بيرين بيرسايغلي موت
حين رأيتُ قبل أيام صديقًا لي، وهو كاتب تركي بارز، يزور قبر يوسف العظمة، خطرت ببالي هذه الأبيات لإيميه سيزير من دفتر العودة إلى الوطن الأم: «لا تحتكر أيُّ سلالةٍ الجمالَ أو الذكاءَ أو القوة؛ ففي ملتقى الظفر متّسعٌ للجميع».
تجعلنا هذه الكلمات ننظر إلى النصر من زاوية أوسع من كونه نتيجةً تُحسم في ميدان المعركة. ففي تلك الصورة معنى يتجاوز إحياء ذكرى قائدٍ عاش في الماضي: رجلٌ هُزم في ميسلون، لكنه ظلّ حاضرًا في ذاكرة شعبه، رغم مرور عقود.
وكانت تلك الزيارة، بعد كل هذه السنوات، جزءًا من نصر يوسف العظمة أيضًا. وهكذا وجد «ملتقى الظفر» في قصيدة سيزير صداه في ذكرى بلغت الحاضر، وفي شعبٍ يستعيد ذكرى بطله.
لم يعرف سيزير يوسف العظمة، لكنه وقف، مثله، في مواجهة الاستعمار الفرنسي، وإن كان على جبهة أخرى. ففي ميسلون، تصدّى العظمة لتقدّم القوات الفرنسية نحو سورية. أما سيزير، فواجه بقصائده وأفكاره اللغة التي كانت تقدّم الاستعمار نفسه على أنه «حضارة».
كان أمام الأول جيشٌ احتلالي، وأمام الثاني أفكارٌ تحاول تبرير الاحتلال. وما فُرض في ميسلون بقوة السلاح، فضحته كلمات سيزير في نصوصه. اختلفت أدوات المواجهة، لكنهما دافعا عن حقّ الشعب في ألّا يُحكم عليه بالخضوع لإرادة الآخرين.
في تموز/يوليو 1920، ومع تقدّم القوات الفرنسية نحو دمشق، خاض يوسف العظمة معركة ميسلون وهو يدرك ثقل احتمال الهزيمة. وفي 24 تموز/يوليو، تواجه الجيش الفرنسي والقوات السورية؛ فهُزمت قوات العظمة أمام جيشٍ فرنسي يفوقها قوةً وعدّة. غير أن ميسلون لم تبقَ مجرد نتيجة معركة، بل غدت في الذاكرة السورية والعربية أحد رموز المقاومة في وجه الهيمنة الأوروبية.
لم يكن الانتداب الفرنسي في سورية مجرد إقامة إدارة أجنبية. فقد سعت السلطات الفرنسية إلى تشكيل إدارة البلاد ونظامها التعليمي؛ فبرز التاريخ الفرنسي وجغرافيته وكلاسيكياته في المناهج، فيما تقلّص حضور الثقافة العربية الإسلامية في التعليم. ويكشف هذا التدخل رغبة الاستعمار في السيطرة على علاقة المجتمع بماضيه، لا على أرضه فحسب. وتشير دراسة أكاديمية عن الانتداب الفرنسي في سورية إلى أن اللغة الفرنسية فُرضت في المدارس الفرنسية، وأن المناهج أولت الكلاسيكيات الفرنسية وتاريخ فرنسا وجغرافيتها اهتمامًا أكبر من الثقافة العربية الإسلامية.
لم تكن القوة التي واجهها العظمة في ميسلون مجرد جيشٍ أكبر عددًا وعدّة؛ بل كانت نظام احتلالٍ يتجاهل حق الشعب السوري في تقرير مستقبله. رفض العظمة أن تُمنح بلاده استقلالها بإذنٍ من الخارج، أو أن يُعامل كأنه وعدٌ قابل للتأجيل. وأعلن بمقاومته المسلحة أن التفوق العسكري لا يستطيع محو إرادة شعب. فالهزيمة في ميدان القتال لا تعني أن الاحتلال محقّ. وقد أظهرت معركة ميسلون أن المطالبة بالاستقلال لا تزول بالهزيمة، بل تنتقل إلى الذاكرة وإلى الأجيال اللاحقة.
