فارس الذهبي
“أرضَ الخسارةِ يا لبنانُ، هل رجلٌ
يعيدُ للناسِ بعدَ اليومِ ما خسروا؟”
يختصر هذا السؤال الشعري جوهر قصيدة “جبل الباروك” التي كتبها شوقي بزيع إثر اغتيال كمال جنبلاط سنة 1977، وألقاها في أربعينه، قبل أن يمنحها مارسيل خليفة بعداً غنائياً حملها إلى أجيال متعاقبة.
خرج السؤال من لحظة لبنانية دامية، ثم عبر نحو نصف قرن من الحروب والوصايات والانهيارات والاغتيالات، ليصدح من جديد في دمشق، المدينة التي حكمها النظام المتهم في الذاكرة السياسية اللبنانية بالمسؤولية عن اغتيال صاحب المختارة.
اختار شوقي بزيع هذه القصيدة لإلقائها في الدورة الأولى من مهرجان الشعر في دمشق، فتحوّل الاختيار نفسه إلى جزء من معنى النص وتاريخه. الكلمات التي وُلدت أمام دم كمال جنبلاط عادت إلى المجال السوري في لحظة سياسية جديدة، حاملة معها ذاكرة الصراع بين مشروعين متناقضين: مشروع وطني إصلاحي حمله جنبلاط، ومشروع سلطوي إقليمي قاده حافظ الأسد من خلال إخضاع سوريا ومدّ الهيمنة إلى لبنان.
تتقدم عبارة “أرض الخسارة يا لبنان”إلى قلب المشهد. فالخسارة تتجاوز غياب رجل واحد، مهما بلغت مكانته. إنها خسارة مشروع للإصلاح السياسي والاجتماعي، وخسارة فرصة لبناء دولة أكثر عدالة، وخسارة قائد جمع بين الفكر والفلسفة والعمل الوطني والانحياز إلى الفئات الشعبية. ومع اغتياله، دخل لبنان مرحلة طويلة من الانكسار، واتسعت مساحة الوصاية السورية، وتراكمت الاغتيالات والحروب والتسويات المفروضة.
حمل كمال جنبلاط مشروعاً يسعى إلى تجاوز النظام الطائفي اللبناني وبناء دولة أكثر استقلالاً وعدالة. رأى لبنان ساحة للتغيير الديمقراطي والاجتماعي، ودافع عن إصلاح النظام السياسي، وعن عروبة ديمقراطية متصلة بحرية الإنسان وكرامته، ووقف إلى جانب القضية الفلسطينية، وقاد الحركة الوطنية اللبنانية في واحدة من أشد مراحل البلاد حساسية.
وضعه هذا المشروع في مواجهة مباشرة مع حافظ الأسد. فالخلاف بين الرجلين تجاوز حدود التنافس الشخصي، واتصل بتصورين متعارضين للسياسة والمجتمع والدولة. مثّل جنبلاط فكرة الإصلاح والاستقلال الوطني، فيما تعامل النظام السوري مع لبنان باعتباره مجالاً أمنياً وسياسياً تابعاً، ورأى في استقلال القرار اللبناني، وفي وجود قادة قادرين على مواجهته، خطراً على مشروع هيمنته.
وقع اغتيال كمال جنبلاط في السادس عشر من آذار 1977 على طريق دير دوريت، أثناء توجهه إلى المختارة. ومنذ ذلك اليوم، ارتبطت الجريمة في الوجدان اللبناني باتهام نظام حافظ الأسد، خصوصاً بعد الصدام السياسي الحاد الذي سبقها بين جنبلاط والقيادة السورية.
تحوّل الطريق المؤدي إلى المختارة إلى شاهد على لحظة غيّرت مسار لبنان، مثلما تحولت قصيدة شوقي بزيع إلى شهادة شعرية على حجم الفقدان. ومن هنا يكتسب سؤال القصيدة قوته المتجددة:
“هل رجل يعيد للناس بعد اليوم ما خسروا؟”
يبدو السؤال موجهاً إلى كل مرحلة لبنانية أعقبت الاغتيال. من يعيد للبنانيين قرارهم الوطني؟ من يعيد إلى السياسة معناها الأخلاقي؟ من يعيد إلى الناس ثقتهم بالدولة؟ من يعيد إلى العمل العام صلته بالفكر والثقافة والعدالة؟ ومن يعيد إلى لبنان قدرته على إنتاج قادة يحملون مشاريع تتجاوز الطوائف والمصالح الضيقة؟
يحمل السؤال أيضاً إدراكاً لصعوبة تعويض كمال جنبلاط. فقد جمع الرجل بين الزعامة السياسية والإنتاج الفكري والروحانية والنضال الاجتماعي، واتسع حضوره خارج حدود حزبه وطائفته ومنطقته. لذلك جاءت الخسارة بحجم وطن، وجاءت المرثية كأنها رثاء للبنان الذي كان يمكن أن يولد من مشروعه.
