ابراهيم الجبين
لم يألف السوريون العمل في مناخٍ يسيطر عليه قانون ينظم العلاقات بين أركان المجتمع من قبل. وما كان سائداً في زمني الاستبداد والثورة قواعد عمل مختلفة تماماً عما يطمح إليه من يريد أن يرى حرية إعلامية كاملة ومصانة لأصحابها من جهة، وحقوقاً مصانة أيضاً لأولئك الذين تتناولهم الصحافة بأنماطها المكتوبة والسمعية والبصرية والجديدة من جهة ثانية.
ومثلما عاشت الصحافة في زمن الثورة بين من يحرصون على توثيق جرائم النظام البائد والميليشيات التي دعمته بكل وسيلة ممكنة، كانت تبرز أصوات صارمة طيلة الوقت تطالب بعدم الانجرار وراء الدعاية غير الموثقة والاتهامات المرمية جزافاً، فالتوثيق في الصحافة أول مبادئ المهنية وأكثرها ضرورة لمصداقية المادة الصحفية. بينما طغت الدعاية السياسية، وهي مفهومة ومشروعة في خطاب ثوري معارض لديه أسبابه المبدئية والسياسية والأخلاقية لرفض الظلم والديكتاتورية وما ارتبط بهما من فساد وارتكابات ومجازر.
في الزمن الجديد، استمرّ البعض في اعتقاده أنه لا يزال يعيش القواعد القديمة ذاتها التي اعتاد عليها في سنوات الثورة. ففي الوقت الذي يمتلك فيه مشروعية الخطاب الغيور الرافض لأي مظهر من مظاهر الانحراف، لا يدرك أنه بحاجة أيضاً إلى دعم روايته في كل تدوين صحفي بوثيقة تمتلك قوتها القانونية للدفاع عما يطرحه.
أخذ الاختلاط بين الرأي السياسي والمحتوى النقدي يتزايد مع تقدّم عمل الدولة السورية الجديدة، وتوسّع مشاريعها وتعدّد انشغالاتها في الساحتين الخارجية والداخلية. وبات الصحفي يعطي لنفسه الحق بطرح رأيه الشخصي كمواطن سوري في مسألة لا علاقة لها بحقوق المواطنة، بل بمصداقية الفكرة وصلابة قوامها وقدرتها على الصمود أمام الواقع.
أي صحافة حرّة نريد في سوريا الجديدة؟ ليس سؤالاً وحسب. بل هو مشروع واسع لم يتوقف التفكير فيه منذ لحظة التحرير وحتى لحظة كتابة هذه السطور، وبين الزمنين كان على السوريين أن يجدوا أنفسهم بمواجهة تحديات متواصلة، ففي كل صباح تشرق فيه الشمس على دمشق يستيقظ السوريون على فضائح وملفات يشعرهم فيها كتّابها أنهم وجدوا الحقيقة الكبرى، وأنهم على وشك الإيقاع بهذا المسؤول أو ذاك. أو أنهم اكتشفوا أخيراً ما هو توجّه الدولة السورية الجديدة الحقيقي!
وقد سمعنا من كثر من مدراء المؤسسات الإعلامية الناقدة للأوضاع في سوريا، أن على الحكومة السورية أن تعتاد وجود صوت آخر معارض ومختلفـ، غير الصوت المؤيد الداعم. وهذا صحيح، إلا أن السؤال الكبير حول الصحافة التي نريد، ينظمه حل وحيد وبسيط، هو الالتزام بالقانون. وقانون المهنة بمعاييره العالمية يوجب أن يكون لكل فكرة قرينة ودليل.
وبذلك تحتاج الصحافة التي تريد أن تكون ناقدة إلى أن تعتاد على تقديم الوثيقة، وقبل ذلك أن تدرك أنها تتعامل مع دولة لا مع جماعة، مع مؤسسات لا مع تنظيمات وفصائل وتيارات وأحزاب، وأن خصمها في السجال النقدي هو كيان رسمي عليه أن يتخذ إجراءات تستجيب لما تطرحه الصحافة لا أن يصمت عنها أو يزدريها ويتجاهلها.
وكما أن وسائل إعلام الدولة ليس عليها أن تكون صدى لكل ما يصدر عن الحكومة من قرارات، بل أن تواكبها وتدعم الإيجابي منها وتنتقد السلبي، فهي تتحمّل مسؤولية تقديم النموذج الذي يحترم أن الدولة فوق التناوش والمهاترات، وأنها ليست طرفاً في خصومة مع هذا المنبر أو ذاك. فترسي بثقلها خطاباً رصيناً لا يسمح بتخفيف مستوى العمل الحكومي إلى مستوى النشطاء والمؤسسات الخيرية الصغيرة، بل يبقيه في مقامه السيادي ويحفظ مرجعيته القانونية في سياق الدولة.
وفي ظلّ ذلك المنطق، قد يتساءل القارئ الكريم، هل من حصانة لأحدٍ في زمن الصحافة الحرّة في سوريا الجديدة؟ الجواب باختصار: لا. الحصانة يضمنها القانون والضمير المهني والاعتراف بالدولة. وهذه الثلاثية لا يجوز أن تنفصل أي عروة منها في الخطاب وإلا انفلت نحو التحريض والتشويش وتأليب الرأي العام.
في المقابل، هل هناك ضمانة للصحافة الحرّة في تناول ما تشاء؟ الجواب أيضاً باختصار: نعم. الضمان هو الدولة القوية والمؤسسات التي يكرّسها القانون التي تحمي حرية التعبير. بالتالي فإن ضرب مؤسسات الدولة ومحاولة التقليل من شأنها وشرعيتها بتنزيلها من مقام الدولة إلى مقام الخصم في تحقيق صحفي عابر، إنما يضرب الضمانة التي تحمي الصحافة الحرة. ويصبح الوضع تصويباً مباشراً على الذات.
هكذا علاقة بين أطراف الصراع الخلاق في المجتمع، يليق بها أن تتأسس على احترام الشرعيات المختلفة لكل منها، وأن تتنبّه إلى أن الصحافة هي السلطة الرابعة حقاً، لكن ولأنها سلطة فمن المنطقي أن تمارس سلطتها بمسؤولية لا من دون حدود، مثلما أن السلطة التنفيذية لا تُطلق يدها بلا قيود ينظمها القانون.
لا يقود الدولة والمجتمع أي سلطة إيديولوجية بعد الآن، كما كانت عليه الحال أيام البعث، إنما يسيّر فضاء الاختلاف بينهما منظومة من المعايير لا تحتاج إلى اكتشاف العجلة من جديد. أما القانون فهو في انتظار الثورة التشريعية التي يقودها مجلس الشعب اليوم، والتي تشمل كافة الاختصاصات والحقول، فمن غير المعقول أن يزول نظام الأسد وتبقى قوانينه تحكم السوريين بعد زواله.
لكن ما العمل والمعركة تدور اليوم حول المحاولات العبثية لنزع الشرعية من الدولة والحكومة ومجلس الشعب ذاته؟ وكيف يمكن أن يكون العمل الصحفي حرّاً بالفعل من قيوده الذاتية التي تهيمن عليها دوافع شتى توجّه الخطاب وترسم الأهداف قبل الشروع في كتابة الأحرف الأولى من أي مقال أو فكرة تصوّب سهامها نحو الظواهر؟
مسارٌ قد يطول ويضيّع المزيد من الوقت، ويمكن اختصاره بالقليل من الوعي اللازم والضروري والمشترك بين الأطراف التي تؤثر في الرأي العام وحياته اليومية ومستقبله.
المصدر: صحيفة الثورة السورية






