بيرين بيرسايغلي موت
إلى خيري الذهبي
(أهدي هذا المقال إلى عزيزي خيري الذهبي، الذي وقع في الأسر في السجون الإسرائيلية خلال حرب عام 1973. كم كنت أتمنى لو أتيح لي أن أتحدث معه طويلًا عن خسارة الجولان، وعن خطاب «المقاومة» الذي تبنّاه نظام حافظ الأسد، وعن ذلك الصمت الهائل الذي أخذ ينمو خلف هذا الخطاب. ذلك أن خيري الذهبي لم يكن من أولئك الذين عرفوا هذا التاريخ من خلال الكتب وحدها؛ بل كان ممن حملوا في حياتهم الشخصية ثمن الحرب والأسر والهزيمة. وسيظل عجزي عن مناقشة العلاقة المظلمة بين خطاب كاتس الذي كان يشرعن الاحتلال، وخطاب نظام الأسد الذي حوّل الهزيمة إلى ملحمة بطولية، مستعينًا بذاكرته الحادة وضميره الصافي، نقصًا كبيرًا يؤلمني دائمًا. ولهذا فإن هذا المقال هو، في الوقت نفسه، سؤال طويل موجّه إليه، لكنه سؤال لم يعد في وسعنا أن نتلقى جوابه.)
عندما خرج شموئيل كاتس من مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن في يناير/كانون الثاني عام 1978، لم يكن يتخلى فحسب عن منصب المستشار الذي تولّاه قبل بضعة أشهر، بل كان يفترق أيضًا عن رفيقه القديم في منظمة الإرغون، الذي سار إلى جانبه قرابة أربعين عامًا، وعن الطريق الذي كان يعتقد أن الصهيونية التنقيحية ينبغي أن تسلكه بعد وصولها إلى الحكم.
كان بيغن قد وصل إلى السلطة عام 1977 بعد سنوات طويلة قضاها في المعارضة، واستدعى كاتس ليعمل مستشارًا مكلفًا بإعادة تنظيم النشاط الدعائي الإسرائيلي الموجّه إلى العالم الخارجي. وهكذا أصبح الجيل التنقيحي، الذي ظل سنوات طويلة مبعدًا عن مركز القوة من جانب الصهيونية العمالية، موجودًا أخيرًا في قلب الدولة.
لكن الوصول إلى السلطة لم يكن كافيًا بالنسبة إلى كاتس؛ فالسلطة لا تكتسب معناها، في نظره، إلا إذا واصلت العقيدة القديمة من دون أي تنازل. وكان استعداد بيغن للانسحاب من سيناء مقابل السلام مع مصر لا يمثل بالنسبة إليه مجرد تعديل عادي للحدود، بل كان يعني أن الإرادة الصهيونية بدأت تشك في حقها التاريخي.
ولم يكن ما يخيفه هو خسارة سيناء وحدها؛ فقد كان ردّ سيناء مقابل السلام يعني الاعتراف بأن الأرض التي يجري الاستيلاء عليها بالقوة العسكرية لا تمنح المحتل حقًا دائمًا في السيادة عليها. وإذا ما اكتسب هذا المبدأ شرعيته مرة واحدة، فقد تطالب سوريا باستعادة هضبة الجولان، وقد يطالب الفلسطينيون باستعادة الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية. كان اعتراض كاتس الأساسي منصبًّا على فكرة أن الحدود التي أفرزتها الحرب قد تكون مؤقتة؛ ففي عالمه كان من الممكن تقديم الحدود التي وصل إليها الجيش الإسرائيلي، بمرور الزمن، باعتبارها الحدود الطبيعية للتاريخ اليهودي، وتحويل الموقع العسكري أولًا إلى منطقة أمنية، ثم إلى منطقة استيطانية، وأخيرًا إلى جزء لا يمكن التخلي عنه من أرض الوطن. وكان ينبغي، في رأيه، تكرار الأسلوب الذي طُبّق في فلسطين على هضبة الجولان أيضًا.
