دمشق-العدد4-5-براء موسى
لم يتوقفّ النظام السوريّ لحظة واحدة عن المتاجرة بالقضيّة الفلسطينيّة وبالفلسطينيين أنفسهم في الداخل السوريّ، وفي عقر دارهم، عبر سياسات وممارسات أوقعت الكثير من السورييّن والفلسطينيّين في فخّ الرضا – وإن اضطرارياًّ – عن سلوكيّاته المتباينة، والتي تتأرجح على حامل واحد فقط: هو البقاء في سلطته المغتصبة.
في سوريا تناثرت مخيّمات الفلسطينييّن على كافةّ البقاع السوريةّ، ولطالما تباهى النظام بمعاملته للفلسطينيّين بتساوٍ شبه تامّ مع أشقائهم السورييّن، كفعل ابتزازيّ لفلسطينيّي سوريا، عبر الغمز من قنوات الدول العربيّة الأخرى التي عانى فيها الفلسطينيوّن أشكالاً وألوانا من عذابات التهجير المؤلمة.
ولم يكن ذلك في الواقع سوى سرقة جهود الشعب السوريّ في الاندماًج مع أشقائهم، والادعاء بأنهّا «منجزات» لنظام الابتزاز البعثيّ ثمّ الأسديّ، وكان أن نجح بهذا الابتزاز طويلاً، قبل أن يكّشّر عن أنيابه في الوحشيّة والقمع لكّلّ من تسوّل له نفسه الاقتراب من مركزيةّ نظامه «المقاوم والممانع ،»مهما كانت جنسيّة أو طيف من يعيش على الأرض السوريةّ كسجن كبير لكّلّ قاطنيه. ومن سوء حظّ الفلسطينيّين أنهّم شاركوا السوريينّ همومهم كما انقساماتهم بعُيد اندلاع الثورة السوريةّ، فأمّا الذين وقفوا منهم على الحياد بداية الأزمة فكان مصيرهم الإبعاد والتهجير، كما حصل مع حماس، والبقيّة توزعّت بين فكّيّ الصراع، بالرغم من رغبة شعبيّة للفلسطينيّين في النأي بالنفس، ولكن هيهات أن يقبل النظام بهذا النأي، والويل لكّلّ من لا يسانده في محنته مع الشعب السوريّ طوعا أو كرها.
أولى محاولات النظام لإقحام الفلسطينيّين وقضيّتهم في أزمته مع الشعب السوًريّ تمثلًّت بالتغرير ببعض الشبّان المتحمسين والسماح لهم، بعد نصف قرن من المنع، بالاقتراب من حدوده مع «عدوّه المفترض» راح ضحيته بضع عشرات من شبّان بعمر الزهور.
وآخر تلك المحاولات كانت بإعلان النظام ،عبر حليفه حزب الله، فتح بوّابة النضال في قضيّتين كان الفصل بينهما مستعصياً، أقلهّ عقائدياًّ، بين الجولان السوري المحتّلّ والقضيّة المركزيةّ العربيّة / سابقا، والإسلاميّة / لاحقا.
ما بين هاتين المحاولتين البائستين كان النظام ولا يزال يدكًّ «العصابات الإرهابًيّة المسلحّة» أينما حلتّ ،وزاد في ذلك العقاب الجماعيّ لكّلّ احتمال مفترض للحاضن الاجتماعيّ لهذه العصابات.
وكان نصيب الفلسطينيّين كأشقّائهم السورييّن من هذا «العقوبة الجماعيّة»، منذ اقتحام حيّ الرمل الفلسطينيّ في اللاذقيّة، مرورا بمعظم بقاعهم في درعا وحمص وحلب ودير الزور، وليس انتهاء بمخيّمات دمشق التي تتمايز باندماجً أكبر مع السورييّن، نظراً لاتساع رقعة ما صنّفه النظام ذاته «بالأحياء العشوائيّة ،»التي رعى بنفسه عشوائيتّها وأساساتها الهّشّة طوال عقود بما لا يحصى من ممارسات الفساد والرشوة والمحسوبيّات.
في حلب التي تأخّرت مدينتها بعض الوقت عن اللحاق بركب الثورة، تصادف ربمّا من فرط البؤس المتلاحق وقوع مخيّم النيرب الفلسطينيّ بالقرب من مطار حلب العسكريّ، والمدنيّ كذلك، ما جعله وسط نيران الطرفين المتنازعين وشبّيحتهما، الشبّيحة الأصائل، وبعض من امتهنوا التشبيح تحت قناع المعارضة والجيش الحرّ؛ وكذلك الأمر بالنسبة لمخيّم الحندرات لوقوعه بالقرب من مشفى الكندي، ذلك الذي حوّله النظام الهمجيّ إلى معتقل وقاعدة عسكريةّ.
وأمّا المخيمّ الدمشقيّ الأشهر «اليرموك» فقد نال الشهرة الأكبر في أحداث الثورة السوريةّ، بعد «زيارة» الميغ له، وقصفه ليعاود النازحون إليه النزوح منه، فيما يبدو أنّ النزوح غدا وشما في قلوب الفلسطينيّين من الصعب انتزاعه.
كلمة «زيارة» هنا مستعارة من الفيلًم القصير التوثيقيّ، الذي تحدّث بكثافة عن معاناة المخيّم وجيرانه جراّء قصف المخيّم بالميغ، على لسان أحد مبدعيه وهذا رابطه:
لمن يستطيع رؤيته في الداخل السوريّ المنكوب كذلك بإبداعات هذا النظام الممانع في تقنين الخدمات إلى الحدّ الذي يهدف فيه الاستمرار في تركيع قاطني سجنه الكبير.
في العود إلى البدء، فقد تساوى بالفعل فلسطينيّو سوريا مع السورييّن في نكبتهم المستمرةّ، ولا تكاد نسبة الضحايا من الشهداء والمعتقلين والنازحين والمفقودين والجرحى تختلف عن نسبة السورييّن المنكوبين بدورهم باحتلال تحت تسمية مختلفة، لا بل إنّ النسبة المئويةّ للشهداء الفلسطينيّين قد تجاوزت بفارق ضئيل نسبة الشهداء السورييّن، مثالاً لا حصرا.
وبينما البحوث والدراسات لا تزال مستمرةّ حول الموقف اللًا أخلاقيّ للموالين للنظام، رغم وحشيّته وهمجيّته المستمرةّ، وقفت المعارضات السوريةّ عاجزة حتىّ الآن عن طمأنة الفلسطينيّين بخصوص مصيرهم بعد سقوط الطاغية، بعد انخداعهم لمراّت «بأمنه واستقراره وعطاياه»، متناسين أنّ احتضان السورييّن لمحنتهم كانت قبل وجود هذا الطغيان أصلاً. وفشلت حتىّ الآن تلك المعارضات في منح الفلسطينيّين / السورييّن مشاركة سياسيّة في رسم معالم تموضعهم في سوريا الديمقراطيّة الجديدة .








