spot_img

ذات صلة

الأكثر مشاهدة

من أسر الجنود إلى سباق التسلّح.. كيف أعادت أزمة 1954 تشكيل الأمن في سوريا وإسرائيل

بدأت حادثةُ أسر جنودٍ إسرائيليين في سوريا سنة 1954...

مركز أمل خاني يسلّط الضوء على أهمية المنعكسات البدائية في النمو الحركي للطفل

منصة دمشق الإخبارية ـ خاص تحدث المعالج الفيزيائي محمد عبد...

18 وضعاً حركياً لتأهيل الأطفال وتعزيز استقلاليتهم في مركز أمل خاني للتوحد والاضطرابات النمائية

منصة دمشق الإخبارية ـ خاص تعمل الأخصائية دانيا سماني في...

اختصاصية نطق في مركز أمل خاني: نعمل على تطوير المهارات اللغوية والنطقية لدى الأطفال وفق خطط فردية

منصة دمشق الإخبارية ـ خاص تعمل اختصاصية النطق عزة، الحاصلة...

مركز «أمل خاني» للتوحد والاضطرابات النمائية.. مبادرة سورية تستمر بجهود أهلية ودعم مجتمعي

منصة دمشق الإخبارية ـ خاص يواصل مركز «أمل خاني» للتوحد...

من أسر الجنود إلى سباق التسلّح.. كيف أعادت أزمة 1954 تشكيل الأمن في سوريا وإسرائيل

بدأت حادثةُ أسر جنودٍ إسرائيليين في سوريا سنة 1954 أزمةً غيّرت العقلية الأمنية في سوريا وإسرائيل، وبقيت منسيةً في المرويات العربية.

أحمد مأمون أبو عامر
كاتب وباحث فلسطيني

من أسر الجنود إلى سباق التسلّح.. كيف أعادت أزمة 1954 تشكيل الأمن في سوريا وإسرائيل
خرجت سوريا وإسرائيل بتعريفين متباينين للأمن | تصميم خاص بالفراتس
ليلة التاسع من ديسمبر 1954، اجتازت مجموعة عسكرية إسرائيلية الحدود السورية وصولاً إلى تل العزيزيات في مهمة استخباراتية انتهت بمواجهة مع دورية سورية كانت في المنطقة وأسر أفراد المجموعة الخمسة. وقد كانت تلك أول عملية أسر جنود إسرائيليين في الصراع العربي الإسرائيلي.

بعد أربعة أيام، ردّت إسرائيل على أسر جنودها باختطاف طائرة مدنية سورية كانت في طريقها من دمشق إلى القاهرة، وأجبرتها على الهبوط في مطار اللد، لتجعل من ركابها وطاقمها رهائن في مواجهة دمشق. حوّلت إسرائيل عملية الاختطاف إلى ورقة ضغط بقصد الإكراه السياسي والحصول على رهائن للمبادلة، وكانت بذلك أول حادثة في التاريخ تعمد فيها دولة لاختطاف طائرة مدنية واستخدام ركابها ورقة تبادل رهائن.

افتتحت الواقعتان أزمة حدودية وأمنية استمرت أكثر من عام، تداخلت فيها قضية تبادل الرهائن مع أزمة دبلوماسية دولية. لكن تفاصيل الأزمة تتيح قراءة الوقائع التي سبقت حرب السويس في أكتوبر 1956 بمعزل عن السرديات الكبرى التي حقّبت تاريخ الصراع بالحروب العربية الإسرائيلية الرسمية، وتكشف عن تباين استجابة المؤسستين الأمنية والعسكرية في سوريا وإسرائيل للتهديد. فبينما حوّلت إسرائيل إخفاقها الاستخباراتي إلى مراجعة مؤسسية وتوسيع أدوات الاختراق، اتجهت سوريا إلى تعزيز قدراتها العسكرية ومكافحة التجسس، دون تطوير موازٍ لأدوات معرفة الخصم. ومع أهمية هذه الأزمة وآثارها الممتدة، لكنها تكاد تغيب عن المدونة التاريخية العربية، والسورية خصوصاً.

وتكتسب العودة إلى الأزمة راهنيّتها مع عودة قضايا الحدود والسيادة إلى الواجهة عقب سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر 2024. ومع تبدّل الظروف الإقليمية والدولية وموازين القوة بين الدولتين، لا تزال هذه القضايا حاضرة في العلاقة بين دمشق وتل أبيب.

مع الإعلان عن قيامها في مايو 1948، ثم توقيعها اتفاقيات الهدنة المنفردة مع دول الطوق سنة 1949، سعت إسرائيل إلى إعادة تنظيم شبكات تجسسها داخل تلك الدول وتوسيعها، مستندةً إلى جهاز استخباري كان قائماً داخل الوكالة اليهودية. كان همّ استخبارات الجيش آنذاك دراسة التهديد الذي تشكّله الجيوش العربية وإمكانياتها ونواياها. وأجابت عن ذلك في تقرير استخباري قومي سنوي، وفق كتاب المؤرّخَيْن بيني موريس وإيان بلاك “الحروب السرية للاستخبارات الإسرائيلية”، المترجم للعربية سنة 1998.

قوبل هذا التوسع الإسرائيلي بنشاط عربي في مكافحة التجسس، إذ كانت الدول الخارجة من حرب 1948 تعمل على تطوير أجهزتها الأمنية بالتوازي مع بناء جيوشها. وقد تكررت أخبار القبض على العملاء والمتسللين وإعدامهم في العناوين الرئيسة للصحف في الأردن ولبنان وسوريا ومصر خلال النصف الأول من الخمسينيات.

في سوريا، كانت لإسرائيل شبكة عملاء درزية داخل الجيش، يقودها حمود الصفدي من مجدل شمس في الجولان، وتضم آمر سرية ورقيباً في قيادة الأركان العامة بدمشق. سنة 1950، زوّدت الشبكةُ الجيشَ الإسرائيلي بوثيقة من عشر صفحات عن التغيرات التي أحدثت على تحصينات مرتفعات الجولان. وذلك وفق الوثائق الإسرائيلية التي نقلها المؤرخ الفلسطيني قيس ماضي فرو في كتابه “دروز في زمن الغفلة” المنشور سنة 2019.

في شتاء 1951، قبضت الاستخبارات السورية على المجموعة، وأصدرت المحكمة العسكرية في مطلع يناير 1952 أحكاماً بالإعدام بحق أفرادها الاثني عشر. فيما فرّ أحد أفراد الشبكة، وهو يوسف الصفدي، إلى إسرائيل. ولكن الاستخبارات العسكرية السورية أرسلت في سبتمبر 1955 عناصر من “وحدة الفدائيين الفلسطينيين” التابعة لها لتنفيذ الحكم بحقّه. ويقول ضابط الموساد يعقوب كاروز في كتابه “ذي آراب سيكريت سيرفيسز” (أجهزة الاستخبارات العربية السرية) الصادر سنة 1978، إنه قُتل في إحدى قرى الجليل، إذ أصرّ رئيس المخابرات العسكرية السورية عبد الحميد السراج على تنفيذ الحكم ليكون رادعاً لغيره من الدروز الذين قد يتعاونون مع إسرائيل.

في المقابل، يذكر بلاك وموريس في كتابهما أن حمود الصفدي، قائد الشبكة، اعتُقل وصدر بحقه حكم بالإعدام خُفّف لاحقاً إلى السجن المؤبد، قبل أن يموت تحت التعذيب في سجن تدمر. ويذكران أيضاً أن عضواً آخر من الشبكة هو من فرّ إلى إسرائيل سنة 1951 وأُعيد تجنيده بهوية جديدة ثم توفي سنة 1956، من دون أن يسمّياه.

وعلى اختلاف الروايتين في مصير أفراد الشبكة، فالثابت بينهما أنه بعد ضرب الخلية الدرزية مطلع 1952 بدا أن إسرائيل أُصيبت بعمى استخباراتي داخل سوريا. وانكشف مدى هذا الضعف في يناير 1954 حين أقدم الرئيس السوري أديب الشيشكلي على قصف جبل العرب بسبب تمرد الدروز عليه.

ضغط حينئذٍ رئيس الأركان الإسرائيلي موشيه ديان والنواب الدروز في الكنيست باتجاه التدخل العسكري لصالح الدروز، ولكن رئيس الوزراء موشيه شاريت رفض. وكتب في يومياته “ماي ستراغل فور بيس” (بلائي لأجل السلام) المنشورة بترجمتها الإنجليزية سنة 2019، أن “غياب الوعي بما كان يجري في جبل الدروز كشف عن عيب خطير في استخباراتنا خلال لحظة حرجة”. وبعد قرابة شهر، اعترف شاريت أمام لجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكنيست بأن معلوماتهم عن سوريا جاءت من السفير الفرنسي في دمشق وليس الاستخبارات الإسرائيلية.

وفيما خلصت المؤسسات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية إلى ضرورة سدّ العمى الاستخباراتي في سوريا، واجهت دمشق فجوة من نوع آخر، تمثلت في ضعف قواتها الجوية التي ورثتها عن الانتداب الفرنسي، ونقص الطيارين الأكفاء. وكان أديب الشيشكلي، الذي هيمن على السلطة بين سنتي 1949 و1954، مدركاً أن نقطة الضعف السورية أمام إسرائيل تكمن في سلاح الجو. وينقل أكرم الحوراني، الذي تولى منصب وزير الدفاع بين ديسمبر 1949 ويونيو 1950، في مذكراته المعنونة “مذكرات أكرم الحوراني” الصادرة سنة 2000، أن الشيشكلي قال: “لا خوف على قوانا البرية، ولكننا ضعفاء في سلاح الجو، الطائرات اليهودية تستطيع عرقلة دفاعنا”. وكان الحوراني يعدّ التفوق الجوي الإسرائيلي “علة العلل” في ضعف الجبهة السورية.

وفي سعيها لتحقيق التوازن الجوي مع إسرائيل، كانت سوريا قد تسلمت من بريطانيا خمساً وعشرين طائرة من طراز “ميتيور” بحلول صيف 1954، وفق ما تذكره أطروحة الدكتوراه للباحث الإسرائيلي نوعام هارتوخ “آ هيستوري أُف ذا سيريان آير فورس 1957-1967” (تاريخ القوات الجوية السورية 1947–1967) سنة 2015. وكان بينها مقاتِلات ليلية احتاج تشغيلها إلى أجهزة الرصد والتوجيه الأرضي، في حين كانت شبكة الرادار السورية شبه معدومة. ويبدو أن لندن أرادت الاحتفاظ بنفوذ في الجيش السوري، دون منحه قدرةً تغيّر التوازن الجوي مع إسرائيل.

