بيرين بيرسايغلي موت
12 آب 1976.
قبل خمسين عامًا
كانت الأدخنة تتصاعد من مخيم تلّ الزعتر للاجئين شرقي بيروت. كان المخيم قد أُقيم بعد عام واحد فقط من النكبة، وكان معظم سكانه من الفلسطينيين الفقراء الذين يعملون في المصانع المحيطة به.
جاؤوا إلى لبنان وهم يظنون أنهم سيعودون إلى بيوتهم التي تركوها في فلسطين بعد أسابيع قليلة، أو بضعة أشهر على أبعد تقدير، لكن الأسابيع تحولت إلى سنوات، والسنوات إلى أجيال. ثم جاءت حرب عام 1967، ووقعت الضفة الغربية وغزة وهضبة الجولان وسيناء والقدس بأكملها تحت الاحتلال الإسرائيلي، فتحول مئات الآلاف من الفلسطينيين مرة أخرى إلى لاجئين. ولم يعد تلّ الزعتر مجرد مخيم؛ بل صار مدينة صغيرة تراكمت فيها المنافي فوق بعضها، والبيوت الضائعة، والمفاتيح المحفوظة، والعودة المؤجلة.
كان الناس يخرجون صباحاً إلى المصانع، يعملون ساعات طويلة وهم واقفون، ويتقاضون في كثير من الأحيان نصف ما يتقاضاه العامل اللبناني، ثم يعودون مساء إلى بيوت في بلد ليس بلدهم، محاولين إقناع أنفسهم بأنها أصبحت بيوتهم.
لكن الطوق حول المخيم كان يضيق يوماً بعد يوم. بدأت الميليشيات اللبنانية، وفي مقدمتها الكتائب وقوى مارونية مسلحة، تدور حوله، وفوق ذلك كله كان ظل حافظ الأسد القاتم يخيم على المكان؛ الرجل الذي لم يكن قد مضى وقت طويل على تركه الجولان لإسرائيل من دون إطلاق رصاصة واحدة. في حزيران/يونيو 1976 قطعت القوات السورية والميليشيات اللبنانية الماء والكهرباء عن المخيم، ثم منعت دخول الطعام إليه. كان في الداخل نحو سبعة عشر ألف إنسان: أطفال، ونساء حوامل، وشيوخ، وجرحى.
وكانت حسابات المحاصِرين بسيطة؛ سيفعل الجوع والعطش والخوف ما لم تستطع الرصاصات أن تفعله.
لكن تلّ الزعتر لم يستسلم. إلى جانب المقاتلين الفلسطينيين، كان هناك ثوار سوريون ولبنانيون وضعوا حياتهم على كفهم دفاعاً عن القضية الفلسطينية وعن المخيم. كان بينهم شعراء وطلاب وكتّاب لم يتجاوز بعضهم أوائل العشرينيات من العمر، وربما لم يكونوا قد كتبوا كتبهم الأولى بعد. كان المخيم يُقصف بالمدفعية من الصباح حتى الليل، ويُمنع الأطباء المتطوعون من الدخول إليه، فيما يحاول الأطباء القليلون الذين بقوا في الداخل إنقاذ الأجساد الممزقة بما تبقى لديهم من أدوية توشك على النفاد. كان ماء الأطفال يُفصل عن الماء المخصص لجراح المصابين، ولقمة الخبز الواحدة تُقسّم بين أكثر من شخص، والسرير الواحد يحمل أكثر من جريح. لقد تُرك تلّ الزعتر لواحدة من أبشع حالات الوحدة التي عرفها التاريخ الحديث.
استمر الحصار اثنين وخمسين يوماً، وخلال هذه الأيام سقط على المخيم أكثر من خمسة وخمسين ألف قذيفة مدفعية؛ أكثر من ألف قذيفة في اليوم، فوق مخيم للاجئين، طوال اثنين وخمسين يوماً. وفي 12 آب/أغسطس 1976، حين انهارت دفاعات المخيم، لم يعد أمام من بقي في الداخل طريق للهرب.
دخلت الميليشيات التي تحركت إلى جانب القوات السورية إلى المخيم، وقُتل آلاف الفلسطينيين، بينهم نساء وأطفال، واغتُصبت نساء أمام أطفالهن، ومُثّل بأجساد المسنين، ونُهبت حتى القروش القليلة التي أخفوها في ثيابهم. كما استشهد عدد كبير من المقاتلين الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين وهم يدافعون عن المخيم. لم يعد تلّ الزعتر مجرد مخيم مدمّر؛ لقد صار جرحاً هائلاً فُتح في جسد التاريخ الفلسطيني، ومنفىً ثانياً زُرع في قلب المنفى الأول.