شرعنة الطريق الذي فتحه السلاح بالقلم
كانت حياة شموئيل كاتس قصة للحرب التي خاضتها الحركة الصهيونية، لا على الأرض وحدها، بل كذلك من أجل السيطرة على الطريقة التي يُروى بها التاريخ وتُرسَم بها الجغرافيا. لم يكن كاتس روائيًا أو شاعرًا، ومع ذلك فقد أقام سردية قومية تفوق في تأثيرها كثيرًا من الروايات، وصنع ذاكرة تنقيحية كبرى تحدد من هو البطل، ومن هو الخائن، ومن هو صاحب الرؤية الثاقبة، ومن يقف في الجانب الخاطئ من التاريخ اليهودي. تأثر كاتس منذ شبابه بأفكار زئيف جابوتنسكي، الذي لم يكن يرى أمام اليهود سوى طريقين: إما إقامة السيادة العسكرية والسياسية، وإما استمرار حالة الضعف التي عاشوها في المنفى. وكان ينبغي أن تحل محل الجماعة التي تنتظر من يحميها جماعةٌ مسلحة، قادرة على تغيير مصيرها باستخدام القوة.
ولكي تتحول هذه الفكرة إلى واقع، لم تكن هناك حاجة إلى التنظيمات المسلحة وحدها، بل إلى كتّاب ومؤرخين ودعاة يشرحون لماذا استُخدم السلاح. وهنا ظهر دور شموئيل كاتس؛ فالقلم، بالنسبة إليه، لم يكن نقيضًا للسلاح، بل كان سلاحًا ثانيًا يشرح لماذا أُطلقت النار، وإلى أي هدف وُجّهت، ولماذا ينبغي اعتبارها عملًا مشروعًا.
كتابة تاريخ بطولي لعنف الإرغون
وصل كاتس إلى فلسطين الخاضعة للانتداب البريطاني عام 1936، ثم انضم بعد فترة قصيرة إلى منظمة الإرغون. وكان من بين مهماته الأساسية داخل التنظيم صياغة اللغة التي توصف بها العمليات المسلحة؛ فتفجير مبنى أو تخريب خط للسكك الحديدية لم يكن يقتصر على الحدث نفسه، إذ كانت الكلمات التي يُروى بها الحدث هي التي تحدد ما إذا كان مرتكبه سيُعدّ «إرهابيًا» أم «مناضلًا من أجل الحرية». منح كاتس عمليات الإرغون منطقًا عسكريًا، ومبررًا سياسيًا، ونسبًا تاريخيًا، وقدّم مقاتلي التنظيم السري، لا بوصفهم شبانًا مجرمين، بل باعتبارهم امتدادًا للانتفاضات اليهودية القديمة ولنهج جابوتنسكي.
وهكذا تحوّل العنف السياسي الحديث إلى الحلقة الأخيرة في تاريخ طويل من المقاومة القومية، بينما أُقصيت نتائج هذا العنف على الفلسطينيين من السردية بأكملها. وفي محكمة التاريخ التي أقامها كاتس، كانت منظمة الإرغون تجلس في قفص الاتهام، بينما كان كاتس يؤدي في الوقت نفسه أدوار الشاهد ومحامي الدفاع وكاتب المحكمة؛ غير أن الفلسطينيين لم يكن مسموحًا لهم بدخول هذه المحكمة.
محو الفلسطيني من التاريخ ومن وطنه
أعاد كاتس التنقيحيين، الذين جعلتهم الذاكرة الصهيونية الرسمية غير مرئيين، إلى صفحات التاريخ، لكنه لم يُظهر للفلسطينيين المطالبة نفسها بالعدالة التاريخية. كان الصهاينة العماليون والتنقيحيون يختلفون حول الطريقة التي ينبغي بها إقامة الدولة، وحول اللحظة المناسبة لاستخدام القوة العسكرية، غير أن حق الشعب الفلسطيني في بلاده ظل خارج السرديتين كلتيهما.
وبينما كان كاتس يحتج على تغييب جماعة صهيونية واحدة، كان يعيد إنتاج تغييب شعب كامل.
وقد ذهب، ولا سيما في كتابه «ساحة المعركة» (Battleground)، إلى أن الفلسطينيين لا يشكلون شعبًا مستقلًا، وأن فلسطين لا يمكن اعتبارها وطنًا قوميًّا قائمًا بذاته، وأن الصراع نشأ بسبب رفض العرب قبول السيادة اليهودية. وفي حين كان تحوّل الهوية القومية اليهودية، في ظل الظروف الحديثة، إلى حركة سياسية يُقدَّم باعتباره يقظة تاريخية، كان تطور الهوية الفلسطينية في ظل الظروف نفسها يُعدّ دليلًا على اصطناعها. وهكذا كان الحق في التطور التاريخي يُمنح لأمة ويُحجب عن أخرى؛ وكان أصغر أثر تاريخي للوجود اليهودي يتحول إلى دليل على الحق في السيادة، في حين لم يكن يُنظر إلى وجود الفلسطينيين، الذين عاشوا على الأرض نفسها أجيالًا متعاقبة، باعتباره كافيًا لتأسيس حقوق قومية. لم يكن البيت الذي فقده الفلسطيني، ولا قريته التي أُفرغت من سكانها، ولا حياته التي بدأت من جديد في مخيم للاجئين، تتمتع بأي قيمة للشهادة في محكمة كاتس التاريخية؛ لأن الحكم كان قد صدر مسبقًا: الحق اليهودي تاريخي ومطلق، أما حق الفلسطيني فليس سوى نتاج للدعاية السياسية.
