• en English
  • de Deutsch
  • ar العربية
الإثنين, أغسطس 17, 2026
  • من نحن
  • التواصل
  • تبرع
  • فريق المنظمة
  • سياسة الخصوصية
No Result
View All Result
Advertisement
  • الرئيسية
  • أخبار
  • تكنولوجيا
  • رأي
  • ميديا
  • ثقافة
  • مركز دمشق للدراسات
  • أعداد المجلة الورقية
  • تراث
  • رياضة
  • مشاريع
Donate
  • الرئيسية
  • أخبار
  • تكنولوجيا
  • رأي
  • ميديا
  • ثقافة
  • مركز دمشق للدراسات
  • أعداد المجلة الورقية
  • تراث
  • رياضة
  • مشاريع
No Result
View All Result
logo1
logo2
  • الرئيسية
  • أخبار
  • اقتصاد
  • تكنولوجيا
  • رأي
  • ثقافة
  • تراث
  • ميديا
  • مركز دمشق للدراسات
  • رياضة
  • أعداد مجلة دمشق
رسالة مفتوحة إلى فخري البارودي

رسالة مفتوحة إلى فخري البارودي

أغسطس 17, 2026
دمشقbyدمشق

بيرين بيرسايغلي موت

 

 

عزيزي السيد فخري البارودي،

أريد أن أحدثكم عن شريف محيي الدين تارغان. ربما كنتم تعرفون اسمه. وربما استمعتم إلى عوده، أو شهدتم في مجلسٍ ما حديثاً دار عنه. وربما مرّ اسمه ذات مرة على مسامعكم، كخبرٍ قديم وصل من إسطنبول إلى دمشق ثم مضى. وعلى حدّ علمي، لم تتقاطع طرقكما قط. لكن الإنسانين لا يحتاجان دائماً إلى أن يكونا قد تعارفا كي تجمع بينهما صلة عميقة. يكفي أحياناً أن يعيشا في العصر نفسه، وأن يشهدا تفكك العالم نفسه، وأن يحاول كلٌّ منهما، من دون أن يدري بالآخر، أن يبقى واقفاً في زاوية مختلفة من فضاء ثقافي كبير واحد، حتى يقتربا من بعضهما على نحو لا تراه العين.

 

 

كنتم أنتم في دمشق، في قلب السياسة والشعر والموسيقى والنضال من أجل الاستقلال. أما هو، فكان يسير في طريق طويل يمتد من إسطنبول إلى الحجاز، ومن أميركا إلى بغداد، حاملاً عوده، محاولاً أن ينقل إلى المستقبل صوت عالم كان يتشظى من حوله.

 

 

 

ولدتم في دمشق سنة 1887. أما شريف محيي الدين، فولد بعدكم بخمس سنوات، سنة 1892، في إسطنبول. حين كنتم طفلاً، كانت دمشق ما تزال مدينة عثمانية، وحين كان هو طفلاً، كانت إسطنبول لا تزال عاصمة دمشق. وفي البدايات الأولى لحياتيكما، قبل أن تُدرجا لاحقاً في تاريخين وطنيين منفصلين، لم تكن الحدود التي نعرفها اليوم قد وُجدت بعد. كانت أبواب المدن مفتوحة بعضها على بعض، ولم تكن طرق القوافل ومسالك الحج والروابط التجارية ومراكز العلم والتكايا والمدارس والطرق العسكرية ومجالس الموسيقى عوالم منفصلة.

 

 

كان من الممكن أن يُسمع لحن أُلّف في إسطنبول في حلب أو دمشق أو القاهرة، وأن يتشكل من جديد في مدينة أخرى أسلوب أداء نشأ في بغداد. وكان بيت من الشعر يجد مقامه على يد ملحّن في مدينة بعيدة، وموسيقي نشأ في مدينة يعلّم تلاميذه في مدينة أخرى. يومها، لم تكن الثقافة قد تعلّمت بعد الحدود السياسية التي ستُرسم لها.

 

 

 

ولم تكونا، فوق ذلك كله، ابني عصر سهل. لقد عشتما في زمن أخذت فيه الحضارة الغربية تفرض ثقلها على العالم، لا في العلم والتكنولوجيا والفن وحدها، بل في السياسة والقوة العسكرية أيضاً؛ زمن بلغت فيه أطماع الاستعمار الأوروبي أبواب الجغرافيا العثمانية، ثم بدأت تحدد بشكل مباشر مدن هذه الجغرافيا وحدودها واقتصادها ومصائرها.

