منصة دمشق الإخبارية نقلاً عن العربي الجديد
يحرص الرئيس السوري، أحمد الشرع، على مشاركاته في مناسباتٍ ومنتدياتٍ وملتقياتٍ واجتماعاتٍ في دول في الغرب والشرق. يلقي الكلمات ويعقد لقاءاتٍ ويجري مباحثات، في الاقتصاد والسياسة، ويجتمع بجالياتٍ سورية متنوعة.
ويتضح في هذا كله وغيره أن مواظبته على هذه الأنشطة مدفوعةٌ بتشديده على حضور سورية الجديدة في العالم، سورية المختلفة، الواعدة على ما يدأب على القول، والمُسالمة على ما قال غير مرّة.
والإجماع مؤكّدٌ على أن الشرع شخصياً، وبنشاط لوزير الخارجية أسعد الشيباني، نجح في تظهير صورة بلده باتجاه المصالحة مع العالم، وإبقاء جسور التواصل، مع تبادل المنافع، طيّبةً مع دول عديدة، ولو تختلف الخيارات والرهانات السياسية. وهذا حسنٌ ومحمود، سيّما وأن سورية احتاجت، منذ عقود، أن تزيح عن نفسها صورة الدولة المُعاقَبة، المراوغة مع الشرق والغرب، وصاحبة السمعة السيئة، سيما مع اشتداد العنف العاري الذي ارتكبته سلطة الاستبداد الآفلة مع مطالب الشعب السوري بإصلاحات سياسية، وبعدالة اجتماعية، وكرامة حقوق إنسانية.
وعندما يقول قائلون، وهم كثيرون، إن جهداً كثيراً أنفقه الرئيس الشرع في هذا الأمر فاق ما صرفه في شؤون الداخل، أي أن التواصل الدؤوب مع الخارج، وتنشيط عملٍ دبلوماسيٍّ لصالح سورية الجديدة التي تتطلّع إلى روافع عربية وإقليمية ودولية، تساعدها في التعافي مما أورثه نظام الأسد المخلوع فيها من كوارث ومصائب، إن هذا الجهد لم يتواز مع جهدٍ لزم أن يكون أكثر وأمضى باتجاه الداخل السوري.
عندما يُقال هذا، وفيه بعض الصحة، لا يخصم من قيمة ما تحقق وظهر منجزاتٍ شديدة الأهمية، لا بد وأن لها آثارها المحمودة على الداخل السوري، ومن ذلك العمل المُضني الذي أخذ وقتاً طويلاً واتصالاتٍ مع فاعلين لهم تأثيرهم على صنّاع القرار في واشنطن وغيرها، من أجل رفع كل العقوبات التي تعدّدت تصنيفاتها على سورية، ولإدخال البلد في المنظومات المصرفية العالمية. ذلك أنه لا يمكن لمسارات التنمية والتعمير المنشودة، والملحّة، في البلد أن تمضي في تخطيطٍ موفّق من دون هذا الاستحقاق.
أما لو قال قائلٌ إن أثماناً وأكلافاً سياسية دفعتهما دمشق وستدفع غيرهما في مقابل ما تحرزه من تحسين الصورة، ومن قابلية العالم للسلطة الراهنة، في نشاط “العلاقات العامة” المتواتر، على ما قد يوصف، فإن هذا الأمر لا يمكن مقاربته بتبسيطٍ مخلّ كهذا، إذ لم يُسمع من الرئيس ووزير الخارجية، في أيٍّ من تصريحاتهم وكلماتهم في هذا المحفل أو ذاك، وفي هذه اللقاءات أو تلك، وكذلك في البيانات الرسمية، ما يخرج عن ثوابت وطنية سورية وعربية معلومة ومؤكّدة، وإن احتاجت بعض المواقف المعلنة إلى تعبيراتٍ أكثر وضوحا، وأقلّ مداراة، في مسألة الصراع مع دولة الاحتلال تحديداً، فقد عوينت بياناتٌ وتصريحاتٌ بنبرة كان من شديد الضرورة أن تكون أقوى وأصلب، وإن سُمعت تصريحات وكلمات أخرى كما يُؤمل ويُرتجى، وكأن اللغة المستخدمة تخضع لظرفياتٍ وإيقاعاتٍ سياسيةٍ تعلمها الرئاسة والخارجية ولا أحد غيرهما.
وهذه مسألةٌ ليست شكلية ونافلة، بل جوهرية ولا يُجاز تبخيسها والتهوين من أمرها، فللغة الخطاب السياسي أهميتها في التداول العالمي، ولها وقْعها لدى الجمهور العام، المحلي والخارجي. وما سمعه العالم من الرئيس الشرع في منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة عن تأكيد سوريّة الجولان، وفي مؤتمر صحفي عن “7 أكتوبر” حدثاً سقط فيه أبرياء، ولا يمكن التذرّع به لقتل أزيد من 70 ألف فلسطيني في غزّة، كان في صميم القول وضروراته. وإذا كانت السلطة تسوّغ مفاوضاتها، المباشرة وغير المباشرة، مع دولة الاحتلال بدافع العمل على انسحاب الأخيرة من الأراضي التي احتلتها بعد إسقاط نظام الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024، ومع التحفّظ على الأداء التفاوضي الذي تخوضه، فإن اللغة السورية الأوجب أن يسمعها الجميع يحسن أن تنأى عن الغموض والالتباسات، وأن تتوفر كل الشفافية في التواصل مع الشعب السوري، صاحب الأرض، وتنويره بكل مستجد. والبادي لكل ذي عين أن دولة النهب والاستيطان والقتل تعتصم بوحشيتها وصلافتها، وتُشهر تماديها، وتجهر بأنها لن تكفّ عن اعتداءاتها على سورية.
ما يعني أن السلطة مطالبةٌ بأداء سياسي يُغادر واحدية خيار التفاوض، وإنْ في لحظة شديدة الحساسية، ولعل أولى استحقاقات هذا المطلب الملحّ الانفتاح على الخبرات والكفاءات السورية في هذا الشان وغيره، والله أعلم.