وكانت هذه الحاجة قد دفعت سوريا إلى السعي لبناء شبكة رصد شاملة. ففي سنة 1953 حاول قائد سلاح الجو السوري محمد سهيل العشي شراء رادارات من شركة “ماركوني” البريطانية، لكن الشركة عرقلت مساعيه ورفعت الأسعار، فعجزت الحكومة عن تمويل الصفقة.

في الوقت نفسه، أُرسل ضباط للتدرب على الرادار في فرنسا. وفق ما يروي العشي في مذكراته “فجر الاستقلال في سورية” الصادرة سنة 1999. واستعان الجيش السوري بعسكريين نازيين فارّين لإنشاء قسم للتدريب الرصدي في قطنا، حسب دراسة الباحثة الألمانية ثورا بيندوس “زيرينس زيتشيرهايتسابارات [. . .]” (المنظومة الأمنية السورية [. . .]) المنشورة سنة 2025.

مع طيّ سنة 1954، كان الطرفان الإسرائيلي والسوري أمام فجوتين متقابلتين، استخباراتية وعسكرية. وأخذ كل طرف يبحث عن حلول للتفوق على خصمه. فبعد انكشاف قصور الاستخبارات الإسرائيلية في متابعة ما جرى خلال أزمة جبل الدروز والتمرد على الشيشكلي، اتجهت تل أبيب إلى تطوير وسائل لجمع المعلومات عن الجيش السوري.

ففي أبريل 1954، أطلقت شعبة العمليات في الجيش الإسرائيلي سلسلة عمليات “تسرتسار” بقيادة مئير هار تسيون من فصيل الاستطلاع في كتيبة المظليين 890 التابعة للوحدة 101، التي أسّسها أرئيل شارون قبل أشهر. وكان شارون قد وصف هار تسيون بأنه “نخبة النخبة”، ووصفه موشيه ديان أنه “أفضل جندي أنجبه الجيش”. وأصبح لاحقاً من أبرز الشخصيات المرتبطة بتأسيس وحدة العمليات الخاصة “سيرت متكال”، التي خدم فيها بنيامين نتنياهو.

بين أبريل ويوليو، نفّذ هار تسيون العمليات الأربع الأولى لزرع جهاز تنصّت وتوصيله بخط اتصال عسكري، بين تل العزيزيات وتل الفخار في العمق السوري. كان الجهاز صندوقاً خشبياً مدفوناً، يتصل بخط الهاتف بسلك رفيع، ويبثّ لاسلكياً مكالمات وحدات الجبهة السورية واتصالاتها بقيادة الأركان في دمشق إلى “كيبوتس دان” بجانب الحدود. أما نصفه السفلي فكان لغماً ينفجر عند تحريك مسمارين، لتدميره إذا كشفه الخصم. وحمل الجهاز الاسم الرمزي “نيتسان”، ومعناه البرعم، وتستخدم مجازاً بمعنى البداية أو العلامة الأولى لشيء ناشئ.

لكن إعادة بناء تفاصيل هذه العمليات لم تكن يسيرة، إذ ظلت وثائقها الأرشيفية بعيدة عن متناول الباحثين. وتمكّن المؤرخ العسكري الإسرائيلي، العقيد الاحتياط موشيه غيفعاتي، من مقارنة يوميات هار تسيون بالوثائق الأرشيفية التي أُتيح له الاطلاع عليها، ليعيد تركيب تسلسل العمليات وتفاصيلها في كتابه “فيهي ما – مئير هار تسيون” (وليكُن ما يكون: مئير هار تسيون)، الصادر سنة 2019.

انتقلت المهمة بعد عدة أشهر من هار تسيون ومجموعته إلى مجموعة أخرى من المظليين. وأصبحت المجموعات الخاصة تتردد على الجهاز لإصلاحه، أو تبديل بطاريته، أو معالجة ضعف الصوت الناتج عن الرطوبة. وفي ليلة الثامن على التاسع من ديسمبر 1954، استدعى خلل تقني إرسال مجموعة لمعالجته. لذا، شكّل الرائد أرئيل شارون، قائد كتيبة المظليين، مجموعة من خمسة جنود. وهم: الملازم مئير موزس، قائد سرية استطلاع في لواء غولاني، والعريف أوري إيلان من اللواء نفسه، والعريف المظلي يعقوب ليند، والجندي المظلي غاد كستلنيتس، والرقيب المظلي مئير يعقوبي الذي اختاره شارون لقيادة المجموعة. كان يعقوبي يجيد العربية ويعرف الأرض وتضاريسها ومسار الوصول إلى الجهاز، بعدما تردد عليه في الأشهر السابقة.

تسللت المجموعة ليلاً، فكشفتها دورية سورية بقيادة العريف عادل المزيك. ووقع اشتباك قصير أصيب خلاله أحد الجنود الإسرائيليين إصابة طفيفة، فأمر يعقوبي مجموعته بالاستسلام وباتوا أسرى.

وبعد تأخر المجموعة وسماع أصوات الرصاص في الجليل الأعلى، طلب الإسرائيليون من رئيس لجنة الهدنة السورية الإسرائيلية، العقيد كومينال، الاستفسار من الجانب السوري. وجاءه الردّ أنهم “لا يعرفون شيئاً عن جنود إسرائيليين”، وفق ما أوردته صحيفة “دافار” التابعة لحزب “ماباي” الحاكم، في عددها الصادر يوم 12 ديسمبر. ولكن الصحيفة تذكر في العدد نفسه أن إذاعة دمشق بثت في اليوم السابق، أي 11 ديسمبر، بياناً رسمياً يعلن عن أسر الجنود الخمسة.

كانت سوريا قد احتجزت قبل ذلك بأربعة أشهر مدنياً إسرائيلياً يُدعى شلومو بن يهودا، وكذا لم تعترف بالجنود الإسرائيليين الخمسة أُسارى، ورفضت الإفراج عنهم، ولم يُلزِمها اتفاق الهدنة بذلك. إذ كتب الجنرال الكندي إيدسون بيرنز، رئيس أركان هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهُدن في فلسطين، أن “السوريين لم يكونوا مُلزَمين، بموجب أحكام اتفاقية الهدنة العامة، بالإفراج عن أي إسرائيليين يُؤسَرون داخل أراضيهم. والجندي الذي ينتهك خط الهدنة الفاصل ويُؤسر في أراضي الطرف الآخر، لا تكون له صفة أسير حرب”. وذلك في كتابه “بيتوين أراب آند إسرائيلي” (بين العرب والإسرائيليين) الصادر سنة 1962.

كانت المنطقة التي اخترقها الجنود من المناطق التي احتفظ بها الجيش السوري بعد معارك دامية حول مستعمرة “ميشمار هايردن” في يوليو 1948، وخسرها في اتفاق الهدنة في يوليو 1949، حين أُدرجت ضمن المناطق منزوعة السلاح. ومع ذلك، ظلّت دمشق تتصرف بندّية، فسعت إلى فرض حضورها في مناطق الجبهة. إذ تكررت المناوشات، واحتُجز صيادون في بحيرة الحولة، وسلّح الشيشكلي المزارعين للرد على الاعتداءات النارية من الضفة المقابلة. وعن النزاع على الملاحة في بحيرة طبريا، كتب موردخاي غور، رئيس الأركان لاحقاً، أن السوريين منعوا الإسرائيليين بالقوة، فأقاموا سلسلة مواقع على طول الشاطئ و”خلقوا أمراً واقعاً”.

ضمن هذا السياق، كانت نديّة سوريا يومئذٍ ناتجة في أحد أوجهها عن هشاشة الحال داخل إسرائيل، إذ كانت دولة ناشئة يعاني اقتصادها ومجتمعها أزمات متباينة. بدءاً بسياسة التقشف والنقص في الموارد المالية، وليس انتهاءً بأزمة استيعاب المهاجرين والخلافات المتصاعدة بين حكومة موشيه شاريت والقيادة العسكرية.

ومع هذه القيود، فقد انشغلت القيادة الإسرائيلية يومي 10 و11 ديسمبر 1954، بالبحث عن وسيلة لاستعادة جنودها. وقد تزامنت الأزمة مع انشغالها بمحاكمة ثلاثة عشر جاسوساً يهودياً في مصر. وكان همّ وزير الدفاع بنحاس لافون، بحسب تعبيره عن الجنود في سوريا، “منع قتلهم أو إساءة معاملتهم”، ما دامت استعادتهم بالوسائل القانونية متعذرة.

بحث لافون وموشيه ديان، الذي كان وقتئذٍ رئيس الأركان، عن مخرج لأزمة الجنود المحتجزين في سوريا، فاتفقا على اختطاف عسكريين سوريين لإجبار دمشق على المبادلة. وبعدما رفضت الحكومة الإسرائيلية المقترح، أَذِن لافون، في حدود التفويض الممنوح له وزيراً للدفاع، لديان باختطاف طائرة عسكرية. لكن ديان تجاوز هذا الإذن وأمر سلاح الجو وشعبة العمليات باختطاف طائرة مدنية. فيما وصف تقييم وزارة الخارجية الأمريكية العملية بأنها “بلا سابقة في تاريخ الممارسة الدولية”.

في موازاة ذلك، كانت دمشق تواصل مساعيها لبناء منظومة دفاع جوي تحدّ من التفوق الإسرائيلي. وفي إطار هذه الجهود استقبلت مديرَ شركة “ليرو” لصناعة الرادارات، الأمريكي رالف هانسن، للتباحث بشأن تزويدها بمعدّات الرادار. وأثناء زيارته، تلقى هانسن برقية عاجلة من شركته تستدعي قراره بشأن صفقة بقيمة ثمانين ألف دولار، فاضطر إلى تقديم موعد سفره إلى القاهرة للرد عليها. وكانت العاصمة المصرية وجهته التالية أصلاً، لمناقشة صفقة على غرار الصفقة السورية.

صباح الأحد 12 ديسمبر، استقل هانسن طائرة “داكوتا” التابعة للخطوط الجوية السورية، في رحلتها المجدولة مرّتين أسبوعياً إلى القاهرة. وكان برفقته أربعة ركاب: صبيحة الحنبلي (المنزلاوي)، ابنة وزير المعارف السوري الأسبق شاكر الحنبلي وزوجة المحامي المصري مصطفى المنزلاوي. والتاجر الحلبي أنطوان أسود عطا الله. والسكرتير الثالث في السفارة السورية بالقاهرة شريف قطمة. ومسؤول أحد مقارّ الجمارك على الحدود السورية التركية الملازم عادل مغربية.