توسيع الجغرافيا العربية من أجل طرد الفلسطيني
كانت العلاقة التي أقامها كاتس مع سوريا تكشف هذا المعيار المزدوج بصورة أوضح. فبينما كان يدّعي أن الفلسطينيين ليسوا أمة مستقلة، كان يقدم فلسطين باعتبارها جزءًا من سوريا الكبرى ومن الجغرافيا العربية الأوسع. وبموجب هذا التصور، لم يكن الفلسطيني بحاجة إلى دولة مستقلة، لأن عالمًا عربيًا واسعًا يقف وراءه.
وكان هذا أحد أكثر الأساليب شيوعًا في السردية الصهيونية: تكبير الجغرافيا العربية من أجل تصغير وطن الفلسطيني. كان من الممكن أن يُقال للفلسطيني الذي فقد بيته في يافا إن دمشق أو بيروت أو عمّان مفتوحة أمامه، وإن للعرب دولًا كثيرة، بينما لا يملك اليهود سوى دولة واحدة. وبهذه الطريقة كان يمكن إفراغ ارتباط الفلسطيني بأرض محددة ومدينة بعينها وبيت معلوم من قيمته ومعناه.
الجولان: احتلال إسرائيل وذريعة نظام الأسد التي لا تنتهي
لكن عندما كانت القضية تتعلق بما إذا كانت هضبة الجولان أرضًا سورية أم لا، كان هذا التصور القائم على الجغرافيا الواسعة يختفي فجأة. وهنا كانت تظهر مفارقة غريبة: كانت سوريا تُكبَّر من أجل حرمان الفلسطيني من وطنه، ثم تُصغَّر من أجل إبقاء الجولان في يد إسرائيل.
كانت الروابط التاريخية بين الفلسطيني وسوريا تُقدَّم دليلًا على عدم امتلاكه هوية قومية مستقلة، بينما كانت الروابط التاريخية والسياسية بين السوري والجولان تُفرَّغ من قيمتها أمام ما يسمى بالاحتياجات الأمنية الإسرائيلية.
وقد جُرّدت هضبة الجولان، التي احتلتها إسرائيل عام 1967، من كونها أرضًا سورية يسكنها بشر، واختُزلت في مفاهيم عسكرية مثل «المرتفعات» و«العمق الاستراتيجي» و«أمن الحدود الشمالية لإسرائيل». فإذا كانت منطقة ما مفيدة من الناحية العسكرية، يصبح ردّها أمرًا خطيرًا؛ وإذا كان ردّها خطيرًا، يصبح الاحتفاظ بها ضرورة؛ وإذا أصبح الاحتفاظ بها ضرورة، أمكن مع مرور الزمن اعتبارها جزءًا لا يتجزأ من البلاد. هكذا كان يجري تحويل الأرض المحتلة إلى حق تاريخي.
كثيرًا ما قُدّم حافظ الأسد، عند الحديث عن خسارة هضبة الجولان، باعتباره قائدًا قاوم الاحتلال وكرّس حياته لاستعادة الأراضي المفقودة. غير أن حافظ الأسد كان وزيرًا للدفاع السوري عندما وقعت الجولان في يد الجيش الإسرائيلي في يونيو/حزيران عام 1967، ومن ثم كان في قلب النخبة الحاكمة التي تحمل المسؤولية السياسية والعسكرية عن الهزيمة. فلم تكن خسارة الجولان إرثًا غريبًا وجده أمامه بعد وصوله إلى السلطة، بل كانت هزيمة النظام الذي كان هو نفسه جزءًا مباشرًا منه.
وعندما استولى الأسد على السلطة عام 1970، أعلن أن استعادة الجولان أحد الأهداف الأساسية للنظام، لكن الهوة بين الخطاب والممارسة اتسعت تدريجيًا.