أحمد الزعتر: «أنا الرصاصُ البرتقالُ الذكرياتُ»
سيمنحه محمود درويش لاحقاً اسماً: أحمد الزعتر. «أنا الرصاصُ البرتقالُ الذكرياتُ». لم يكن أحمد درويش إنساناً واحداً؛ كان جميع سكان تلّ الزعتر. كان الطفل الذي وُلد في مخيم للاجئين، والعامل الذي يخرج إلى المصنع، والطبيب الساهر إلى جوار الجريح، والشاب الذي حمل سلاحه ووقف عند مدخل المخيم، والعجوز التي علّقت في عنقها مفتاح بيتها في فلسطين. كان أحمد الرصاصة والبرتقالة معاً؛ هدفاً للموت وتجسيداً للحياة في آن واحد.
كان الفلسطيني الذي اقتُلع من أرضه، لكنه لم يستطع أحد أن ينتزع الأرض من داخله؛ الذي هُدم بيته، لكنه لم يتخلّ عن فكرة «البيت»؛ الذي طُرد من مخيم إلى آخر، لكنه لم يقبل يوماً أن يرى نفسه بلا وطن.
ظن الذين حاصروا تلّ الزعتر أنهم قتلوا أحمد. هدموا المخيم، وشتتوا أهله، وتركوا جثثهم في المقابر الجماعية. لكن بعد نصف قرن، بينما طُويت أسماء كثيرين ممن شاركوا في المجزرة في غياهب النسيان، لا يزال أحمد ينظر إلينا من داخل القصيدة. لأن أحمد لم يكن جسداً فحسب.
يمكنكم قتل جسد، وإحراق بيت، ومحو مخيم من الخريطة، لكنكم لا تستطيعون محو ذاكرة شعب بالسهولة نفسها. يمكنكم إلقاء إنسان في حفرة، لكنكم لا تستطيعون أن تدفنوا إرادته في العودة داخل الحفرة ذاتها.
كان معظم سكان تلّ الزعتر أبناء ناجين من كارثة سابقة. آباؤهم وأمهاتهم هم الذين أغلقوا أبواب بيوتهم في فلسطين عام 1948 وهم يقولون: «سنعود بعد بضعة أيام»، لكن تلك الأيام القليلة تجاوزت عمر إنسان بأكمله. لم يكن تلّ الزعتر فلسطين، بطبيعة الحال؛ لكنه كان قد أصبح البيت الثاني الذي وُلد فيه طفل أحمد، وكسب فيه رزقه، وربّى فيه من يحبهم، ودفن فيه موتاه. وفي 12 آب/أغسطس 1976، سُلب منه ذلك البيت الثاني أيضاً، فعاد أحمد إلى السير من جديد.
لم تكن مأساته أنه فقد بيته فحسب، بل أن الآخرين كانوا يقررون دائماً أين سيعيش، وأي حدود سيعبر، وفي أي مخيم سيقيم، ومن أي طريق سيهرب، ومتى عليه أن يترك بيته. كان الآخرون يقررون ذلك كله، أما أحمد ففي قلب كل هذه المنافي لم يكن ينسى شيئاً واحداً: من أين أتى. ولهذا، حين رأينا بعد سنوات فلسطينياً معصوب العينين في التضامن، كنا في الحقيقة نرى أحمد من جديد.
بيت أحمد الجديد: اليرموك
امتد طريق أحمد هذه المرة إلى دمشق. لم يكن الفلسطينيون الذين لجؤوا إلى سوريا بعد النكبة قد وصلوا إلى جغرافيا غريبة عنهم تماماً؛ فالروابط بين دمشق وحيفا وعكا ونابلس والقدس أقدم بكثير من الحدود الحديثة، وقد تقاطعت طرق السوريين الذين قاتلوا الانتداب الفرنسي مع طرق الفلسطينيين الذين واجهوا الانتداب البريطاني والمشروع الاستيطاني الصهيوني مرات عديدة. كان عز الدين القسام واحداً من أبرز رموز هذا الترابط؛ قاتل الفرنسيين في سوريا ثم انتقل إلى فلسطين. كما اتخذت شخصيات بارزة في الحركة الوطنية الفلسطينية، مثل محمد عزت دروزة والحاج أمين الحسيني، من دمشق في مراحل مختلفة ملجأً ومجالاً للعمل السياسي. لم يكن أحمد غريباً تماماً عن دمشق، لكنه ظل لاجئاً.
ومع مرور السنوات أصبح اليرموك مركز حياته الثانية. بدكاكينه ومدارسه ومستشفياته ومطابعه ومقاهيه ومكتباته وشعرائه وفنانيه، تحول إلى ما هو أكثر بكثير من مجرد مخيم؛ كان فلسطين صغيرة داخل دمشق.