 

 

كانت حدود جديدة تُقام بين طرق كانت ذات يوم مفتوحة من دمشق إلى إسطنبول، ومن بغداد إلى القدس، وكانت مدن تنتمي إلى الفضاء الثقافي نفسه تُفصل شيئاً فشيئاً بعضها عن بعض. لكن الانكسار الأكبر لم يكن في انقطاع الطرق وحده. فقد بدأ الناس يُعلَّمون أنهم صاروا مواطنين في دول مختلفة، وأبناء تواريخ وطنية مختلفة، بل وأحياناً أبناء عوالم لا صلة بينها.

 

 

 

ولم تكونوا دمشقياً يراقب الغرب من بعيد فحسب. ففي شبابكم، بين عامي 1911 و1912، انطلقتم في رحلة إلى أوروبا؛ رأيتم روما وباريس وميونيخ وفيينا وبلغراد وبودابست وصوفيا، ثم جئتم إلى إسطنبول. وكانت الملاحظات التي ستُنشر لاحقاً تحت عنوان الرحلة الأوروبية تحمل نظرة شاب سوري واجه الحضارة الأوروبية وجهاً لوجه، قبل أن يهبط على دمشق بكامل ثقله نظام الانتدابات الاستعمارية.

 

 

كنتم تتجولون في المدن الكبرى، تراقبون ساحاتها ومبانيها وسككها الحديدية ومصانعها ومؤسساتها وحياتها اليومية. لكن مهما رأيتم، كانت دمشق تسكن دائماً زاوية من زوايا ذاكرتكم. كنتم شاباً سورياً خرج ليرى العالم، ولكن مهما ابتعدتم ظلّت مدينتكم، دمشق الجميلة، في مركز نظرتكم.

ولعل هذه واحدة من أثمن النقاط في قصتكم بالنسبة إليّ: لقد رأيتم الغرب، وعاينتم عن قرب قوته ونظامه وتقدمه، لكنكم لم تعودوا إلى مدينتكم محتقرين لها.

 

 

لم تكن دمشق بالنسبة إليكم عالماً قديماً ينبغي تركه خلفكم، بل وطناً ينبغي أن يتجدد، وأن يزداد قوة، وأن يقف على قدميه. كنتم تعرفون الفارق بين أن تتعلموا من الغرب وبين أن تستسلموا لتفوقه. فالانتفاع بعلم حضارة أخرى ومؤسساتها وتقنياتها لم يكن يعني أن تخجلوا من لغتكم أو موسيقاكم أو ذاكرتكم.

 

 

وكان على جيلكم أن يتعلم، من خلال التجربة نفسها، كم كان هذا الفارق مسألة حياة.

 

 

عزيزي السيد فخري البارودي،

لا يمكنني أن أحدثكم عن شريف محيي الدين من دون أن أذكر والده علي حيدر باشا والمدينة المنورة.

 

ففي بداية حكايته لم تكن هناك قصور إسطنبول الموسيقية وأصوات العود والمجالس الراقية فقط، بل كان هناك أيضاً الحجاز، أحد أثقل مسارح الحرب العالمية الأولى. كان الشريف علي حيدر باشا، الذي عيّنته الحكومة العثمانية أميراً لمكة، قد ذهب في سنوات الحرب مع أسرته إلى المدينة المنورة، وكان شريف محيي الدين، وهو ما يزال شاباً، جزءاً من هذه التجربة. وعاشت الأسرة المراحل الأولى من دفاع المدينة المنورة بقيادة فخر الدين باشا، وثقل الحرب على المدينة، وانقطاع الطرق، وتفكك الإمبراطورية، والانكسار العظيم الذي وقع في الحجاز.

 

 

غادر علي حيدر باشا المدينة المنورة سنة 1917، لكن دفاع فخر الدين باشا وجنوده استمر زمناً أطول. اشتد الحصار، ونفدت المؤن، وأصبح الجوع لا يُحتمل. وحتى بعد توقيع هدنة مودروس، لم يسلّم فخر الدين باشا المدينة على الفور. فقد كان يقف على رأس إرادة ترفض الاستسلام إلى الحد الذي يمكنه معه أن يقول: «لأن نموت جميعاً خير لنا من أن نسلّم أمانة النبي العزيزة إلى الإنجليز».

 

 

ووجد آخر المدافعين عن المدينة أنفسهم وسط واحد من أقسى الحصارات في التاريخ، وجهاً لوجه مع الجوع والوحدة ونهاية إمبراطورية كاملة. واستطاع فخر الدين باشا أن يُبقي جنوده على قيد الحياة طوال اثنين وسبعين يوماً، حتى بإطعامهم الجراد. وقد تركت تجربة الحجاز بثقلها الكامل أثرها في ذاكرة شريف محيي الدين الشاب. وفي ذاكرة أسرته لم تعد المدينة المنورة مجرد مدينة، بل غدت اسماً لنهاية عصر ولانكسار تاريخي هائل.