صامت أمام إسرائيل، شرس في مواجهة شعبه
هاجم الجيش السوري المواقع الإسرائيلية عام 1973 بهدف استعادة الجولان، وحقق تقدمًا خلال الأيام الأولى من الحرب، إلا أن العملية لم تسفر عن نتائج دائمة؛ فقد استعاد الجيش الإسرائيلي المواقع التي خسرها، ولم تتمكن سوريا من استرجاع الجزء الأكبر من الجولان. ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان حافظ الأسد قد دخل الحرب مرة واحدة، بل ما إذا كان قد خاض، طوال حكمه الذي اقترب من ثلاثين عامًا، نضالًا متواصلًا وفعّالًا من أجل استعادة الجولان بالفعل. ومن المستحيل الإجابة عن هذا السؤال بالإيجاب؛ فبعد توقيع اتفاقية فصل القوات عام 1974، تحولت جبهة الجولان، طوال سنوات طويلة، إلى واحدة من أكثر حدود إسرائيل هدوءًا.
وبينما استمر النظام السوري في خطابه القاسي المناهض لإسرائيل، لم يمارس أي ضغط عسكري مباشر في المنطقة. صمتت الجبهة واستمرت الخطب، وتحولت الجولان من أرض ينبغي القتال لتحريرها إلى رمز مقدس يتكرر اسمه في خطابات النظام. كانت الأولوية الأساسية لحافظ الأسد حماية سلطته قبل تحرير الجولان؛ فلم ينظم نظام الأسد الجيش باعتباره مؤسسة وطنية تستعد لمواجهة العدو الخارجي وحده، بل أعاد تشكيل القوات المسلحة والأجهزة الأمنية على نحو يمنع الانقلابات على النظام، ويفرض الرقابة على المجتمع، ويحمي السلطة. وكُلّفت أكثر الوحدات العسكرية ولاءً بضمان سيطرة النظام على مركز الحكم. لم يكن الفشل أمام إسرائيل يهدد وجود النظام، لكن العصيان في الداخل كان يُعاقب بأقصى درجات القسوة. استطاعت النخبة الحاكمة التي خسرت الجولان البقاء في السلطة، بينما كان السوريون الذين عارضوا النظام يُرسلون إلى السجون، أو يُجبرون على المنفى، أو يُقتلون.
ليست تضامنًا مع فلسطين، بل وصاية عليها
في الوقت الذي جمّد فيه الأسد جبهة الجولان إلى حد كبير، أرسل الجيش السوري إلى لبنان عام 1976. وهناك لم تواجه القوات السورية إسرائيل وحدها، بل واجهت كذلك التنظيمات الفلسطينية وحلفاءها اللبنانيين. ولم تقم سياسة نظام الأسد تجاه فلسطين على التضامن بقدر ما قامت على السيطرة؛ كانت القضية الفلسطينية أداة ضغط يمكن استخدامها ضد إسرائيل، لكن لم يكن مسموحًا للتنظيمات الفلسطينية بأن تتحرك بصورة مستقلة، أو تبني تحالفاتها الخاصة، أو تسلك طريقًا مختلفًا عن المصالح الإقليمية السورية. ولهذا أصبح النظام أحد أبرز المسؤولين عن المجازر التي شهدتها المخيمات الفلسطينية في لبنان. استخدم الأسد المقاومة الفلسطينية في مواجهة إسرائيل، وحاول في الوقت نفسه إبقاءها تحت سيطرته.
لم يكن اسم هذه السياسة مقاومة متواصلة، بل توترًا مضبوطًا. لم يكن النظام يعقد سلامًا كاملًا مع إسرائيل، لكنه لم يكن يبدأ حربًا جديدة من أجل استعادة الجولان أيضًا. وقد أتاح هذا الغموض القائم بين الحرب والسلام تحويل التهديد الإسرائيلي إلى ذريعة لاستمرار حالة الطوارئ والأجهزة الأمنية والقمع السياسي في الداخل. فكلما استمر احتلال الجولان، استطاع النظام أن يقدم نفسه باعتباره «القلعة الأخيرة في مواجهة الصهيونية».