واجه سيزير منظومة الأفكار التي حاولت جعل القوة العسكرية للاستعمار ممكنةً ومشروعة. فقد قدّم الاستعمار الفرنسي احتلاله وتدخّله الثقافي باسم «نقل الحضارة». وفي كتابه خطاب حول الاستعمار، كشف سيزير العنف الكامن وراء هذا الادعاء. كتب: «إن المسافة بين الاستعمار والحضارة لا نهائية»، ثم وصف العلاقة بين المجتمع الاستعماري والمجتمع المستعمَر بكلمات مثل «السُّخرة، والتخويف، والقمع، والشرطة، والضرائب، والسرقة، والإذلال».
واختزل هذا النظام في معادلة واحدة: «الاستعمار = التشييء». أي تحويل البشر من ذواتٍ فاعلة إلى أشياء تُدار وتُستغلّ ويُتصرّف فيها.
وكان النظام الذي قاومه العظمة في ميسلون يسعى بدوره إلى انتزاع مصير الشعب السوري واتخاذ القرارات نيابةً عنه. فبينما دافع العظمة بالسلاح عن حق شعبه في تقرير مستقبله، نزع سيزير القناع عن الفكر الاستعماري الذي ينكر هذا الحق.
ويُظهر نقد سيزير أن الاستعمار لا يضرّ بالشعوب المستعمَرة وحدها. فالنظام الذي يزعم أنه يحمل الحضارة إلى شعبٍ ما، بينما ينكر إنسانيته، يدرّب مجتمعه هو أيضًا على العنصرية والعنف. ولا يبحث سيزير عن الوحشية التي يخلقها الاستعمار في الأراضي المحتلّة وحدها؛ بل يبيّن كيف يغيّر هذا العنف المجتمعات التي تمارسه وتبرّره أيضًا.
ومن هذا المنظور، لا يكون ادّعاء «التمدين» سوى غطاءٍ للاحتلال. وهنا يلتقي تدخّل الإدارة الفرنسية في التعليم والثقافة في سورية باعتراض سيزير على الفكر الاستعماري: سلطةٌ تسعى إلى ترسيخ هيمنتها عبر تغيير ذاكرة الشعب، ومفكرٌ يفضح قناع الحضارة الذي تتخفّى وراءه تلك السلطة.
كان فرانز فانون تلميذًا لسيزير، لكن الصلة بينهما تجاوزت علاقة المعلّم بتلميذه. فقد وُلد فانون في مارتينيك، وتلقّى دروسًا على يد سيزير في ثانوية شويلشر بمدينة فور دو فرانس. وكان الطريق المناهض للاستعمار الذي مهّده سيزير بالشعر والفكر حاضرًا في بدايات تكوين فانون الفكري. ثم عمل فانون طبيبًا نفسيًا في الجزائر، وشهد عن قرب الجروح التي خلّفها النظام الاستعماري في الناس.
ومع اندلاع حرب الاستقلال الجزائرية، لم ينظر إلى الاستعمار بوصفه مجرّد حكم بلدٍ لبلد آخر، بل بوصفه منظومةً متكاملة تحاول تحديد هوية الناس وعلاقاتهم ومكانهم في العالم. ثم انضمّ إلى نضال الجزائر من أجل الاستقلال.
تتبّع فانون في الحياة اليومية والعالم النفسي للإنسان المستعمَر ما سمّاه سيزير «التشييء». فالسلطة الاستعمارية لا تكتفي بحكم شعبٍ ما، بل تحاول تبرير وجودها من خلال تصنيفاتٍ تصوّر ذلك الشعب على أنه أدنى وأقلّ كفاءة. بحث فانون عن آثار هذا القمع في صراعات جبهات القتال، كما بحث عنها في الطريقة التي يُرغم بها الناس على رؤية أنفسهم.
وحين درس السياسات الفرنسية المتعلّقة بحجاب النساء الجزائريات، لم يحصر المسألة في نقاشٍ حول اللباس؛ بل أظهر كيف حاولت الإدارة الاستعمارية تفكيك المقاومة بالتدخل في رموز المجتمع وحياته اليومية. وسأل: من يقرّر باسم «التحرير»؟ حياةُ مَن يُعاد تنظيمها؟ ولخدمة مَن يجري ذلك؟ وهكذا وجدت انتقادات سيزير للفكر الاستعماري عند فانون تجسيدها الملموس في تفاصيل الحياة اليومية داخل المجتمع المستعمَر.