 

 

 

ولعل ذلك هو ما جعل المرء يشعر، بعد سنوات، بأن أناقة شريف محيي الدين لم تكن تحمل تهذيب إسطنبول وحده، بل أيضاً ذلك الوقار الصامت الذي يتركه العبور من قلب تاريخ ثقيل كهذا. فقد كانت حكايته تمر في صميم آخر الانكسارات الكبرى للدولة العثمانية. الأسرة والسياسة والسلالة والدين والإمبراطورية والحرب لم تكن أشياء يمكن فصل بعضها عن بعض بسهولة في ذاكرة طفولته وشبابه.

 

 

لم يكن شريف محيي الدين مجرد رجل موسيقى. كان ممثلاً لجيل خرج من قلب نظام سياسي ينهار، واضطر بعد ذلك الانهيار إلى أن يصنع لنفسه لغة جديدة. وكانت الموسيقى، إلى حد بعيد، هي اللغة التي اختارها. وكما كانت بالنسبة إليكم، لم تكن الموسيقى بالنسبة إليه مجرد أصوات جميلة، بل حكاية أكبر بكثير تحمل في داخلها المدن والبشر والخسارات وذكرى حضارة بأكملها.

 

 

ولهذا، فإن أكثر ما يؤثر فيّ في قصتيكما ليس ما فعلتماه فحسب، بل الوقار الذي فعلتما به كل ذلك. في جهة كانت هناك الدول الكبرى التي تستعد لتقاسم العالم، والجيوش، وإدارات الانتداب، وطاولات المؤتمرات والمشاريع الاستعمارية. وفي الجهة الأخرى، كنتم أنتم في دمشق تتمسكون بالسياسة والشعر واللغة والموسيقى والاستقلال؛ وكان شريف محيي الدين، الممتد طريقه من إسطنبول إلى الحجاز، ومن أميركا إلى بغداد، يبتكر في مجاله شكلاً آخر من أشكال التشبث.

 

 

في الظاهر، كان ميزان القوى مختلاً بصورة مخيفة. لكننا حين ننظر اليوم إلى الوراء، لا نستطيع إلا أن نفكر: كانت لديهم الجيوش والخرائط، وكان لديكم أنتم الذاكرة والموسيقى واللغة والبشر الذين ربيتموهم. قد تستطيع القوة السياسية أن تغيّر حدوداً في ليلة واحدة، لكنها لا تستطيع بالسهولة نفسها أن تمحو لحناً أو كلمة أو تهذيباً استقر في ذاكرة شعب.

 

 

 

وحين انتهت الحرب العالمية الأولى، فُتحت الخرائط فوق الطاولات. في لندن وباريس وسان ريمو، كان رجال يتحدثون عن مصائر مدننا وهم يحملون المساطر بين أيديهم. دمشق وبيروت والقدس وبغداد وإسطنبول، التي كانت حتى سنوات قليلة مضت داخل الجغرافيا السياسية نفسها، لم تعد تفصل بينها الحدود الإدارية وحدها، بل بدأت تُفصل أيضاً بروايات تاريخية مختلفة عن بعضها بعضاً. لم تقسّم الخريطة الأرض وحدها؛ لقد قسّمت الذاكرة أيضاً. وسرعان ما وُضع أبناء الحرب الواحدة داخل روايات وطنية متباعدة تماماً.

 

 

أصبح بطل أحدهم شخصية موضع ريبة لدى الآخر، وتحولت هزيمة أحدهم إلى انتصار الآخر. وتفرقت مع الزمن الآلام المشتركة والخرابات المشتركة والخسارات المشتركة. والمدن التي كانت تعرف حكايات بعضها من الداخل، بدأت شيئاً فشيئاً تتعرف إلى بعضها من كتب تاريخ كتبها الآخرون.

وهنا بالضبط، يا أستاذي العزيز، تقترب حكايتكم من حكاية شريف محيي الدين من جديد.

 

 

كيف؟

فلننظر إلى عام 1936.

كنتم في دمشق، وكنتم واحداً من أشهر شخصيات الكتلة الوطنية التي كانت تناضل في وجه الانتداب الفرنسي. وأصبح اعتقالكم واحداً من رموز الاحتجاجات التي امتدت في أنحاء سوريا والإضراب العام الكبير الذي استمر أسابيع.