كاتس والأسد: نظامان دعائيان يقتات كل منهما من عدو الآخر
كان شموئيل كاتس وحافظ الأسد يمثلان، في الظاهر، عالمين سياسيين متقابلين. كان كاتس يدافع عن ضرورة احتفاظ إسرائيل بالجولان من أجل أمنها، بينما كان الأسد يقول إن الجولان أرض سورية يجب إعادتها. لكن هذا التعارض أنتج، مع مرور الزمن، خطابين يغذّي أحدهما الآخر؛ فقد استخدم كاتس واليمين الإسرائيلي الذي كان يمثله خطابات نظام الأسد المتشددة لتبرير الاحتفاظ بالجولان، وأصبحت اللغة المناهضة لإسرائيل التي تبنتها إدارة دمشق أداة فعالة لإقناع المجتمع الإسرائيلي بأن «إعادة الجولان ستجعل الحدود الشمالية عرضة للخطر من جديد». أما نظام الأسد فحوّل الاحتلال الإسرائيلي للجولان إلى مبرر لنظامه القمعي في الداخل ولحالة الطوارئ التي لا تنتهي.
كان وجود الأسد، بالنسبة إلى كاتس، يؤكد الادعاء القائل إن إسرائيل دولة محاصرة ومهددة باستمرار. أما بالنسبة إلى الأسد، فكانت الفكرة الصهيونية التوسعية التي يمثلها كاتس تدعم الادعاء القائل إن سوريا يجب أن تُحكم في ظل حالة حرب دائمة. كانت إسرائيل تستخرج من خطاب الأسد مبرراتها الأمنية، وكان الأسد يستخرج من الاحتلال الإسرائيلي شرعية نظامه.
احتفظ طرف بالجولان قائلًا: «إن سوريا تنتظر الفرصة المناسبة للهجوم»، بينما زاد الطرف الآخر القمع الممارس على شعبه قائلًا: «إن إسرائيل تهدد سوريا بأكملها». كان خطاب كاتس يصوّر أي سلام محتمل بوصفه استسلامًا، بينما كان خطاب الأسد يقدم أي اعتراض على النظام باعتباره تفريقًا للصفوف في مواجهة العدو. كانت كل واحدة من السرديتين تحتاج إلى وجود الطرف الآخر، وهكذا كانت الخطابات التي تبدو متعادية تكمل بعضها بعضًا من حيث الوظيفة السياسية.
أحدهما وسّع الاحتلال، والآخر وسّع كذبة المقاومة
لم يكتف شموئيل كاتس برواية التاريخ؛ بل حوّل التاريخ إلى حكم ينكر فلسطين، وإلى خريطة تفصل الجولان عن سوريا، وإلى سلاح أيديولوجي يأمر بعدم إعادة الأراضي التي جرى الاستيلاء عليها بالحرب. كبّر سوريا لكي يحرم الفلسطيني من وطنه، ثم صغّر سوريا لكي يحتفظ بالجولان في يد إسرائيل. أما حافظ الأسد فقد جرى وضعه في مواجهة هذه السردية بوصفه منقذًا رومانسيًا.
ولهذا لم يتحول خطابا كاتس والأسد إلى سرديتين تنفي إحداهما الأخرى، بل إلى سرديتين سياسيتين تغذّي إحداهما الأخرى. كانت سردية كاتس عن «إسرائيل المحاصرة» تحتاج إلى خطاب الأسد التهديدي، وكانت سردية الأسد عن «سوريا المقاومة» تحتاج إلى الصهيونية التوسعية التي يمثلها كاتس. ثبّت أحدهما احتلال الجولان تحت ذريعة الأمن، بينما حوّل الآخر الاحتلال نفسه إلى مصدر لشرعية حكمه. وبين هذين الخطابين ظل الجولان تحت الاحتلال، واستمر تمزيق فلسطين، وابتعدت كلمة «المقاومة» تدريجيًا عن نضال الشعوب الحقيقي من أجل التحرر.
واليوم لم يعد أي منهما على قيد الحياة. فقد مات حافظ الأسد عام 2000، ومات شموئيل كاتس، حارس جابوتنسكي الأخير، عام 2008. لكن الخطابات التي تركاها وراءهما كانت أطول عمرًا منهما: حوّل قلم كاتس الاحتلال إلى حق تاريخي، بينما حوّلت خطب الأسد الهزيمة إلى أسطورة مقاومة لا تنتهي. دافع أحدهما عن بقاء الجولان في يد إسرائيل، بينما حكم الآخر ثلاثين عامًا باسم الجولان من دون أن يحرره. مات الاثنان، لكن الفلسطينيين والسوريين الذين طُردوا من الجولان هم الذين دفعوا ثمن ذلك النظام المظلم الذي نشأ بينهما.
ولم يبقَ في النهاية سوى حساب ثقيل، ما زال ينتظر جوابه أمام محكمة التاريخ.