أما طاقم الطائرة، فتألّف من خمسة أفراد: القبطان اليوناني الشاب باسيل تولوموغلو، المولود في السويس. ومساعده الملازم أول عبده وهبة، وضابط اللاسلكي عبد القادر العجلاني، ومهندس الطيران المصري حسن إسماعيل، والمضيفة الدمشقية كلير سليمان. وأوردت تفاصيل الطاقم والركاب صحيفة “دافار” الإسرائيلية في عدد يوم 13، وصحيفة “ألف باء” السورية في عددها الصادر يوم 15 ديسمبر.

بينما كانت الطائرة تحلّق فوق البحر قبالة عكا، اعترضتها مقاتلتان إسرائيليتان من طراز “ميتيور”. وقد ظن هانسن في البداية أنهما تشاركان في مناورة لسلاح الجو مصري، لكن الركاب والطاقم سرعان ما لاحظوا نجمة داود على جناحيهما. ومن الروايات السورية القليلة عن الحادثة، يروي وزير الدفاع السوري لاحقاً مصطفى طلاس في مذكراته “مرآة حياتي” الصادرة سنة 1990، إذ كان يوم الحادثة ملازماً في كتيبة الاستطلاع الثانية على جبهة الجولان، أن المقاتلتين أنزلتا عجلاتهما إشارة إلى وجوب تغيير المسار واتباعهما.

طلبت المقاتلتان من قائد الطائرة الهبوط في مطار اللد، فأمر ضابطَ اللاسلكي العجلاني بالاتصال بدمشق وإبلاغها بالتهديد. وفق شهادة العجلاني المنشورة في مجلة “الأجواء” سنة 1964. وبحسب رواية هانسن، أبلغ القبطانُ الركابَ: “إذا واصلتُ الطيران، فسوف يُسقطوننا”.

حطّت الطائرة في اللد. وفي المقطع القصير الذي التقطه المخرج الإسرائيلي ناثان أكسلرود، يظهر بعض الركاب مبتسمين أثناء نزولهم. ويذكر العجلاني في شهادته أن الاستقبال كان ودياً في البداية، وأن المعاملة كانت جيدة في اليوم الأول.

بعد التعرف إلى هويات الركاب، استُجوب هانسن منفرداً مدة ربع ساعة بشأن أسباب زيارته إلى دمشق، فأبى تقديم معلومات، وفق روايته. وحاولت السلطات الإسرائيلية حمله على توقيع إقرار بأن الطائرة كانت تحلّق فوق مياهها الإقليمية، فشطب العبارة وكتب أنها كانت ضمن مسارها الدولي المرسوم. أُفرج عنه سريعاً، وغادر إلى قبرص، ومنها إلى بيروت ثم القاهرة. وفي تصريحه لصحيفة نيويورك تايمز، نشرت يوم 24 ديسمبر، أعلن عن عزمه مقاضاة إسرائيل والمطالبة بتعويض قدره مئة ألف دولار عن الأضرار التي لحقت به.

كان رئيس الحكومة موشيه شاريت يتابع أخبار محاكمات الجواسيس اليهود في القاهرة حين وصله خبر الطائرة المدنية السورية. وفق روايته، صُدم ورفض أن يستخدم المخطوفين أوراق مساومة وأمر بالإفراج الفوري عن الطائرة. قال: “نحن لسنا قراصنة، نحن نتصرف كبشر”، وكتب في يومياته أن ما صدمه هو ضيق أفق قادته العسكريين.

كان شاريت، بخلاف النزعة السائدة في القيادة الإسرائيلية، يجسد تناقضاً أخلاقياً في مواجهة شمولية التفكير الأمني داخل المؤسسة السياسية والأمنية نفسها، وفق تحليل مدير المركز العربي للأبحاث والدراسات عزمي بشارة في كتابه “من يهودية الدولة حتى شارون [. . .]” الصادر سنة 2005. فقد انحدر شاريت من تقاليد الحركة العمالية والعمل السياسي والدبلوماسي في الوكالة اليهودية، ودرس القانون في إسطنبول، وخدم ضابطاً في الجيش العثماني. وقضى عامه الأخير من الخدمة في حلب، إذ عمل سكرتيراً لكبير المهندسين في قيادة جمال باشا.

أما رئيس الأركان موشيه ديان، فكان على غرار بعض الضباط البريطانيين، مغامراً تحدوه الأحلام الاستعمارية، إذ تشكّل وعيه العسكري في صفوف مجموعات الهاغاناه الصهيونية المسلحة. وتأثر بمدرسة الضابط البريطاني أورد وينغيت، الذي وصفه رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل بأنه “ضابط مجنون”. وكان وينغيت من أبرز معلميه العسكريين إبان سنوات الثورة الفلسطينية الكبرى بين سنتي 1936 و1939.

على الجانب السوري، بادر رئيس الحكومة فارس الخوري إلى التحذير من أن عدم الإفراج الفوري عن ركاب الطائرة “سيؤدي إلى عواقب وخيمة”. وفي نيويورك، قدّم رئيس الوفد السوري الدائم لدى الأمم المتحدة رفيق عشا، ونائبه أحمد الشقيري، شكوى شديدة اللهجة. وقادا حملة إعلامية في الصحافة الغربية تنديداً بالقرصنة الإسرائيلية، مستفيدين من انعقاد مؤتمر السفراء الأمريكيين في العاصمة السورية آنذاك. فردّت إسرائيل بالادعاء أن الطائرة اخترقت مجالها الجوي.

بدأت إسرائيل الإفراج عن الرهائن على مراحل. وأبلغت القبطان اليوناني أنه غير معتقل وبإمكانه المغادرة، لكنه أبى الرحيل دون طائرته. وفي 13 ديسمبر، سُلّمت المضيفة كلير سليمان والتاجر الحلبي أنطوان عطا الله إلى السلطات السورية عند جسر بنات يعقوب، وصبيحة الحنبلي المنزلاوي ومهندس الطيران حسن إسماعيل إلى السلطات المصرية في قطاع غزة، حيث أمر جمال عبد الناصر بإرسال طائرة حربية لنقلهما إلى القاهرة.

أما الباقون، فاستمر استجوابهم من أجل انتزاع معلومات منهم دون جدوى، وفق شهادة العجلاني وما أوردته صحيفة “ألف باء” في خبرها الرئيس الذي جاء بعد الإفراج عن بقية الركاب والطاقم ظهيرة 14 ديسمبر. عادت الطائرة إلى دمشق وهبطت في مطار المزة في الرابعة والربع.

انتهت أزمة الطائرة سريعاً تحت الضغط الدولي، وحققت دمشق نجاحاً دبلوماسياً باستعادتها، فيما ظلت تحتفظ بالجنود الإسرائيليين الخمسة ورقةً للمبادلة. وفي الأثناء، بذل الجنرال الكندي بيرنز محاولات للإفراج عن الأسرى تجنباً لتصعيد إسرائيلي جديد، ولكنها باءت بالفشل.

في تصريحاته للصحف السورية عقب اجتماعه بالمسؤولين السوريين يوم 15 ديسمبر، عرض مطالب دمشق بشأن المنطقتين الوسطى والجنوبية منزوعتي السلاح، وإعادة بناء قرية النقيب، وحقوق سكان شاطئ طبريا، دون التطرق إلى الجنود الإسرائيليين. وكان قد أعلن في اليوم السابق أن قضيتهم مدرجة على جدول الاجتماع. ولعلّ إغفال ذكر الأسارى في تصريحات بيرنز يوحي أن دمشق آثرت تأجيل نقاش الإفراج عنهم حتى استكمال التحقيق، مستندةً إلى وضعهم القانوني.

وكانت المجموعة الإسرائيلية قد نُقلت بعد أسرها إلى سجن المزة في دمشق، في حين كان المقدم مصطفى رام حمداني يرأس الشعبة الثانية، أي الاستخبارات العسكرية. وفي فقرة يتيمة من مذكراته “شاهد على أحداث سورية وعربية وأسرار الانفصال” الصادرة سنة 1999، يورد إحدى الإشارات السورية النادرة إلى أسر الجنود الخمسة، ويذكر أن التحقيق معهم جرى بأساليب “ذكية دون استعمال الشدة”. ويروي أن أحدهم فرّ ليلاً من سجن المزة، قبل أن يُقبض عليه بعد نصف ساعة في حارة اليهود في دمشق القديمة. مع هذا، فمسافة الثماني كيلومترات بين المزة وحارة اليهود، وما يفصل بينهما من ثلاثة أحياء عبر الطريق الرئيس، خصوصاً لهارب غريب عن المنطقة، قد يضع الرواية موضع التشكيك.

استغرقت الاستخبارات السورية بضعة أيام للكشف عن حقيقة المجموعة. فبعد وضع كل منهم في زنزانة منفردة، حاولوا تضليل المحققين مدّعين أنهم ضلّوا الطريق. هذا بحسب رواية اللواء صلاح الدين الضللي، رئيس المحكمة العسكرية الاستثنائية التي حاكمت إيلي كوهين لاحقاً، في كتابه “حقائق لم تنشر عن الجاسوس الصهيوني إيلي كوهين [. . .]” الصادر سنة 2002. ومع تعذّر الوصول إلى نسخة الكتاب بالعربية، ولكن ثمة اقتباسات منه ترجمها إلى العبرية شقيقُ كوهين، أبراهام.

وتقدم شهادة أحد الأسرى مثالاً على الأساليب التي استخدمها المحققون السوريون للكشف عن هوية أفراد المجموعة. كان الأسير مئير موزس، القادم من رومانيا والذي التحق بالجيش الإسرائيلي سنة 1950، سبّاحاً ماهراً وعضواً في المنتخب الإسرائيلي “المكابياه”، يتردد قبل أسره على مسبح في حيّ “بات غاليم” (حي العتيقة) في حيفا. وأثناء التحقيق، دخل عليه شاب أشقر لديه ندبة قرب فمه، فعرفه موزس، إذ كان يعمل في المسبح نفسه ويتقن العبرية.

أقرّ موزس حينئذٍ بأنه جندي إسرائيلي، ولكن الشاب واجهه بمعرفته برتبته، وهي ملازم. ولا تتوفر معلومات عن هذا الشاب سوى ما ورد في شهادة موزس المتأخرة مع جريدة “معاريف” سنة 2015. ولكن وجود وحدة “الفدائيين الفلسطينيين” ضمن الاستخبارات العسكرية السورية قد يرجح أنه فلسطيني.

