منصة دمشق الإخبارية نقلاً عن الثورة
في المقابلة التي أجراها المجلس الأطلسي مع الرئيس الشرع ذكر أنه مازح الرئيس ترامب عندما زاره في البيت الأبيض العام الماضي، عندما ذكر قضية اعترافه بالجولان، فقال له: لماذا لا تعطيهم نيوجرسي بدلاً من الجولان؟ مؤكداً أنه لا يملك ليمنحها لإسرائيل، فهي لها أصحاب، وأضاف أنه بغض النظر عن المزاح لا يحق لأحد لا لرئيس سوريا ولا لرئيس أمريكا ولا لأي أحد أن يتنازل عن الجولان للآخرين.
تبدو “المزحة” أسلوبًا ذكيًا للتخفيف المواجهة مع ترامب، لا تحرج ترامب، ولا تضع الشرع في مواجهة، وهذا ما حدث بالفعل، فالمزحة قيلت قبل عام تمامًا، ولم تخلف أية نتائج سلبية على العلاقات السورية الأمريكية، على العكس توطدت العلاقات بقوة خلال هذا العام.
وهي لم تكن مزحة بقدر ما هي حقيقة وحجة قانونية وسياسية بليغة في شكل مزحة، في وقت اعتقد الإسرائيليون أن سوريا الجديدة التي دمروا جميع أسلحتها الاستراتيجية ستكون أضعف من أن تطالب بالجولان، بل إنها ستكون أقرب للاستسلام والاعتراف بالوقائع الميدانية منها إلى مقاومتها.
التفكير الإسرائيلي كان مستندًا إلى أن سوريا لن تتوحد، في وقت تواجه عقوبات دولية وأمريكية واقتصادًا منهارًا. باختصار راهنت إسرائيل على استنقاع الوضع في سوريا، لكن ما حدث كان خلاف ذلك تمامًا، صارت سوريا موحدة، وهي تعيد بإصرار بناء قواتها، بل إن المغامرات الإسرائيلية في الإقليم زادت من أهميتها الجيو-استراتيجية وتحولها إلى حلقة مركزية للاستراتيجية الأمريكية في إعادة تشكيل الشرق الأوسط.
المزحة إذن ليست مزحة، إنما كانت طريقة لطيفة وغير رسمية لتقديم حجة رسمية شديدة الجدية، وهي أن الاعتراف الأمريكي السياسي لا يساوي نقل السيادة، ولا يمنح واشنطن ملكية أرض ليست لها، الرئيس الأمريكي يستطيع أن يعلن موقفًا سياسيًا، لكنه لا يستطيع أن يمنح أرضًا لا تملكها الولايات المتحدة لدولة أخرى. والتصريح بها يعني أن الشرع أصبح أكثر وضوحًا في تثبيت الموقف السوري: الجولان سوري، وسوريا لن تتنازل عنه، لكنها في الوقت نفسه تفاوض على اتفاق أمني مع إسرائيل على هذه القاعدة.
في اليوم التالي، وبخطاب واضح وحاسم، قال الرئيس الشرع أمام الهيئة العامة للأمم المتحدة إنه “لا يمكن لأي محاولات فرض واقع أن تمس شرعية دولتنا وسيادة قانوننا ونفاذ القانون الدولي”، مضيفًا أن “الجولان سيبقى أرضًا سورية، وجميع إجراءات الضم باطلة وملغاة بقوة قرار مجلس الأمن رقم 497″، وهو القرار المعروف الذي أصدره المجلس في 17 كانون الأول 1981 بالإجماع، ويدعو إسرائيل لـ”إلغاء ضم مرتفعات الجولان بحكم الأمر الواقع”.
بهذا الخطاب يعيد الشرع وضع القضية داخل المرجعية القانونية للأمم المتحدة في وقت تحاول فيه إسرائيل تكريس وقائع ميدانية جديدة في جنوب سوريا، ولكن أيضًا يمكن فهمه إلى حد ما جوابًا على تصريح نتنياهو قبل أسابيع في 9 أيلول في قمة جبل الشيخ السورية المحتلة، برفقة وزير الدفاع يسرائيل كاتس، وهو يرتدي سترته الواقية عن “سيطرة مطلقة لم يسبق لها مثيل”، وهو تصريح جاء في إطار حملة انتخابية للكنيست خلال أكتوبر/تشرين الأول المقبل.
