الدكتور نوار نجمة
هل يا ترى نحن بحاجة إلى سياسات ضريبية مختلفة تعالج التفاوت الطبقي وغياب العدالة الاجتماعية في ظل وجود طبقات ضعيفة جداً غير قادرة على عبور نظريات السهول والوديان التي يطالبنا البعض بعبورها؟
في كتابه الشهير “غرق الحضارات” يتكلم أمين معلوف عن العالم الجديد فيقول إن التفاوت الطبقي لم يعد مستهجناً، ويقول إن حصول البعض، كلاعبي كرة القدم أو الفنانين، على أجور مرتفعة غير منطقية لم يعد مداناً في ظل ثقافة لم تعد معنية بالعدالة الاجتماعية.
اليوم وبعد أن أعلنت فرنسا سياسة تقشفية جديدة تؤدي إلى انكماش النمو وفي ظل ملامح للتفاوت الطبقي المتعاظم في الغرب، تنتفض من جديد المدرسة الفرنسية.
ولمن لا يعرف فرنسا، فالجامعة والمدرسة الجمهورية في فرنسا هما أصل الحكاية الديمقراطية كلها، وهما المكان الذي ينطلق منه الطلاب والمثقفون والمفكرون في كل زمان مطالبين بتصحيح المسار.
تتسلل الأفكار اليسارية اليوم مجدداً إلى هذه الجموع، وتبرز شخصيات طلابية مثل “إيلوان بنوا” وغيره يذكروننا بـ “دانيال كون-بنديت” في ثورة ١٩٦٨، فالكاريزما مع الذكاء والخطابة تجتمع في هؤلاء الذين يرسمون الحاضر الفرنسي في شوارع باريس وبقية المدن الفرنسية، مع ظهور إشارات قوية بامتداد المظاهرات إلى شوارع مدن أوروبية أخرى.
الحقيقة أن القضية ليست عودة اليسار أو أفكار اليسار، ولكن توحش الطبقات الغنية ومحاصرتها لرجال الدولة ومصانع القرارات الاقتصادية جعل النمو يسير فقط لمصلحتها، وأثر على مبادئ اقتصادية وسياسية واجتماعية عمرها مئات السنين كرستها الثورة الفرنسية.
تخفيض الإنفاق كان له الأثر الكبير على موارد المدارس والجامعات في بلد التعليم فيه حق مجاني للمواطنين، وهذا دعا الطلاب إلى النزول للشوارع رافضين أن يدفعوا هم وجيلهم الذي هو برأيهم المستقبل فاتورة غياب العدالة الاجتماعية وعدم رغبة الأغنياء في تحمل مسؤولياتهم الاجتماعية.
الغرب، بالرغم من علمانيته الشديدة، إلا أن ثقافته العميقة هي ثقافة مسيحية تكره المال والغنى، وتعتبر الفقير ضحية وليس مذنباً، ونستذكر هنا قول السيد المسيح: “إذا دخل الجمل من خرم الإبرة يدخل الغني إلى ملكوت السموات”، هذه الجملة ليست عبارة عابرة وإنما هي ثقافة في دول مثل فرنسا وألمانيا.
لن يعود اليسار، ولكن الليبرالية المطلقة لن تعيش، ونحن على أبواب خيارات اقتصادية عالمية جديدة سترسم ملامحها ثورات طلابية كالتي تجري في أوروبا الآن والتي جرت سابقاً في أيار ١٩٦٨.
والسؤال هنا: هل سياسة الحكومة الجديدة في سوريا في خفض الإنفاق هي الحل، أم أننا أمام قرار اقتصادي خاطئ يحاول معالجة قرار خاطئ سبقه هو رفع أسعار المشتقات النفطية، وسيؤدي عاجلاً أم آجلاً إلى التضخم ثم الركود ثم الركود التضخمي؟
وهل يا ترى نحن بحاجة إلى سياسات ضريبية مختلفة تعالج التفاوت الطبقي وغياب العدالة الاجتماعية في ظل وجود طبقات ضعيفة جداً غير قادرة على عبور نظريات السهول والوديان التي يطالبنا البعض بعبورها؟






