما قال إنه توجّه تكرّر في الإشارات السياسية إلى العلاقات بين البلدين. ورأى أنَّ المشتركات بين الشعبين كثيرة، وأن مسؤولية المرحلة الراهنة تتمثّل في تحويل هذا الإرث إلى مساحة للتعاون والتفاهم، كما إلى ذريعة لتجاوز خصوصية أي من البلدين.

 

لبنان الذي احتضن السوريين

في مداخلته في “المدن” خصّ الوزير الصالح لبنان بتحية واضحة، مستعيداً محطات من العلاقة بين الشعبين، ولا سيما ما قدّمه لبنانيون للسوريين خلال سنوات الثورة، وما وفّرته بيروت من مساحة للكتّاب والمبدعين السوريين حين ضاقت بهم بلادهم في عهد النظام السابق.

وقال الصالح إن من الضروري تذكّر “موقف رجال وكتّاب لبنان الشجعان الذين وقفوا موقفاً مشرّفاً من الثورة السورية”، مشيراً إلى أن لبنان فتح فضاء الحرية أمام كثير من الكتّاب والمبدعين السوريين حين ضاقت عليهم سوريا في زمن “الاحتلال الأسدي”، كما استقبل سوريين خلال سنوات الثورة.

ووجّه الوزير الشكر إلى لبنان، حكومةً وشعباً، مستعيداً صورته بوصفه بلداً شقيقاً، ومؤكداً أن الشراكة بين البلدين تمتد، وفق تعبيره، إلى جذور تاريخية وحضارية بعيدة.

وتحمل هذه استعادة لدور بيروت بوصفها إحدى المساحات التي احتضنت الإنتاج الثقافي السوري، ووفّرت لبعض أصحابه إمكانات النشر والتعبير والتواصل مع الجمهور العربي، في ظروف لم تكن تسمح لهم بذلك داخل سوريا.

 

لكن استعادة هذه الذاكرة تطرح، في الوقت نفسه، سؤالاً عن مستقبل العلاقة الثقافية بين البلدين: كيف يمكن الانتقال من تجربة احتضان المثقفين السوريين في المنفى إلى شراكة مؤسساتية تتيح للكتّاب والفنانين والباحثين في البلدين العمل والتبادل بحرية؟ وكيف يمكن أن تصبح العلاقة الثقافية جسراً للتعارف المتبادل، بعيداً من التوظيف السياسي أو الصور الجاهزة التي تراكمت عبر سنوات طويلة؟

 

الثقافة مساحة للتعددية

لم يقتصر حديث الصالح على العلاقات الخارجية، إنما توسع وتناول أيضاً ما قال إنها “مسؤولية وزارة الثقافة السورية في المرحلة الراهنة، والمتمثّلة في تعريف السوريين بتنوّع مجتمعهم ومكوّناته واختلافاته العرقية والمذهبية والطائفية واللغوية”.

 

وأضاف “إن الوزارة تسعى إنتاج الأعمال الثقافية، وإلى فتح الفضاءات أمام الراغبين في الإبداع والمشاركة في صناعة المشهد الثقافي، وإتاحة المجال أمام مختلف التيارات الفكرية. ومن جهة أخرى، أكّد في حديثه عن معرض الكتاب والنهج الذي تسعى الوزارة إلى تكريسه، أنه لم يكن هناك تيار فكري غائب عن المعرض، ولم يكن هناك كتاب ممنوع.

 

وتوقّف الصالح عند عبارة “معرض كتاب لا يُمنع فيه أي كتاب”، معتبراً أنها تستحق الاحتفاء، لأنها تعبّر عن وعد قال إن الوزارة قطعته وعملت على تحقيقه.

وتشكّل هذه التصريحات جزءاً أساسياً من الصورة التي تريد الوزارة تقديمها عن توجهاتها الثقافية. فالتعددية التي تحدّث عنها الوزير صالح تتصل بتنوّع المجتمع السوري، وأيضاً ذات علاقة بحق التيارات الفكرية المختلفة في الظهور والتعبير، وبقدرة المؤسسات الثقافية على استيعاب الاختلاف بدلاً من إخضاعه لمنظومة واحدة.