كان أسلوب المخابرات السورية الآخر محاولة تفكيك الثقة بين الأسرى، ونقلهم من تصوّر أن الإنكار سبيل النجاة للجميع، إلى إقناعهم أن نجاة كل منهم مرتبطة بالاعتراف. وبحسب الضللي، فقد اختار المحققُ أوري إيلان، ابنَ التاسعة عشرة، الذي التحق توّاً بالجيش وكانت هذه مهمته الأولى، ليكسر به تماسك رواية الأسرى.

نصب المحقق فخاً نفسياً لإيلان، فأمر بكتابة عبارة بالعبرية على جدار المرحاض تفيد بأن “غاد اعتَرَف”. ويورد الجنرال الكندي بيرنز أنه قيل لإيلان إن رفاقه اعترفوا وأُعدموا في دمشق، وإن نجاته مرهونة بالاعتراف. استُدرج إيلان إلى الإقرار بوجود جهاز التنصت، ولكن نفى علمه بإحداثياته. وأقنعه الضباط السوريون أنهم أعدموا رفاقه، إذ كتب لاحقاً في إحدى رسائله الأخيرة: “قتلوا الجميع وأنا أنتظر المحاكمة. لا أعرف شيئاً عن الباقين”.

لم تكن واقعة إيلان سوى حلقة في مسار التحقيق، الذي انتهى بوصول رجال الأمن السوريين إلى مكان الجهاز. ولعلّ الأرجح أن الاعترافات انتُزعت تدريجياً من الجنود الإسرائيليين، بتعرّف الشاب الأشقر على موزس، ثم انهيار إيلان تحت وطأة التضليل، وأخيراً باصطحاب يعقوبي، قائدِ المجموعة الميدانيِ، رجالَ الأمن السوري إلى مكان الجهاز. ولم يكن يعقوبي ينوي الكشف عن الجهاز بقدر ما كان يسعى إلى تدميره، إذ كشفت إسرائيل بعد عقود أن يعقوبي وموزس قررا أن يدلّا رجال الأمن السوري إلى مكانه، على أمل تفجيره بواسطة اللغم الموصول به. وهذا ما حاوله يعقوبي فعلاً، فقد اشتعل الفتيل، لكن اللغم لم ينفجر بعدما أضرّت الرطوبة بفاعليته. وهكذا انكشف الجهاز، وعاد الجنود إلى سجن المزة.

وبعد نحو خمسة أسابيع من الأسر، فجر 13 يناير 1955، وُجد أوري إيلان منتحراً في زنزانته، وقد دسّ في جيبه رسائله الأخيرة. سارع السوريون إلى التعامل مع الواقعة لتطويق أي تصعيد إسرائيلي. ويكتب بيرنز أنهم “أبلغوا لجنة الهدنة فوراً، وأُطلع أحد المراقبين الدوليين على الجثة والزنزانة وسائر الأدلة، ولم تكن على الجثة علامات سوء معاملة جسدية”. حينئذٍ تحدث بيرنز مع رئيس الأركان السوري شوكت شقير حول فكرة استقبال طبيب وضباط إسرائيليين على الحدود ومرافقتهم إلى دمشق للتحقق من ظروف الوفاة.

وإن بدا شقير ميّالاً إلى القبول، بانتظار إذن وزير الدفاع رشاد برمدا، لكن أبلغه بعدها أن الحكومة تمنع دخول أي إسرائيلي إلى دمشق. وفي الساعة السابعة من ذلك المساء، سلّمت سوريا جثمان إيلان لإسرائيل. وكتب شاريت في يومياته: “سيقال الآن إن دم هذا الفتى على يدي، لولا أمري بالإفراج عن الطائرة السورية لاضطر السوريون إلى الإفراج عن الشبان”.

استقبل ديان جثمان إيلان عند جسر بنات يعقوب، بعد مفاوضات استمرت ساعتين، طلب فيها السوريون توقيع إقرار أنه انتحر لإخلاء مسؤوليتهم عن موته، ولكن الطرف الإسرائيلي رفض. ثم في اليوم التالي، 14 يناير، شُيّع إيلان في جنازة حاشدة. وعند قبره أبّنه الحاخام العسكري الأكبر شلومو غورين بخطاب توراتي، وقارنه بالملك شاؤول الذي فضّل الموت على الوقوع حياً في أيدي الفلسطينيين، بحسب سفر صموئيل في التوراة. أما ديان، فصاغ في تأبينه دستوراً أخلاقياً للجندية والوفاء داخل الثقافة الإسرائيلية ومؤسستها العسكرية. وعدّ إيلان نموذج “الجندي العبري” الذي يمثّل شخصية اليهودي الجديد المقاتل وصاحب السيادة.

ترافقت ما بدا أسطرة لإيلان مع انتشار رواية تعذيبه في السجون السورية. وكتب بيرنز أن “ضجة كبيرة قامت في الصحافة الإسرائيلية ضد همجية السوريين، وزُعم الخطف والتعذيب”. وقد استنكر بيرنز عدم إشارة الصحف إلى أن من أرسل المجموعة خرق الهدنة عمداً، وأنه “المسؤول أخلاقياً” عما جرى. وفي يومياته بتاريخ 17 يناير، نقل شاريت قول أحد الضباط أنه “لم يكن ثمة تعذيب”.

يوافق هذا النفيُ روايةَ اللواء صلاح الدين الضللي في كتابه “حقائق لم تنشر [. . .]” عن زنزانات مفروشة، ويحظى أسراها بالطعام والكتب. أما العثور على القصاصات التسع التي تركها إيلان، فربما ينفي التعذيب أيضاً. وكان إيلان قد أعدّ رسائل سرية في أثناء أسره، مستخدماً صفحات من كتاب ثقب عليها الحروف بعود خشبي. وعند فحص جثمانه، عثر قائد المنطقة الشمالية موشيه تسادوك على ورقة مربوطة بإصبع قدمه كُتب عليها “فتّشوا في الثياب”، ففتشت ملابسه وعثروا على بقية الرسائل. وحملت إحدى القصاصات عبارة “لم أخُن، لقد انتحرت”.

أسقط ديان من تأبينه العبارة الثانية، واحتفظ بالأولى، فحوّل “لم أخُن” إلى ميثاق قومي وعسكري. في المقابل، كتب شاريت غاضباً أن الشبان أُرسلوا “من دون كبير واحد على رأسهم، ولم يُلقَّنوا شيئاً لحالة الفشل”. عدّ ذلك “إهمالاً جنائياً” تتحمله شعبة الاستخبارات العسكرية برئاسة بنيامين غيبلي. أما الأسرى الأربعة المتبقون فما زالوا يومها في سجن المزة.

تعثّر الإفراج عن الأسرى الأربعة الباقين لم يكن نتيجة الحسابات السورية وحدها. ففي سنة 1955، شهدت سوريا وإسرائيل تحولات داخلية عجّلت وتيرة التسلّح، فيما تصاعد الضغط الإقليمي والدولي لحسم مواقف دول المنطقة من المعسكرين الشرقي والغربي.

وكان لضجيج الاستقطاب الدولي هذا أن سكنت أزمة الأسرى الإسرائيليين، ولو مؤقتاً. ففي العام السابق لأزمة الأسرى، كانت مساعي سوريا إلى السلاح الأمريكي تواجه مماطلة وشروطاً سياسية. وفي 16 مايو 1953، زار وزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالاس دمشق، وردّ على طلب الشيشكلي – الذي كانت علاقته جيدة بواشنطن – تقديم مساعدة اقتصادية وعسكرية بأن ذلك يتطلب ضمان عدم نشوب حرب بين سوريا وإسرائيل.

وبعد سقوط الشيشكلي، أوصى مؤتمر السفراء الأمريكيين في إسطنبول في مايو 1954 بإنشاء ترتيب دفاعي بين دول “الحزام الشمالي”، تركيا وإيران والعراق وباكستان، لاحتواء المد السوفييتي. وطرح إمكان مساعدة سوريا عسكرياً إن استعدت للمساهمة في مواجهة الشيوعية. أما إسرائيل، فلم يوصِ بمنحها مساعدة عسكرية آنذاك، لأن ذلك قد يدفع العرب إلى رفض التعاون. غذى هذا التوجه شعور تل أبيب بالعزلة، وقد عبر لافون في خطاب أمام الكنيست عن الهواجس الإسرائيلية بقوله: “حين تُعطى الدول العربية سلاحاً ونُعطى نحن ضمانات واتفاقات قادة محليين، لا يمكن لأحد أن يقبل ذلك عملاً ودياً. الدم اليهودي لن يكون زيتاً لعجلات الحلف المعادي للشيوعية في الشرق الأوسط”. وقال أيضاً إن “الولايات المتحدة على وشك أن تخوننا وتدخل في تحالف مع العالم العربي”.

لكن واقعياً، لم تكن العلاقات الأمريكية العربية بالقدر الذي تظهره الهواجس الأمنية الإسرائيلية. فقد ظل الحصول على السلاح الأمريكي متعثراً لدى سوريا وإسرائيل ومصر معاً، وإن اختلفت الحسابات والشروط المتعلقة بكل منهم. ومن أجل طمأنة الإسرائيليين، اقترح دالاس في أغسطس 1954 على السفير الإسرائيلي في واشنطن أبا إيبان تبادل مذكرات تتعهد فيها واشنطن بالنظر في برنامج مساعدة عسكرية لإسرائيل “إذا نشأ اختلال عسكري يعرّض إسرائيل للخطر”.

أخذت إسرائيل وسوريا مسارين مختلفين لمعالجة هذا الاستعصاء. في سوريا أفرزت الانتخابات البرلمانية في سبتمبر 1954 تقدماً للأحزاب القومية واليسارية، وأصبح زعيم الحزب الشيوعي السوري خالد بكداش أول برلماني شيوعي منتخب في العالم العربي. اتسع النفوذ اليساري، وتصاعدت الحملات التي تناهض الولايات المتحدة في الصحافة السورية، فأثار ذلك قلق واشنطن. وترافق هذا التوتر مع الحملة الدبلوماسية السورية ضد اختطاف طائرة “داكوتا”. وفي مكالمة هاتفية يوم 27 ديسمبر، اعتبر دالاس، استناداً إلى سلوك سوريا في الأمم المتحدة، أنها “تابع سوفييتي”، كما تورد أمل مخائيل بشور في كتابها “دراسة في تاريخ سوريا المعاصر” الصادر سنة 2003.

ومع انتقال مشروع الحزام الشمالي إلى التنفيذ – وهو تصور أمريكي لإقامة منظومة دفاعية موالية للغرب تضم تركيا وإيران والعراق وباكستان، وتطوّق حدود الاتحاد السوفييتي الجنوبية بهدف احتواء نفوذه – اشتد صراع الأحلاف في سوريا. فقد واجهت حكومة فارس الخوري، الميّالة إلى المشروع التركي العراقي، معارضة سياسية وضغطاً من ضباط الجيش. وفي السادس من فبراير 1955 انسحب وزراء الحزب الوطني منها، فسقطت، وشكّل صبري العسلي حكومته في 13 منه. أعلن العسلي رفض الانضمام إلى المشروع، وفي 24 فبراير، يوم منح حكومته الثقة، وقّعت تركيا والعراق الميثاق الذي أصبح نواة حلف بغداد.