لم يعش يوسف العظمة وسيزير وفانون الحياة نفسها، ولم يتأثروا بالاستعمار الفرنسي بالطريقة ذاتها. قاتل العظمة الاحتلال العسكري الذي فرضه الانتداب الفرنسي على سورية. وفضح سيزير الهيمنة الفكرية والثقافية للاستعمار الفرنسي في الكاريبي، وفي العالم الاستعماري الأوسع. أما فانون، فبعد تجربته الاستعمارية في مارتينيك، عاين في الجزائر كيف يتغلغل الاحتلال في النفس الإنسانية والعلاقات الاجتماعية والحياة السياسية. واجه الثلاثة وقائع تاريخية مختلفة تشكّلت في نطاق الاستعمار الفرنسي. لم تكن هذه الوقائع متطابقة، لكنها اشتركت في محاولة السيطرة على الأرض، وقمع إرادة الشعوب، وحرمانها من حقّها في تقرير مصيرها.
تضيء عبارة فانون في معذّبو الأرض: «إن إنهاء الاستعمار هو خلق أناسٍ جدد»، جانبًا مشتركًا في هذه النضالات. فالحرية، كما توحي العبارة، ليست مجرد انتهاء الحكم الأجنبي؛ إنها خروج الإنسان من النظام الذي يحطّ من قدره، واستعادته مكانه بوصفه ذاتًا فاعلة. أظهر سيزير كيف يحوّل الاستعمار الإنسان إلى «شيء»، فيما شدّد فانون على قدرة النضال من أجل الحرية على إعادة بناء الإنسان. وكانت مقاومة العظمة المسلحة تعبيرًا آخر عن الإرادة نفسها: أن يكون الشعب السوري صاحب بلاده وحياته ومستقبله. اختلفت الأدوات بين السلاح والشعر والفكر والعمل الثوري، لكنّها جميعًا دافعت عن الحقّ ذاته.
كان الاستعمار يحارب الأرض والعقل معًا. يحاصر البلاد بجنوده، والذاكرة بالتعليم، والهوية بتصنيفاتٍ مهينة، والحياة اليومية بتدخلاته الثقافية. لذلك لم يكن ممكنًا أن تجري مقاومته على جبهة واحدة. دافع العظمة عن الأرض؛ وبدّد سيزير أكاذيب الاستعمار بالكلمات؛ أما فانون، فشخّص الجراح التي أحدثها في الذات الإنسانية وفي حياة المجتمع، وانضمّ إلى نضال الاستقلال. وما جمع بينهم ليس أنهم سلكوا الطريق نفسه، بل أنهم واجهوا الهيمنة ذاتها من طرقٍ مختلفة.
«لكلّ إنسان فرصةٌ للقاء النصر». فقد يكون النصر أحيانًا هزيمة جيش، أو عجزًا عن إسكات صوت شعب، أو استعادة ذلك الشعب حكايته من أيدي الآخرين. سقط العظمة في ميسلون، لكن الإرادة التي دافع عنها لم تسقط.
امتدّ صداها في كلمات سيزير، وتعاظم في أفكار فانون، ثم نهض من جديد في ذاكرة أجيالٍ لاحقة. وكما في قصيدة سيزير، ثمّة مكانٌ للجميع في ملتقى الظفر: للقائد الذي قاوم في ميسلون، وللشاعر الذي فضح لغة الاستعمار، وللطبيب الذي انضمّ إلى نضال الجزائر من أجل الحرية، ولمن يزورون اليوم قبورهم ويعيدون رواية حكاياتهم. قد يحتلّ المستعمِر الأرض، لكنه لا يستطيع أن يفرض سلطانه على توق شعبٍ إلى الحرية.
ولعلّ أعظم انتصارٍ في التاريخ هو أن يظلّ مَن بدوا مهزومين قادرين على إرشاد الطريق.