حين لحّن مارسيل خليفة “جبل الباروك”، انتقلت القصيدة من صوت الشاعر إلى الذاكرة الجماعية. صار اللحن امتداداً للكلمات، وصار اسم كمال جنبلاط حاضراً في وجدان أجيال عرفت الاغتيال من خلال الشعر والموسيقى. منحت الأغنية القصيدة حياة متجددة، وحفظت السؤال مفتوحاً، وحمت الذاكرة من التآكل، وربطت صورة الجبل بصورة الرجل الذي خرج من المختارة إلى فضاء عربي أوسع.
ويمنح إلقاء القصيدة في دمشق هذا السؤال بعداً تاريخياً وسياسياً إضافياً. فدمشق التي خضعت عقوداً لحكم حافظ الأسد وورثته تسمع اليوم كلمات كُتبت في وداع واحد من أبرز خصوم مشروعه في لبنان. وبين منبر الشعر وذاكرة الاغتيال تتشكل لحظة رمزية شديدة الكثافة: اسم كمال جنبلاط يرتفع في العاصمة السورية، وصوت شوقي بزيع يعيد رواية الضحية إلى المكان الذي احتكر فيه النظام السابق سردية التاريخ.
تبدو عودة القصيدة إلى دمشق بعد سقوط حكم عائلة الأسد أشبه بعودة رمزية للضحية إلى قلب المكان الذي صدر عنه القمع. انتهى حكم الأسرة الذي استمر أربعة وخمسين عاماً، ودخل السوريون مرحلة جديدة فتحت الباب أمام مساءلة إرث التدخلات والاغتيالات والسجون التي طبعت علاقة النظام السابق بالسوريين واللبنانيين معاً.
خلال زمن الأسد، خضعت دمشق لمنظومة من المحظورات السياسية والثقافية. وكان اقتران اسم كمال جنبلاط باغتياله يفتح باباً على سؤال المسؤولية، وهو سؤال قادر على زعزعة الرواية الرسمية التي قدّمت التدخل السوري في لبنان عملاً إنقاذياً. أما قطاعات واسعة من اللبنانيين، فعاشت هذا التدخل كوصاية أمنية وسياسية رافقتها الاعتقالات والاغتيالات والتدخلات المتواصلة في الحياة العامة.
اليوم، يحمل إلقاء أو وصول “جبل الباروك” إلى منبر ثقافي دمشقي معنى استعادة المدينة حقها في سماع الروايات التي حُجبت عنها. تستطيع أمسية شعرية أن تفتح نافذة رمزية على العدالة، وأن تكسر احتكار النظام للذاكرة، وتعريفه للوطنية، وتحكمه بما يجوز قوله في دمشق وما يُفرض عليه الصمت.
تدخل الثورة السورية إلى معنى هذه اللحظة من باب الذاكرة والعدالة. فقد واجه السوريون النظام نفسه الذي بسط سلطته على لبنان، واستخدم أدوات القمع والإخفاء والقتل والسجون داخل سوريا وخارجها. ومن خلال تضحياتهم، انكشفت وحدة التجربة بين الشعبين: طاغية واحد صنع الخوف في دمشق، وفرض الوصاية في بيروت، وترك وراءه سجلاً طويلاً من الدماء والأسئلة.
لقد انتصرت الثورة السورية؟ ربما في أحد أعمق معانيها، حين استعادت دمشق قدرتها على استقبال صوت يرثي رجلاً وقف في وجه طاغيتها. يتجاوز هذا الانتصار سقوط سلطة سياسية، ويصل إلى انتصار حق الذاكرة على النسيان، وحق الضحايا في أن تُروى حكاياتهم في الأمكنة التي حُظر فيها حتى التلفظ بأسمائهم.