أما في إسرائيل، فكانت أزمة أخرى تعيد ترتيب مراكز القرار. في يوليو 1954 كشفت السلطات المصرية عن شبكة صنعتها الاستخبارات الإسرائيلية بين يهود مصر لتنفيذ تفجيرات في مواقع بريطانية وأمريكية، بهدف تعطيل المفاوضات البريطانية المصرية بشأن الانسحاب من قاعدة قناة السويس، وإفساد التقارب الأمريكي المصري. وقد أُعدم اثنان من أفراد الشبكة يوم 31 يناير 1955، لينتقل الصراع بعدها داخل إسرائيل حول تحديد من أصدر أوامر العمليات.

تبادل وزير الدفاع لافون ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية بنيامين غيبلي الاتهامات أمام لجنة التحقيق. وانتهت هذه الجولة من “فضيحة لافون” باستقالة لافون، وعودة بن غوريون إلى الحكومة خلفاً له، وهو ما عزّز تيار الحرب داخل الحكومة. وقد كان أول إرهاصاته البارزة في 28 فبراير، حين نفّذت قوات شارون المظلية عملية “السهم الأسود”، أو “مجزرة غزة الأولى”، ضد موقع عسكري مصري في القطاع، وقتلت ثمانية وثلاثين مصرياً.

وسط هذا كله، ولاسيما في مواجهة حلف بغداد وتعثر الحصول على السلاح الغربي، تسارع التقارب السوري المصري. وصل الوزير صلاح سالم إلى دمشق في أواخر فبراير، قبل مجزرة غزة بيومين، وأسفرت مباحثاته عن بيان مشترك في الثاني من مارس 1955، أعلن فيه رفض الانضمام إلى الأحلاف الغربية، وأكد تفعيل معاهدة الدفاع العربي المشترك وتعزيز التعاون السياسي والعسكري بين البلدين.

تابعت واشنطن هذا الاصطفاف بقلق تكشفه وثائقها المرفوعة عن السرّية. فقد رأى وزير الخارجية دالاس، في برقيته إلى السفارة الأمريكية في بغداد في 13 أبريل، أن بلوغ العقيد عدنان المالكي، الذي كان الضابط الأقوى في الجيش، أو الضباط اليساريين، مقاليد السلطة وعقدهم تحالفاً رسمياً مع مصر قد يستدرج تدخلاً عسكرياً عراقياً. أو ما هو أخطر منه، عملاً عسكرياً إسرائيلياً ضد دولة عربية أو أكثر.

وفي الشهر نفسه، عُقد مؤتمر “عدم الانحياز” في باندونغ، ومثّل سوريا فيه وزير الخارجية والدفاع خالد العظم. وبالتزامن مع انعقاده، اغتيل نائب رئيس الأركان عدنان المالكي يوم 22 أبريل في دمشق. كان المالكي من أبرز الضباط الذين دعموا التقارب السوري المصري داخل الجيش. وزاد اغتياله توتر العلاقات مع واشنطن، بعدما وُجّهت إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي وقادته اتهامات بالتورط في الاغتيال والتآمر مع الولايات المتحدة لقلب نظام الحكم.

على الجبهة المصرية، اتخذ الرد على غارة غزة مسارين، الأول تنظيم مجموعات من الفدائيين وتوسيع المناوشات الحدودية، والثاني الانخراط في مساعي الأمم المتحدة، عبر الجنرال بيرنز، لاحتواء التصعيد. ولكن تبادل إطلاق النار يوم 22 أغسطس دفع عبد الناصر إلى وقفها. وأعقب ذلك تحرك انتقامي داخل منطقة عسقلان والمستوطنات الإسرائيلية، نشرت صحيفة “فلسطين” المقدسية خبره صباح 27 أغسطس تحت عنوان: “القوات المصرية تعبر خط الهدنة وتحتل مركزاً يهودياً وتقتل 12”.

وسط هذا التصعيد، عادت أزمة الجنود الأربعة في سجن المزة إلى الواجهة، بالتزامن مع انتقال الرئاسة السورية من هاشم الأتاسي إلى القوّتلي. إذ حوّلت دمشق الرهائن الإسرائيليين إلى ورقة ضغط في صراع إقليمي أوسع، فوظّفتها في مسار تعزيز علاقتها وتجديد ثقة حليفها الجديد جمال عبد الناصر. فأعلنت إذاعة دمشق يوم الرد الانتقامي المصري أن الحكومة السورية قررت إلغاء صفة الأسرى، التي يبدو أنها منحتها للجنود الإسرائيليين الأربعة بعد تسليم جثمان إيلان.

وبحسب بيرنز، وجدت دمشق في صيف ذلك العام “سبباً آخر لعدم إطلاق سراح الأسرى”، إذ قالت إن إسرائيل تحتجز سوريين منذ حرب النكبة. ورجّح أن عبد الحميد السراج، الذي تصاعد نفوذه بعد اغتيال المالكي، يستخدم المفاوضات لجمع معلومات عن سوريين اختفوا ويُشتبه في تجنيدهم لصالح إسرائيل. أما رئيس الأركان شوكت شقير، فكان يخشى تدخلاً عسكرياً أمريكياً مع اتساع النفوذ اليساري، وسعى إلى كبح اندفاع الضباط الشبان نحو محاكمة الأسرى بتهمة التجسس أو بموجب القانون العسكري. ونجح في ذلك، وفق بيرنز.

بين أغسطس وسبتمبر 1955، مع عودة القوتلي إلى الرئاسة، طلبت سوريا من واشنطن ألفاً وسبعمئة شاحنة ثقيلة وثمانمئة وخمسين مقطورة عسكرية. وذلك وفق رواية ويلبر كرين إيفلاند، أحد مسؤولي الاستخبارات الأمريكية في الشرق الأوسط، في مذكراته “حبال من رمل [. . .]” المترجمة للعربية سنة 1990. يضيف إيفلاند أن شقير طلب من السفير جيمس موز مساعدة واشنطن على صدّ ضباطه الراغبين في السلاح السوفييتي. ولكن الخارجية الأمريكية ردّت أنها “غير ميّالة” إلى اتفاقيات عسكرية مع سوريا أو مصر. ولم يفتح تعهدُ القوتلي للأمريكيين بتطهير الجيش من الشيوعيين التقدمَ في ملف التسليح.

تصاعدت الأحداث حين كسر عبد الناصر الاحتكار الغربي للسلاح، فأعلن في 27 سبتمبر عن صفقة السلاح التشيكية. وقد كان صدى الإعلان مدوياً وأثار قلقاً في إسرائيل. ففي 12 أكتوبر، وفق ما يورد المؤرخ الإسرائيلي آفي شلايم في كتابه “ذي آيرون وول” (الجدار الحديدي) الصادر سنة 2000، تلقّى شاريت برقية من أبا إيبان وطاقم السفارة في واشنطن تدعو إلى الاستعداد لإمكانية “حرب وقائية بهدف كسر عمود الجيش المصري قبل أن يُعاد تزويده. وإسقاط ناصر وطغمته”. وكتب شاريت أن البرقية صدمته.

على الأثر، طلبت إسرائيل الحصول على السلاح الأمريكي لموازنة الصفقة المصرية. لكن دالاس قال أمام مجلس الأمن القومي في 20 أكتوبر إن رعاية سباق تسلّح بين إسرائيل والعرب “عمل عقيم جداً”، وأبدى ميله إلى “الرد بالرفض” على المطالب الإسرائيلية. وفي اليوم نفسه، وقّعت مصر وسوريا ميثاق الدفاع المشترك، فازداد القلق الإسرائيلي من تحولات التوازن الإقليمي.

في ظل صفقة السلاح التشيكية وتعاظم التقارب العسكري بين سوريا ومصر، اشتدت الضغوط على شاريت، الأكثر تحفظاً من بن غوريون وديان، لاتخاذ موقف أكثر تشدداً مع البلدين. ثم جاءت حادثة اختفاء إسرائيلي أثناء صيد الخنازير قرب الحدود السورية ليلة 18 أكتوبر، لتتحول إلى أزمة جديدة بين البلدين، ولتزيد الضغوط على شاريت لاتخاذ إجراء عسكري ضد سوريا، في حين كان رفض مطالب التيار العسكري يهدد بتقويض موقعه داخل الحكومة.

وإن كان لم يظهر دليل عن علاقة سوريا بالجندي الإسرائيلي المفقود، إلا أن توقيت العملية الإسرائيلية اللاحقة للرد يرتبط بمعاهدة الدفاع المشترك بين سوريا ومصر، بل ويختبرها، بحسب تحليل المستشار الأمني البريطاني أندرو راثميل في كتابه “الحرب السرية في الشرق الأوسط: الصراع السري على سورية 1949–1961” الصادر بترجمته العربية سنة 1997.

عرضت هيئة الأركان بقيادة موشيه ديان خطة لأسر عسكريين سوريين، تبدأ من استهداف حامية الموقع الذي اشتُبه في احتجازه الإسرائيلي المفقود، ونصب كمين لسيارة عسكرية سورية خلف مبنى الجمارك عند جسر بنات يعقوب. وكتب شاريت في مذكراته: “أربعة من رجالنا مسجونون في دمشق منذ نحو سنة، وقد انضم إليهم خامس يرفض السوريون حتى الاعتراف بوجوده. إن نجحت العملية فإن أي جنود يُؤسرون سيُحتجزون رهائن مقابل رجالنا في دمشق. وهذا أفضل. فلتأتِ الأمم المتحدة إلى الطرفين وتطالب بتبادل الأسرى”.

بعد منتصف ليلة 23 أكتوبر نُفّذت العملية. وجدت القوةُ الأولى الموقعَ السوريَّ المحصّن مهجوراً، فعادت بخفّي حنين. أما الثانية، فنصبت كميناً خلف مبنى الجمارك، وتمكنت من أسر خمسة عسكريين، ضابط شركسي وسائق وثلاثة جنود. وأثناء انسحابها اصطدمت بدورية سورية واشتبكت معها، ثم عادت دون خسائر ومعها الأسرى الخمسة، بعدما قتلت ثلاثة ضباط سوريين برتبة ملازم أول هم بشير الصفدي وممدوح قرشولي وعدنان قزيز.