 

معرض بيروت: الثقافة مدخلاً إلى الشراكة

تأتي زيارة الصالح إلى “المدن” في سياق زياراته لعدد من المؤسسات الإعلامية والثقافية اللبنانية المستقلة والمؤثرة، في وقت تتيح فيه المناسبات الثقافية فرصاً لإعادة تنشيط التواصل بين المثقفين والناشرين والمؤسسات الثقافية اللبنانية والسورية.

فالروابط بين الحقلين الثقافيين في البلدين تشمل تاريخاً من النشر والتأليف والترجمة والندوات والحوارات الفكرية. وقد أدّت بيروت دوراً بارزاً في استقبال أصوات سورية مختلفة، فيما ظلّ الإنتاج الثقافي السوري جزءاً من المشهد الثقافي العربي الذي تتفاعل معه المؤسسات والقرّاء في لبنان.

وفي كلمته، أشار الصالح إلى أوجه التعاون التي قال “إن جهات مختلفة تقدّم من خلالها الدعم للأنشطة الثقافية السورية، من معرض الكتاب ومهرجان دمشق الدولي للشعر العربي، إلى فعاليات المكتبة الوطنية ومشروعات الهيئة العامة السورية للكتاب والهيئة الموسوعية العربية، فضلاً عن مهرجانات السينما والمسرح. ووجّه الشكر إلى الداعمين لهذه المشروعات، معرباً عن تطلّعه إلى مزيد من التعاون والشراكة”.

وتفتح هذه الإشارات المجال أمام التفكير في صيغ أوسع للتعاون الثقافي بين لبنان وسوريا، سواء من خلال معارض الكتب، أو التبادل بين دور النشر، أو برامج الترجمة، أو اللقاءات الفكرية والفنية، أو إقامة مشروعات مشتركة تتيح للأجيال الجديدة التعرف إلى تجارب البلدين وتحولاتهما.

 

شراكة أقدم من السياسة

في ختام حديثه، أعاد الصالح التأكيد على الجذور التاريخية والحضارية للعلاقة بين لبنان وسوريا، معتبراً أن الشراكة بين الشعبين أقدم من الحدود السياسية الحديثة ومن المراحل التي حكمت علاقتهما في العقود الماضية. وقال “إن هذه الشراكة بدأت، وفق تعبيره، حين كان الشعبان شريكين في صناعة الحضارة وبناء أسسها، مستعيداً الروابط التي تجمع المنطقة بتاريخ الحضارات القديمة”.

وإذا كانت الذاكرة المشتركة تمنح العلاقة اللبنانية السورية أساساً تاريخياً وثقافياً، فإن التحدي اليوم يكمن في بناء مستقبل يمكن إنجازه في الحاضر، مستقبل قوامه علاقة بين دولتين تحترم كل منهما سيادة الأخرى، ومؤسسات تتعاون من دون وصاية، ومجال ثقافي يتسع للاختلاف، ومساحات إعلامية تتيح النقاش والحوار.

في هذا السياق، اكتسبت زيارة وزير الثقافة السوري إلى “المدن” معناها الأوسع. فهي مناسبة للحوار حول الدور الذي يمكن أن تؤديه الثقافة في إعادة بناء الثقة، وفتح قنوات التواصل، وتجاوز الصور النمطية التي خلّفتها التجارب السياسية السابقة. بين معرض بيروت الدولي للكتاب وأسئلة العلاقة بين بيروت ودمشق، يبقى الاختبار الأهم هو قدرة الخطاب عن الشراكة والحرية والتعددية على التحوّل إلى ممارسة تحمي استقلال البلدين، وتمنح مجتمعيهما فرصة لبناء علاقة أكثر توازناً وانفتاحاً.

المصدر: صحيفة المدن اللبنانية

spot_imgspot_img