بنى أحمد بيته من جديد هناك، وربّى أبناءه، وربما حمل أحفاده بين ذراعيه، وحدّثهم عن قريته التي تركها في فلسطين، وعلّق خريطة فلسطين على جدار البيت، ووضع في أحد الأدراج المفتاح القديم، وفي درج آخر احتفظ ببضع صور استطاع إنقاذها من تلّ الزعتر. فالإنسان، رغم كل شيء، يواصل الحياة. لكن تلّ الزعتر كان قد علّمه حقيقة مرعبة: حتى البيت الثاني للاجئ يمكن أن يُنتزع منه. قد يقول الإنسان عن مكان ما ثلاثين عاماً كاملة إنه «بيتي»، ويربي فيه طفله، ويدفن فيه أمه، ويعيش حبه الأول في أحد شوارعه، ويترك ذكرياته كلها على جدرانه، ومع ذلك قد يأتي صباح يضطر فيه إلى حزم حقيبته والرحيل. وهذا بالضبط ما حدث لليرموك.
في دمشق مات أحمد جوعاً للمرة الأولى
حين انتفض الشعب السوري عام 2011 في وجه عقود من القمع، تعرض اليرموك أيضاً للقصف والحصار على يد قوات النظام، وقُطع عنه الغذاء والدواء. وفي قلب دمشق أصبح الناس يبحثون عن كسرة خبز. كانت واحدة من أكثر الصور إيلاماً في التاريخ الفلسطيني: أحمد، الذي طُرد من بيته في فلسطين عام 1948 ولجأ إلى سوريا، كان يموت الآن جوعاً في دمشق تحت حكم البعث، على بعد مئات الكيلومترات من فلسطين. لم يستطع أحمد العودة إلى بيته الأول، والآن كان يفقد بيته الثاني أيضاً.
هذا تحديداً هو معنى أن تكون لاجئاً مرتين: أن يبدأ المنفى الثاني قبل أن ينتهي المنفى الأول، وأن تبدأ الحداد على بيت آخر قبل أن تنتهي من الحداد على البيت السابق، وأن تضع مفتاح بيتك في اليرموك في جيب، بينما لا يزال مفتاح بيتك في فلسطين في الجيب الآخر. وتفرق فلسطينيو اليرموك مرة أخرى على الطرق؛ إلى لبنان وتركيا وأوروبا وبقاع أخرى من العالم. وكان أحمد يمشي من جديد. لكن بعض «أحمد» لم يستطيعوا الذهاب بعيداً. انتهى طريقهم في التضامن.
وهذه المرة يمشي أحمد إلى حفرة التضامن
16 نيسان/أبريل 2013. حي التضامن في دمشق. كان رجال معصوبو الأعين يُقتادون إلى حافة حفرة للموت. لم يكونوا يرون ما ينتظرهم أمامهم. يُطلب منهم أن يتقدموا بضع خطوات، ويُصرخ فيهم أحياناً كي يسرعوا، ثم تُطلق عليهم النار وتسقط أجسادهم في الحفرة.
يُقتل واحد ثم يُؤتى بآخر، ثم آخر؛ الأمتار القليلة نفسها، وصوت الرصاص نفسه، والحفرة نفسها. وكأن الجسد البشري لم يعد اسماً ولا عائلة ولا ذكرى ولا حياة، بل مجرد شيء ينبغي التخلص منه. مع أن وراء كل جسد سقط في تلك الحفرة بيتاً، وأماً، وطفلاً، وجملة لم تكتمل، وربما أناساً ما زالوا ينتظرون عودته.
وحين ظهرت الصور بعد سنوات، واتضح أن بين الضحايا فلسطينيين من اليرموك، لم تعد التضامن مجرد واحدة من أحلك المجازر في التاريخ السوري، بل تحولت أيضاً إلى صفحة جديدة ومرعبة في تاريخ اللجوء الفلسطيني. لأن الفلسطينيين الذين سيقوا إلى حافة تلك الحفرة لم يأتوا إليها من شوارع التضامن وحدها؛ كان وراءهم تاريخ طويل من المنافي. والحكاية التي قادتهم إلى تلك الأمتار القليلة بدأت قبل ذلك بزمن طويل، بدأت في فلسطين.
أُخرج أحمد من فلسطين عام 1948، وأُجبر على ترك بيته وقريته وأرضه. لجأ إلى لبنان، ثم أُطلقت عليه النار في تلّ الزعتر عام 1976، وسمع بعد ذلك أخبار صبرا وشاتيلا.
انتقل من مخيم إلى مخيم، ومن حدود إلى أخرى، ثم جاء إلى سوريا وحاول أن يبني حياة جديدة في اليرموك، وأن يشيد داخل المنفى فلسطين صغيرة من الشوارع والدكاكين والمدارس والبيوت. لكن اليرموك حوصر بعد سنوات؛ جُوّع أحمد، وعاش تحت القصف، وفقد أحباءه، ثم جاء يوم عُصبت فيه عيناه في التضامن.