غداة ذلك نشرت صحيفة “الدفاع” المقدسية عنواناً على عرض صفحتها الأولى: “عدوان غادر ارتكبته قوات إسرائيل على الحدود السورية استُشهد فيه 3 وأُسر 5 من رجال الجيش”. وبعد أربعة أيام كتبت: “العسكريون المصريون والسوريون يجتمعون بدمشق”، وإلى جانبه: “رئيس الوزراء السوري سعيد الغزي استدعى سفراء الدول الغربية الثلاثة احتجاجاً على الاعتداء الجديد على الحدود السورية”.

على وقع العملية الكبير، غاب ذكرها عن مذكرات السياسيين والعسكريين السوريين. وكان من آثارها إخلاء مواقع حدودية تجنباً لهجوم مماثل. وبحسب بيرنز، أدرك رئيس الأركان شوكت شقير “ضعف جيشه أمام تفوق الإسرائيليين في التسليح والتدريب والتنظيم”. وهكذا هدأت الجبهة مرة أخرى، ريثما يُحسم سباق التسلّح.

ولكن الهدوء لم يعنِ التراجع، فقد جدّدت سوريا ضغطها على بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة للحصول على السلاح، لكنها قوبِلت بالتردد الغربي مجدداً، مع تقديم السوفييت عروضاً مغرية بالتسليح. ووفق ما ذكر المسؤول الاستخباراتي الأمريكي إيفلاند، فإن شقير أبلغ السفير الأمريكي جيمس موز بأنه لن يتفق مع السوفييت ما لم ترفض الولايات المتحدة الطلب السوري. وبحسب ما نقلته برقية السفير البريطاني إلى لندن، وصف شقير لموز قلقه من الانكشاف العسكري أمام إسرائيل بقوله إن “الدفاع السلبي والمدفعية المضادة للطائرات وأجهزة الرادار غير موجودة أو غير كافية إطلاقاً”.

كثّفت إسرائيل بالمقابل ضغطها على الدول الغربية الثلاث لحسم موقفها من تسليحها. زار شاريت واشنطن ولندن وباريس في جولتين خلال أقل من شهرين. وفي الثالث من نوفمبر، تولّى بن غوريون رئاسة الحكومة، فيما احتفظ شاريت بحقيبة الخارجية. وهو ما أثّر في إدارة الأزمة لاحقاً.

أمام فشل جهود التسليح الغربي، توجهت سوريا إلى حلفها العربي. ففي الثامن من ديسمبر، عنونت صحيفة “فلسطين” خبرها الرئيس “مصر تزوّد سوريا بالأسلحة”. وأعلنت السعودية عن انضمامها إلى التحالف المصري السوري ومنح سوريا قرضاً بقيمة عشرة ملايين دولار. وبعد يومين، افتتح الرئيس شكري القوتلي أسبوع التسلّح لجمع التبرعات ودعم الجيش السوري. وفي اليوم نفسه، قدّم موز إلى رئيس الحكومة سعيد الغزي مذكرة تعلن عن استعداد واشنطن لعقد اتفاق لبيع معدات عسكرية إلى سوريا. ولكن الموافقة ركزت على تلبية طلب سابق للشاحنات والمقطورات دون سلاح.

بينما انشغلت دمشق بالمفاوضات على التسليح، وتحرك شاريت ونائبته غولدا مائير للغرض نفسه في العواصم الغربية، كان بن غوريون وديان في تل أبيب يضعان اللمسات الأخيرة على خطة عسكرية تستهدف قلب موازين التحالف في المنطقة. فبعد إعلان عبد الناصر عن الصفقة التشيكية، برزت في إسرائيل سياسة “مفتساع هدردور”، أي التسبّب بتدهور الأوضاع. وقد وصف عزمي بشارة في كتابه هذه التسمية بأنها “وقحة ومباشرة وتتضمن اعترافاً بدهورة الأوضاع الأمنية عن قصد”.

ومن ثم، بعد الذكرى الأولى لأسر المجموعة الإسرائيلية في سوريا، أطلق الجيش الإسرائيلي في العاشرة مساءً من يوم 11 ديسمبر 1955 عملية “كنيرت” (أوراق الزيتون). قادها المقدم أرئيل شارون، قائد كتيبة المظليين 890، وشاركت فيها وحدات من الناحال وجفعاتي وشاييطت 13. وكتب شارون في مذكراته “مذكرات أرييل شارون” المنشورة بترجمتها العربية سنة 2013: “كان للعملية هدف واحد: أخذ أسرى للمبادلة”.

أدار شارون العملية من طائرة تحلّق فوق منطقة القتال، وقادها ميدانياً مئير هار تسيون، الذي زرع جهاز التنصّت قبل سنة ونصف. تسلّل هار تسيون مع جنوده المدججين بالعتاد الثقيل عبر بحيرة طبريا وسفوح الجولان. ثم انقسموا إلى أربع فصائل اقتحمت المواقع المستهدفة في وقت واحد، فدمّرت تحصينات ومرافق عسكرية في البطيحة والكرسي، وعين الجيف والنقيب على الشاطئ الشمالي الشرقي لبحيرة طبريا. غداة العملية قال بن غوريون لشارون وديان إنها كانت “ناجحةً فوق الحد”، ونال هار تسيون عنها “وسام الشجاعة”. وحتى بيرنز كتب أنها “نُفّذت بمهارة وجرأة”.

كانت حصيلة العملية كارثية على سوريا. فقد سجّل تقرير بيرنز الأممي مقتل ستة وخمسين سورياً: واحد وأربعون عسكرياً، سبعة من الشرطة، وثمانية مدنيين بينهم ثلاث نساء، إلى جانب تسعة جرحى. وأُسر ثلاثون عسكرياً وستة مدنيين.

صوّرت الحكومة السورية الهجومَ محاولةً للاستيلاء على مرتفعات الجولان نجح الجيش في صدّها. وكتب أمين عام رئاسة الجمهورية حينها عبد الله الخاني، في مذكراته “سورية بين الديمقراطية والحكم الفردي [. . .]” المنشورة سنة 2004، أن الهدف كان السيطرة على بحيرة طبريا كاملة.

كذلك حاولت الحكومة السورية التغطية على حجم الكارثة بالإعلان عن سقوط عشرات القتلى والجرحى الإسرائيليين. وفي 13 ديسمبر نشرت صحيفة “الدفاع” المقدسية على صفحتها الأولى: “السوريون ضربوا أروع مثل في البطولة والتضحية – 100 إصابة بين اليهود”. وفي المذكرات السورية اللاحقة كُتبت رواية انتصار عسكري. في كتابه “أوراق من دفتر الوطن، 1946–1961” الصادر سنة 2000، كتب سامي جمعة، الضابط في شعبة الاستخبارات العسكرية حينها، أن حقول الألغام انفجرت بالقوات الإسرائيلية، وأن المدفعية السورية حصدت جنودها حتى كانت “جثث جنود العدو تملأ مساحات واسعة من الأرض”. لكن الحصيلة الإسرائيلية الرسمية كانت ستة قتلى. أما مصطفى رام حمداني، فعزا ما جرى إلى استغلال الإسرائيليين تبديل الوحدات ليلة الهجوم، إذ إن العناصر الجديدة “لم تتعرف بعد على الأرض كما يجب، وليس لها في الموقع إلا يوم واحد”.

شنّت الدبلوماسية السورية حملة واسعة في الأمم المتحدة قادها أحمد الشقيري، وفق ما روى في مذكراته “أربعون عاماً في الحياة العربية والدولية” المنشورة سنة 2004. وأدانت دول عديدة الاعتداء، فيما أعلنت الحكومات العربية عن تضامنها مع دمشق. وقال القوتلي للصحف: “إن الجيش السوري الذي يقوم بقسطه من واجب الدفاع يجد في مؤازرة إخوانه في البلاد العربية ما يشجعه”.

كذلك أبرزت الصحافة السورية تصريح عبد الناصر: “مصر ستستخدم كل قوتها العسكرية ضد إسرائيل إذا هاجمت الحدود السورية”. وكانت مصر أيضاً قد شهدت هجوماً إسرائيلياً واسعاً على موقع الصبحة في منطقة العوجة على الحدود المصرية الفلسطينية، جنوب قطاع غزة، ليلة الثالث من نوفمبر. العملية التي أسمتها إسرائيل “عملية بركان” أسفرت عن سبعين جندياً مصرياً ما بين قتيل ومفقود، فيما أُسر خمسون آخرون. في مقابل ذلك ستة قتلى وعشر إصابات من الجيش الإسرائيلي.

في الداخل السوري، كان الاعتداء أكبر من أن تستوعبه الرواية الرسمية. عمّت المظاهرات البلاد. وأعلنت حكومة سعيد الغزي عن إنشاء إدارة للدفاع المدني، وزيادة موازنة وزارة الدفاع أربعين مليون ليرة سورية، ما يعادل نصف موازنتها السابقة. ووضعت الحكومة القرض السعودي تحت تصرّف الجيش لشراء السلاح. وفي أسبوع التسلّح، تجاوزت التبرعات الشعبية توقعات الحكومة، إذ بلغت نحو 11.4 مليون دولار آنذاك، وفق ما ذكر الباحث في التاريخ السوري سامي مبيض في كتابه “على أطراف الذاكرة” الصادر سنة 2025.

امتدت التعبئة إلى التعليم بقرار عاش أطول من الجمهورية البرلمانية نفسها. ففي 31 ديسمبر 1955، أصدر القوتلي المرسوم الجمهوري رقم 4332 بإحداث نظام الفتوة. وهو الذي ألزم طلاب المدارس بتدريبات عسكرية، واستمر حتى سنة 2003.

شملت التعبئة النساء أيضاً. إذ أوردت صحيفة “الإصلاح” الحلبية في عددها الصادر يوم 28 ديسمبر خبر موافقة الحكومة على انضمام 115 فتاة إلى قطاعات الجيش المختلفة. ولم يكن اللاجئون الفلسطينيون بعيدين عن هذه الأجواء. فمنذ 1954، طالب شبان فلسطينيون الحكومة السورية بالسماح لهم بالتطوع في الجيش والالتحاق بالكليات العسكرية، فاستجابت لهم بتأثير العملية العسكرية سنة 1956. والتحق محمود عباس، الرئيس الفلسطيني لاحقاً، بالكلية الحربية في حمص. وتقدّم إلى الكليات العسكرية مع اثنين من رفاقه، أحدهما محمود المغربي أول رئيس وزراء في ليبيا بعد انقلاب معمر القذافي سنة 1969، كما يُسجّل عباس في مذكراته “أيام في قطر” الصادرة سنة 2020.