يحمل إلقاء “جبل الباروك” في دمشق معنى انتصار الذاكرة المشتركة للسوريين واللبنانيين. يستعيد السوريون مدينتهم ومنابرها، ويستعيد اللبنانيون صوت رجل ارتبط اغتياله بمرحلة التمدد الأسدي في بلادهم. وتلتقي تطلعات اللبنانيين إلى السيادة والدولة مع تطلعات السوريين إلى الحرية والكرامة داخل بيت شعري واحد يتحدث عن الخسارة وإمكان استعادة ما ضاع.
وتكمن واحدة من أبلغ مفارقات المشهد في عودة القصيدة إلى دمشق من دون خطاب ثأري. فالشعر يحفظ الاسم، ويصون الذاكرة، ويمنع الرصاص من امتلاك الكلمة الأخيرة. أراد القتلة أن تتحول جريمة دير دوريت إلى نقطة نهاية، فجاء شوقي بزيع ليجعلها بداية مستمرة للكلام.
في القصيدة يتحول جبل الباروك إلى رمز للثبات أمام الزمن. الجبل باقٍ، والاسم باقٍ، والكلمات تواصل رحلتها بين الأجيال والمدن. أما السلطة التي قامت على الخوف، فقد خسرت قدرتها على احتكار المنبر والذاكرة. وهكذا يصل صوت شوقي بزيع إلى دمشق حاملاً كمال جنبلاط من المختارة، عبر الباروك، إلى قلب العاصمة السورية.
بين جبل الباروك وجبل قاسيون مسافة جغرافية قصيرة، إلا أن عقوداً من الخوف والحدود الأمنية والدماء جعلتها مسافة شاقة. وفي أمسية دمشقية، عبرت القصيدة هذه المسافة أخيراً. دخل كمال جنبلاط المدينة بصوت شاعر حمله منذ عام 1977، دخلها بروح السلام التي بشر بها. دخلها ليعلن من جديد أن الحق سيصل يوماً إلى أصحابه مهما طال زمانه. وبكلمات لحّنها مارسيل خليفة وحفظها جمهور عربي واسع.
وتتجدد دلالة البيت الشعري في هذا العبور:
“أرض الخسارة يا لبنان، هل رجل
يعيد للناس بعد اليوم ما خسروا؟”
فالذي خسره لبنان بعد اغتيال كمال جنبلاط يحتاج إلى مشروع وطني وإرادة شعبية وذاكرة تحمي الحقيقة وسياسة تستعيد صلتها بالأخلاق. ويغدو استحضار جنبلاط اليوم دعوة إلى استعادة هذه القيم، وإلى تحويل حضوره من حنين إلى زعيم غائب إلى بحث عن مشروع قادر على إصلاح الدولة وحماية السيادة وإعادة الاعتبار إلى العدالة الاجتماعية.
عبارة “أرض الخسارة يا لبنان” تختصر تاريخاً من الاغتيالات والحروب والوصايات والهجرات والانهيارات. ومع ذلك تحمل القصيدة في أعماقها بذرة رجاء. فالسؤال يحفظ إمكانية الاستعادة، واستعادة الذاكرة تمهّد لاستعادة الوطن، ووصول القصيدة إلى دمشق يؤكد قدرة الكلمة على عبور زمن الطغاة والوصول إلى ما بعدهم.
حين وقف شوقي بزيع في دمشق وألقى «جبل الباروك»، كان يعلن، بعد تسعة وأربعين عاماً من الاغتيال، أن المقتول عاد إلى المدينة، وأن النظام الذي أراد محو أثره قد زال، فيما واصلت القصيدة حياتها.
التقى جبل الباروك بجبل قاسيون، والتقت ذاكرة كمال جنبلاط بذاكرة السوريين الذين واجهوا الاستبداد. وفي ذلك اللقاء الشعري ظهر معنى عميق لانتصار الثورة السورية: عودة الأصوات التي حاصرها نظام الأسد، وحضور أسماء ضحاياه وخصومه في فضاء كان خاضعاً لسطوته.
عاد السؤال من دمشق إلى لبنان:
“هل رجل يعيد للناس بعد اليوم ما خسروا؟”
وقد تبدأ الإجابة من حفظ الذاكرة، وتسمية الجريمة، وتحويل الخسارة إلى قوة تدفع اللبنانيين والسوريين نحو الحرية والسيادة والعدالة وحكم القانون ونفي الطائفية والبغض. فالقصيدة التي وُلدت من رحيل رجل صارت
إعلاناً عن بقاء فكرته، وعن قدرة الشعوب على استعادة أصواتها ومدنها وتاريخها.
وبقي الجبل.
المصدر صحيفة المدن اللبنانية