كانت تلك الخطوات القليلة، في الحقيقة، الأمتار الأخيرة من الطريق الذي ظل يمشيه منذ عام 1948. من فلسطين إلى لبنان، ومن لبنان إلى سوريا؛ من تلّ الزعتر إلى اليرموك، ومن اليرموك إلى التضامن. عقود من المنفى انضغطت في تلك اللحظة داخل خطوات قليلة، وكأن حياة إنسان كاملة، والتاريخ القريب لشعب بأكمله، قد انحصرا في بضعة أمتار قطعها رجل معصوب العينين نحو حفرة الموت.
هذه المرة لم يكن الحكم على أحمد
قبل يوم واحد فقط من الذكرى الخمسين لمجزرة تلّ الزعتر، في 11 آب/أغسطس 2026، حُكم على بشار الأسد وماهر الأسد بالإعدام غيابياً، فيما صدر حكم الإعدام بحق عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، بحضوره أمام المحكمة. ثلاثة أسماء ارتبطت على مدى سنوات بالخوف والتعذيب والسجون والمفقودين والمقابر الجماعية، صار إلى جوارها الآن، في سجلات القضاء، حكم من نوع آخر:
الإعدام.
صدر حكم بالإعدام بحق بشار الأسد. وصدر حكم بالإعدام بحق ماهر الأسد.
وصدر حكم بالإعدام بحق عاطف نجيب.
ربما ينبغي أن نكتب هذه الكلمة مرة بعد مرة، لأن أسماء أولئك الذين ظلوا لعقود هم من يصدرون الأحكام في سوريا؛ الذين كانوا يأمرون باقتياد الناس من بيوتهم في عتمة الليل، والذين أضاعوا البشر في السجون، وحاصروا المدن، وحوّلوا الجوع إلى أداة من أدوات الحرب، باتت تقف للمرة الأولى إلى جوار حكم بهذه القسوة. وجاء هذا الحكم قبل يوم واحد فقط من الذكرى الخمسين لتلّ الزعتر. إنها واحدة من تلك الروابط المروعة التي يصنعها التاريخ أحياناً بمحض المصادفة.
كان أحمد بين الذين جُوّعوا في اليرموك، وكان أحمد بين الذين فُقدوا في سجون سوريا، وكان أحمد بين الذين عُصبت أعينهم وسيقوا نحو حفرة الموت في التضامن. ربما كان اسمه يتغير، ووجهه يتغير، وعمره يتغير، والمخيم الذي وُلد فيه يتغير، والوثيقة التي يحملها تتغير، لكن حكايته لم تكن تتغير.
إنها حكاية اللاجئ الفلسطيني التي انتقلت من جيل إلى جيل؛ إنسان هُجّر مرة، ثم هُجّر من جديد، نجا من مجزرة فوجد نفسه في حصار آخر، وانتقل من مخيم ليجد نفسه في مكان آخر للموت.
قبل سنوات طويلة، أخرج محمود درويش أحمد من تحت أنقاض تلّ الزعتر وعرّفنا إليه. لم يقدمه لنا بوصفه بطلاً لقصيدة فحسب، بل بوصفه اسماً مشتركاً للاجئ الفلسطيني. ومنذ ذلك اليوم بدأنا نتتبع أحمد؛ خرج من بين أنقاض تلّ الزعتر، وسمع أخبار صبرا وشاتيلا، وحاول أن يؤسس حياة جديدة في شوارع اليرموك. ثم حوصر اليرموك، وقلّ الخبز، ومات الناس من الجوع، وكان أحمد هناك. أُغلقت أبواب السجون، واختفى آلاف البشر، وكان أحمد هناك أيضاً. وحين كان معصوبو الأعين في التضامن يُساقون إلى حافة حفرة الموت، كان أحمد بينهم مرة أخرى.
تتبعناه من تلّ الزعتر إلى اليرموك، ومن اليرموك إلى حافة حفرة الموت في التضامن. وعلى مدى خمسين عاماً لم تُكتب في حكاية أحمد إلا الكلمات نفسها: المنفى، الحصار، الجوع، الفقدان، السجن، المجزرة.
وربما، في 11 آب/أغسطس 2026، رأينا للمرة الأولى كلمة أخرى تُكتب في حكاية أحمد؛ أحمد الذي طورد طوال خمسين عاماً من تلّ الزعتر إلى التضامن، وجُوّع، وأُخفي، ثم سيق في النهاية نحو حفرة للموت:
العدالة
لقد رأينا أحمد الزعتر، ذلك الذي أخرجه محمود درويش من تحت أنقاض تلّ الزعتر ووضعه أمانة بين أيدينا، يلتقي العدالة للمرة الأولى.