في أقل من شهرين انتهكت إسرائيل أراضي سوريا مرتين، وقتلت تسعة وخمسين سورياً، واختطفت واحداً وأربعين عسكرياً ومدنياً. وبحسب تعبير الباحث البريطاني المتخصص في السياسة السورية، أندرو رامثل، في كتابه “سيكريت وور إن ذا ميدل إيست [. . .] (حرب الشرق الأوسط السرية) الصادر سنة 1995، فقد كانت ضربة مذلة لسوريا.

ولكن الأهم أن ما حدث قَلَب ميزان سياسة بن غوريون بشأن الأسرى، وقوّض ورقة دمشق التفاوضية. وقد أسهمت الضربتان، مع تعثّر التسليح الغربي، في دفع سوريا نحو السلاح السوفييتي وتعميق خلافها مع الغرب. وبذلك تجاوزت الأزمة حدود المواجهة العسكرية، لتدخل في إعادة تحديد موقع سوريا في النظامين الإقليمي والدولي.

في هذا السياق، في كتابه “الصراع على سورية” الصادر بترجمته العربية سنة 1984، كتب الصحفي البريطاني باتريك سيل أن عملية “كنيرت” كانت رسالة إلى الحلف السوري المصري السعودي. أرادت إسرائيل إظهار عجز الحلف عن حماية أطرافه، لكنها دفعت كثيراً من السوريين إلى استنتاج معاكس، وهو أن ضمان مستقبلهم يقتضي الاعتماد على مصر والاتحاد السوفييتي، وفق سيل.

على الجانب المقابل، انعكس الهجوم على مساعي إسرائيل للتسليح في العواصم الغربية. ففي 13 ديسمبر، أبلغت الخارجية الأمريكية أبا إيبان تأجيل البتّ في طلب التسليح، وكان الهجوم على سوريا من أبرز الأسباب. كان شاريت يومئذٍ في واشنطن، وحين عاد إلى إسرائيل قال أمام بن غوريون: “لم يكن الشيطان نفسه ليعطي نصيحة أفضل من تنفيذ العملية لمنع بيع السلاح لإسرائيل”.

كتب إيفلاند أن اليساريين في الجيش والحكومة السورية “صار معهم كل ما يحتاجونه لتبرير اتفاق سلاح سوفييتي”. وينقل عن السفير الأمريكي جيمس موز قوله إن الإسرائيليين تصرّفوا “وهم يعرفون تماماً أن سوريا ستلجأ للسوفييت”، ليقدّموا طلباتهم للسلاح الغربي بوصفها موجّهة “ضد الشيوعية لا ضد العرب”.

وتكشف برقية موز إلى واشنطن في 15 ديسمبر عن عمق القلق الأمريكي من نتائج الغارة. فقد حذّر من أن الموافقة على بيع السلاح لإسرائيل ستثير استياءً سورياً بالغاً، حتى “يمكن اعتبار سورية منذ الآن بلداً غير صديق”، سواءً استولى الشيوعيون على الحكم أم لا.

كان الرد في دمشق حاسماً. زاد انكشافُ ضعف الجيش إلحاحَ التسلّح، وقوّض الرهان على واشنطن، فتسارعت المفاوضات مع الكتلة السوفييتية. وفي فبراير ومارس 1956، اتسع مسار التعاقد مع تشيكوسلوفاكيا، وصولاً إلى صفقة بنحو ثلاث وعشرين مليون دولار في مارس، شملت أسلحة ثقيلة ومعدات أخرى.

وبالتوازي، حصلت سوريا على دبابات سوفييتية من مصر، ومدافع مضادة للطائرات مزوّدة بالراصدات من تشيكوسلوفاكيا، واستعدّت لتلقّي مقاتلات “ميغ” من مصر، وأوفدت ضباطاً للتدريب في تشيكوسلوفاكيا. وكتب الخاني في مذكراته: “استطاعت سورية أن تخرق حصار تزويدها بالسلاح”.

بعد أسبوع من عملية “كنيرت”، ووسط الزخم الذي أثارته، أعلن الناطق باسم الخارجية الإسرائيلية عن الاستعداد لمبادلة “جميع الأسرى السوريين بجميع الأسرى اليهود”. وفي 19 يناير 1956 صدر قرار مجلس الأمن رقم 111، ليمنح الطرفين إطاراً دولياً لإنهاء ملف استمر أكثر من ثلاثة عشر شهراً. أدان المجلس بالإجماع الاعتداء الإسرائيلي، ودعا إلى “تبادل فوري لجميع الأسرى العسكريين”، وهي النتيجة التي استهدفتها إسرائيل من أسر السوريين.

بدأت المفاوضات عبر بيرنز، وطالت حتى وَصَفَها أنها مملّة. وأثناءها، عكّرت حادثة الرابع من مارس مسار التهدئة. فبحسب ما نقله مراقبو لجنة الهدنة للملحق العسكري الأمريكي، وصل زورقان إسرائيليان إلى شاطئ طبريا الشرقي، وتوغّل أحدهما في مجرى مائي صغير نحو أربعمئة متر داخل الأراضي السورية. وأعقب ذلك اشتباك، رجّح المراقبون أنه وقع بين مدنيين سوريين وطواقم الزوارق، قُتل فيه شرطيان إسرائيليان وفُقد اثنان، واستولى السوريون على الزورق. ثم أعادوه مع جثتي القتيلين عبر لجنة الهدنة، بعد تهديد إسرائيلي بقصف الشاطئ.

عند الثانية عشرة والنصف ظهر الخميس 29 مارس 1956 جرى التبادل عند جسر بنات يعقوب، بحضور رئيس لجنة الهدنة السورية الإسرائيلية المشتركة، ورئيس الجانب السوري في اللجنة العقيد بكري قوطرش، وممثلين إسرائيليين. سلّمت إسرائيل واحداً وأربعين سورياً، هم خمسة وثلاثون عسكرياً وستة مدنيين. وسلّمت سوريا خمسة إسرائيليين، هم الجنود الأربعة والمدني شلومو بن يهودا.

لم تنتهِ قضية الأسرى الإسرائيليين بعودتهم. إذ عاد الجنود الأربعة دون معرفتهم بانتحار إيلان في سجن المزة. وأمهلهم الجيش يومين مع عائلاتهم، ثم استدعى موزس ويعقوبي للتحقيق، وأحالهما إلى محكمة عسكرية سرية في القيادة الشمالية بتهمة إفشاء سرّ عسكري يتعلق بموقع جهاز التنصت، وأُدينا وكُسرت رتبتهما إلى جندي.

بعد أشهر، قُتل يعقوبي في ممر متلا أثناء العدوان الثلاثي على مصر. وظنّ رفاقه أنه اندفع إلى الموت تحت وطأة الأسر والمحاكمة. أما موزس، فواصل خدمته في الاحتياط القتالي أحد عشر عاماً برتبة جندي، ووصف كسر رتبته أنه “أكثر فعل مهين”. قال لاحقاً: “أنا أيضاً لم أخُن. أصدقائي كانوا يعبرون الشارع إلى الرصيف الآخر حين يرونني”.

انقلبت القضية بعد حرب 1967، حين استولت إسرائيل على وثائق سورية كشفت أن موزس ويعقوبي، عندما اقتادهما السوريون إلى موقع جهاز التنصّت، حاولا تفعيل اللغم الموصول به لتدميره ولو انفجر بهما وبالمحققين السوريين معاً. ونتيجة هذا الكشف أعيدت إلى موزس رتبته سنة 1969، ثم واصل خدمته في الاحتياط حتى بلغ رتبة نقيب.

مع ذلك، ظلّ الحكم قائماً في سجله حتى فبراير 2005، حين وقّع الرئيس موشيه كتساف عفواً كاملاً عنه بعد تسعة وأربعين عاماً على إدانته. وبعد عامين سلّم وزيرُ الدفاع إيهود باراك والدةَ مئير يعقوبي وثيقةَ العفو الأصلية عن ابنها.

أما بشأن الإسرائيلي الذي اختفى أثناء صيد الخنازير في أكتوبر 1955، يعقوب ميغوفسكي-ماغد، فقد ظل مصيره مجهولاً حتى حرب يونيو 1967، حين عثرت القوات الإسرائيلية في القنيطرة على وثائق سورية أفادت بمقتله يوم اختفائه ودفنه قرب الموقع العسكري الذي اقتيد إليه. ولم يُعثر على رفاته حتى اليوم.

تركت الأزمة التي امتدّت ستة عشر شهراً ارتدادات عميقة داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية في الطرفين. ولكن استجابة الطرفين اختلفت تبعاً لمنظور كل منهما للصراع ومنظومته المعرفية والأمنية تجاه الآخر.

ففي إسرائيل، دفع أسرُ المجموعة المؤسسةَ العسكرية إلى مراجعة طرائق العمل خلف خطوط العدو. ومع تفسير لافون الإخفاق بأن اعتياد العمل وغياب الرقابة أفقدا الأجهزة الاستخباراتية حسّ الحذر واليقظة، أصبحت الواقعة أحد المنعطفات التي فرضت إعادة التفكير في تنظيم عمليات الاستخبارات. وفي أعقاب أسر الجنود في سوريا وإعدام اثنين من أفراد شبكة التجسس في مصر، قررت القيادة السياسية وقف إرسال جنود الجيش خلف خطوط العدو في مهمات تنصت.

ولسدّ الفجوة، أسس النقيب أبراهام أرنان مطلع 1955 فريقَ “السيلونيم”، أي النفاثات، ضمن الوحدة 504. ليكون متخصصاً في اختراق أراضي الخصم وتنفيذ عمليات عسكرية وأمنية والعودة بسلام. وبين أواخر 1955 ومنتصف يوليو 1957، كثفت إسرائيل من محاولاتها إزالة النقاط الاستخباراتية العمياء داخل سوريا، فنفّذ فريق السيلونيم خمس عشرة عملية داخل أراضيها، شملت زرع أجهزة تنصّت على خطوط الاتصال وجمع المعلومات في عمق البلاد.

مع نجاح التجربة، أسّس أرنان مطلع 1957 سرية النخبة “سيريت متكال” لتكون سرية ضمن الوحدة 154، ثم استقلت عنها بعد عام وأصبحت من أهم وحدات الجيش. وكان هذا المسارُ النواةَ التي نشأت منها الوحدة المتخصصة في الاستطلاع العميق والعمليات السرية، التي توسعت مهمّاتها لاحقاً لتشمل تحرير الرهائن خارج إسرائيل.