لكن المسألة لا تتعلق بالجولان فقط، فالمشكلة التي نواجهها بعد سقوط الأسد في كانون الأول 2024 هي دخول القوات الإسرائيلية إلى مناطق إضافية في جنوب سوريا، وتوسيع انتشارها في المنطقة العازلة ومناطق أخرى، مبررة ذلك باعتبارات أمنية، ولهذا فصل الشرع في خطابه بين مسارين: المسار الأول هو الجولان، وهو ملف سيادي وقانوني غير قابل لإعادة التفاوض على أصله وملكيته، والمسار الثاني هو الأراضي التي دخلتها إسرائيل بعد سقوط النظام السابق، التي يجب أن تتراجع عنها أولاً إلى خطوط 1974، ثم الانتقال إلى ترتيبات أمنية، وبعد نجاح هذه الترتيبات يمكن الانتقال إلى بحث السلام الدائم على هذه الأسس.
الواقع أن نتنياهو لا يريد حتى الاتفاق الأمني، رغم فشل كل رهاناته على عدم استتباب سلطة الرئيس الشرع، لأنه يريد أن تبقى يده طليقة وبلا حدود، لكن الوقائع السياسية وتطورات الأحداث في سوريا والإقليم تضيق خياراته يومًا بعد يوم، وتثبت أن ما يفعله لن يأتي بنتائج حميدة، وسيضيع فرصًا ووقتًا كان يمكن استغلالهما، فقد كشف الشرع أن المفاوضات اقتربت من التوصل إلى اتفاق بنسبة 90% لكن إسرائيل تراجعت وبدأت تطرح شروطًا جديدة بهدف عرقلة الاتفاق.
ويصعب أيضًا فصل كلام وخطاب الشرع في المجلس الأطلسي وفي الأمم المتحدة عن سياق الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، ففي حواره مع المجلس سُئل بصورة مباشرة عن الانتخابات الإسرائيلية المقررة بعد نحو شهر، وعن رسالته إلى الحكومة التي ستأتي بعدها، فلم يتعامل الشرع مع السؤال باعتباره شأنًا إسرائيليًا داخليًا، واستغل المناسبة لتقديم رواية متكاملة عن العلاقة بين دمشق وتل أبيب: إسرائيل تواصل الضربات والتوغلات، بينما اختارت سوريا التفاوض، والمحادثات قطعت شوطًا كبيرًا، لكن الوصول إلى السلام يحتاج أولاً إلى ضمان حقوق السوريين وأمنهم.
هل كان الشرع يريد التأثير على الانتخابات وفرص نتنياهو؟ ربما، لأن كلام الشرع يقول فعليًا إن نتنياهو يقوض فرص السلام والأمن التي قد يسعى إليها الناخبون الإسرائيليون، فالرسالة التي يقولها الشرع ضمنًا هي أن الخلاف ليس حول الحق في الأمن، وإنما حول الحدود والسيادة وشروط الترتيب الأمني.
لذلك جاءت ردود الفعل الإسرائيلية سريعة وغاضبة وضعيفة، رد نتنياهو في خطاب الأمم المتحدة بالقول: “أقول للشرع إن اليهود موجودون في الجولان منذ أيام موسى”، الرد كان سخيفًا حين وجد نفسه أمام المعضلة القانونية في اجتماع أممي دولي فلجأ إلى النصوص الدينية التوراتية، لكن ببساطة أجداد العرب كانوا موجودين قبل ذلك التاريخ بآلاف السنين.
وركز المسؤولون الإسرائيليون على تبرير التقدم والسيطرة على أراضٍ سورية جديدة بعد سقوط الأسد بـ”الحاجة لضمان الأمن والردع والسيطرة الميدانية”، ولكن رغبة الحكومة السورية في التفاوض وضمان ألا تشكل تهديدًا أمنيًا تضعف هذه الحجة.
هل يمكن أن تكون النتائج عكسية فتساعد اليمين على الفوز في الانتخابات؟ يصعب ذلك في الواقع، سوريا لم ترسل أي رسائل تهديد، وأبقت التفاوض مفتوحًا للتوصل إلى سلام دائم، من يعرقل ذلك الإسرائيليون، وبنيامين نتنياهو تحديدًا، لذلك جزء كبير من الإعلام الإسرائيلي قرأ خطاب الشرع بوصفه تعريفًا لشروط السلام.