تنبّهت سوريا إلى هذا النشاط، وبدأت تسيير دوريات هندسية من سلاح الإشارة على الجبهة. ويصف رئيس المخابرات في القنيطرة آنذاك نوري الجسري، في مذكراته “أنا وحديث الذكريات” الصادرة سنة 1991، أجهزة التنصّت التي زرعتها إسرائيل. فقد اكتُشف جهازان قرب قرية مسعدة، وجهاز آخر في حمص قرب اللواء المدرّع، موصول بخط الاتصال المباشر مع قيادة الأركان في دمشق.

كان الجيش الإسرائيلي في تلك المرحلة في طور التشكيل، ويعاني نقصاً في القوى البشرية والعتاد. واستجابةً لهذه التحديات، تبنّى فلسفة قتالية تقوم على المرونة والمفاجأة والارتجال، والقتال الليلي وسرعة العمليات، وإستراتيجية الاقتراب غير المباشر. وأسهمت العمليات الحدودية، لاسيما تلك التي نفذها شارون، في تدريب ضباط الميدان على المبادرة واتخاذ القرار، وإرساء المعايير القتالية وأسس القيادة داخل الجيش، بحسب حاييم هرتسوغ، الجنرال والرئيس الإسرائيلي لاحقاً، في كتابه “الحروب العربية الإسرائيلية” المترجم للعربية سنة 1993.

يضيف هرتسوغ بأن الغاية كانت “إكسابهم [الجنود] القدرة على التصرف وسط لهيب المعركة، وتجنب الخضوع لكتب التدريب [. . .] وقد آتت هذه السياسة أكلها سنة 1956″، وفي هذا إشارة إلى العدوان الثلاثي على مصر الذي شاركت فيه إسرائيل.

كانت الاستجابة مختلفة في سوريا. فقد تعمّقت علاقاتها بمصر والاتحاد السوفييتي، وابتعدت تدريجياً عن واشنطن. بل إنه في أغسطس 1957 نشرت صحيفة “لوريان” البيروتية مقالاً بعنوان “سوريا في ظل الاشتراكية الجديدة”، عزت فيه شدة عداء السراج للولايات المتحدة إلى صدمة “كنيرت” التي غدت جرحاً في صدره، بحسب ما ينقل رامثل.

ولعلّ هذا التحول السوري أسهم في إتاحة واشنطن تسليح إسرائيل عبر دول غربية أخرى. ففي أوائل فبراير 1956 أبلغت كندا وفرنسا أنها لا تعترض على تزويد إسرائيل بمقاتلة “ميستير”، وبدأت المقاتلات الفرنسية تتدفق إلى إسرائيل. تزامن ذلك مع استمرار الخلافات بين سوريا وجارتيها العراق والأردن، وإن اختلفت دوافع كل منهما. إذ سعى العراق الملكي إلى توسيع نفوذه في سوريا وإدماجها في محور حلف بغداد، في حين خشي الأردن امتداد التيارات الجمهورية والناصرية من دمشق إلى داخل نظامه.

ولم تقف التغيرات على موقع دمشق، المتحولة عن واشنطن، في محيطها الجغرافي. فقد ظهرت محاولات انقلابية اتُّهم الغرب بدعمها. ففي 28 مارس 1956 عشية تبادل الأسرى، أقرّ الرئيس الأمريكي أيزنهاور السياسة التي عُرفت باسم “أوميغا”، لعزل عبد الناصر وإسقاط النظام الذي يواليه في سوريا.

وقد كشفت وثائق وشهادات لاحقة عن خطة بريطانية أمريكية عُرفت بِاسم “ستراغل”. تضمنت تحريك الحزب السوري القومي الاجتماعي من لبنان عبر الحدود، ودعم ضباط محافظين لتنفيذ محاولة انقلابية حُدّد موعدها في أواخر أكتوبر 1956. ويبدو أن السراج اكتشف المخطط فاعتقل عدداً من الضباط بتهمة التآمر مع جهات خارجية. ثم اغتيل المقدم غسان جديد، أحد مخططي المحاولة، في بيروت في 19 فبراير 1957. ثم في أغسطس من السنة نفسها، طردت الحكومة السورية ثلاثة من موظفي السفارة الأمريكية في دمشق بتهمة تدبير محاولة انقلابية بمساعدة كتلة الضباط الدمشقيين.

وإن احتل سباقُ التسلح وتثبيت الحكم مركز تصوّر السياسيين والعسكريين السوريين للصراع مع إسرائيل، لكن السعي المضني إلى هذا التسلح لم يواكبه توسع مماثل في مؤسسات دراسة الخصم، أسوةً بإسرائيل.

يكشف محدوديةَ هذه المعرفة المقدمُ أحمد عبد الكريم، رئيس “فرع فلسطين” في الاستخبارات العسكرية السورية، في مذكراته ذات العنوان الدالّ “حصاد سنين خصبة وثمار مرة” الصادرة سنة 1994. إذ يقول: “لم يكن لدى القيادة العامة معلومات دقيقة عن العدو الذي أقام دولته في عام 1948”. فقد تألّف الفرع المكلّف بدراسة إسرائيل ورصدها من ضابط واحد وضابطي صف للتحقيق وتسجيل البريد وعريف للطباعة، وعدد قليل من المترجمين، وكانت الصحافة مصدره الأول.

ويقرّ عبد الكريم أن إسرائيل “أحيطت بما يشبه الستار الحديدي الكتيم، وبقيت الصورة التي عرفت عنها خلال حرب النكبة مغروسة في أذهان القيادات، ولم تجرِ أية محاولة جادة خارج القوات المسلحة للتعريف بالعدو وسياسته وعلاقاته الدولية”.

ومع انتقال قيادة الشعبة إلى عبد الحميد السراج، حين كانت أزمة الرهائن في ذروتها، لم يطرأ تطوّر ملحوظ على فرع فلسطين، كما تبيّن في مذكرات سامي جمعة. في المقابل، اتسعت مهمات الشعبة لتشمل مراقبة السياسيين وضباط الجيش والأحزاب والسفارات والبعثات الغربية، وملاحقة التهديدات التي تُحاك في بغداد وبيروت. وهكذا تركز توسعها على مكافحة التجسس ومراقبة الداخل، وتغوّل جهازها داخل المجتمع والدولة، فيما بقيت أدوات المعرفة بإسرائيل محدودة.

يظل غياب الأزمة عن المتون التاريخية السورية والعربية سؤالاً بلا إجابة وافية. فخالد العظم كان في قلب الأزمة وزيراً للخارجية والدفاع سنة 1955. وفي “مذكرات خالد العظم” المنشورة سنة 1973، أفاض في صراع الأحلاف ومؤتمر باندونغ، دون أن يذكرها. وكذلك “مذكرات أكرم الحوراني” الضخمة المنشورة سنة 2000، التي تناول فيها الحوراني الغارات الإسرائيلية سنة 1955، لكنه أغفل ذكر أَسر الجنود الخمسة واختطاف الطائرة وتبادل الأسرى.

ولعلّ لذلك أسباباً، منها طبيعتها الاستخباراتية وسرّيتها التي يزيد من أثرها انغلاقُ الأرشيف العسكري والأمني السوري، واعتمادُ تأريخ تلك المرحلة على المذكرات أكثر من الوثائق. وساعد على تفتيت القصة تعاقب أنظمة مختلفة بعدها حتى نظام البعث، فتفرّق صنّاع المرحلة بين الإقالة والسجن والمنفى، ولم يكن للدولة البعثية مصلحة في التأريخ لسلف قامت على نقضه. وهيمن على تأريخ الصراع بين سوريا وإسرائيل الحروبُ الكبرى التي تغيّرت معها مساحات الأراضي المحتلة، فبدت سنوات 1949 و1956 فاصلاً من اعتداءات متفرقة.

يضاف لهذه الأسباب ربما قصور الترجمة العربية عن بعض المصادر الإسرائيلية، إذ لا ترد تفاصيل هذه الوقائع، مثلاً، في الترجمة العربية المختصرة ليوميات موشيه شاريت المنشورة سنة 1996. لكنها تتوفر في الطبعة الإنجليزية المنشورة سنة 2019، وتقع في ثلاثة مجلدات، مع أن أصلها العبري يضم ثمانية.

وسواءً أمكن تفسير هذا الغياب التوثيقي أم لا، فإن الأزمة بين سوريا وإسرائيل بين سنتي 1954 و1956 كشفت عن ملامح تشكّل أدوات الأمن وأنماط التفكير لدى طرفي الصراع في مرحلته المبكرة. فقد ظلت صورة إسرائيل لدى القيادة السورية أسيرة تجربة حرب 1948، في حين كانت مؤسسات الدولة الإسرائيلية توسّع أدوات عملها. واستطاعت تل أبيب أن تحوّل إخفاقها إلى معرفة تنظيمية ووحدات جديدة، وأن تستثمر عملياتها العسكرية في تطوير القتال والقيادة، وتصنع من موت إيلان رأس مالٍ رمزياً في الذاكرة الإسرائيلية. أما النجاح السوري في الأسر ومكافحة التجسس، فلم يتحول بالقدر نفسه إلى بنية دائمة لإنتاج معرفة بالخصم.

وقد بدا هذا التفاوت مرتبطاً بطبيعة المؤسسات التي احتضنت الاستجابتين، وباستقرارها، وبالنظام السياسي والإجماع على الدولة. ففي إسرائيل، كانت تلك الأزمات تمنح المشروع الإسرائيلي تماسكاً وتصقل هويته، فيما كانت الأزمات المتزامنة في سوريا توسّع شروخها الاجتماعية وتُضعف إجماعها على الدولة ذاتها، وتدفع إلى تغليب الأمني على السياسي.

وتعود بعض هذه الأسئلة اليوم إلى الواجهة في الأزمة السورية الإسرائيلية الراهنة، في ظل توغّل القوات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية ومحاولات فرض وقائع جديدة على خطوط الفصل. كذا تستعيد المسألة الدرزية حضورها في الحسابات الأمنية الإسرائيلية، ولتستخدم حماية الدروز مبرراً للتدخل العسكري في الجنوب السوري.

وبين الأمس واليوم، خرجت سوريا وإسرائيل بتعريفين متباينين للأمن. فإسرائيل تبني أمنها بالوصول إلى مجال خصمها، وسوريا تبنيه بمنع خصمها النفاذَ إلى مجالها. وهو الفرق الذي سيظلّ فاصلاً بين من يعرف خصمه ومن يكتفي بحراسة نفسه منه.

 

المصدر مجلة الفراتس

للاطلاع على البحث من المصدر الأساسي

من أسر الجنود إلى سباق التسلّح.. كيف أعادت أزمة 1954 تشكيل الأمن في سوريا وإسرائيل

spot_imgspot_img