 

 

لم تعد سوريا تريد فقط خروج الجنود الأجانب من أرضها؛ كانت تريد أن تحدد سياستها واقتصادها ومؤسساتها وصوتها بنفسها. ولم يكن هذا النضال يُخاض في الساحات أو السجون وحدها. فقد أصبح الشارع والصحيفة والقصيدة والأغنية والمقهى وقاعة الاجتماع والبرلمان أجزاءً من المعركة نفسها. لأن الاستقلال لم يكن مجرد قضية علم وحدود. إن قدرة شعب على أن يقرر بأي كلمات يروي نفسه، وأي موسيقى يعلّم أبناءه، وبأي عين ينظر إلى ماضيه، هي أيضاً جزء من الاستقلال.

 

 

 

وفي تلك السنوات نفسها، كان شريف محيي الدين قد ذهب إلى بغداد. لم يكن يحمل بندقية؛ كان يحمل عوداً. عمل في قلب مشروع التعليم الموسيقي الحديث الذي كان يتشكل في العراق، ودرّس العود والتشيلو.

 

 

موسيقي نشأ في إسطنبول، وتعلم الموسيقى الغربية، وأحيا الحفلات في أميركا، صار الآن يدرّس في بغداد الواقعة خلف الحدود الجديدة. وحين ننظر اليوم إلى تلك الرحلة من مسافة الزمن، فإنها تبدو واحدة من أكثر الشواهد دلالة على أن الحدود السياسية الجديدة لم تستطع أن توقف تماماً حركة الثقافة القديمة بين المدن.

 

 

لم يكن ما حمله شريف محيي الدين إلى بغداد مجرد معرفة تقنية. كان تراكمًا متعدد الطبقات اختلطت فيه إسطنبول بالحجاز، والميراث الموسيقي العثماني بالتعليم الموسيقي الغربي، وكل ذلك ببحثه الشخصي الخاص.

 

 

ما أغرب تلك السنوات، أليس كذلك يا فخري بك؟ أنتم تدخلون في دمشق من باب السجن الفرنسي، وشريف محيي الدين يدخل في بغداد من باب مدرسة للموسيقى. في النظرة الأولى، حادثتان لا علاقة بينهما.

 

 

لكنني لا أراهما كذلك. لأن دفاع أمة عن حقها في تقرير مصيرها، ودفاعها عن حقها في امتلاك صوتها، ليسا مسألتين منفصلتين تماماً. فإذا كان الاستقلال السياسي يعني رفض أن تقرر دولة أخرى بالنيابة عنكم، فإن الاستقلال الثقافي يعني أيضاً رفض أن تقرر حضارة أخرى وحدها ما الذي ينبغي لكم أن تعدّوه جميلاً، وما الذي ينبغي لكم أن تعدّوه ذا قيمة، وما الذي ينبغي لكم أن تسمّوه حديثاً.

 

 

 

ولعل واحدة من أكثر نقاط الالتقاء بينكم وبين شريف محيي الدين تظهر هنا تحديداً. فقد شاركتم مع توفيق الصباغ سنة 1928 في تأسيس النادي السوري للموسيقى الشرقية في دمشق، وحاولتم من خلال هذه المؤسسة، التي سيغلقها الانتداب الفرنسي لاحقاً، ألا تحفظوا الموسيقى فحسب، بل أن تهيئوا لها مستقبلاً جديداً. وفي السنوات التالية دعمتم مأسسة التعليم الموسيقي، ووقفتم إلى جانب الفنانين في بداياتهم. وكنتم من أولئك الذين فتحوا الطريق أمام الشاب صباح أبو قوس، وتركوا أثراً في تحوله لاحقاً إلى صباح فخري الذي سيعرفه العالم العربي كله. لم تكن الموسيقى في سيرتكم اهتماماً صغيراً يقف إلى جوار السياسة، بل كانت واحدة من أقوى المساحات التي يمكن أن تُصان فيها ذاكرة شعب.

 

 

 

أما شريف محيي الدين، فكان يساهم في بغداد في تكوين جيل آخر. ومن الطريق الذي فتحه عبر أسماء مثل جميل بشير ومنير بشير وسلمان شكر، سيتشكل طور جديد من تقاليد العود العراقي. وبينما كنتم تحاولون في دمشق بناء المؤسسات من أجل مستقبل الموسيقى السورية، كان شريف محيي الدين يساهم في بغداد في إعداد جيل سيحمل مستقبل العود العراقي. لم تكونا في دمشق وبغداد تعلمان الأجيال الجديدة النوتة أو المقام أو الأداء فحسب.

 

 

كنتما تحملان إلى المستقبل الذاكرة الموسيقية المشتركة لمدن كانت الحدود السياسية تدفعها شيئاً فشيئاً بعيداً بعضها عن بعض. كانت الخرائط قد بدأت تُظهر دولاً مختلفة، لكن ذاكرة الموسيقى لم تكن قد تعلّمت تلك الحدود بالكامل بعد.

 

 

 

ولعل القضية التي تقرّب بينكم وبين شريف محيي الدين أكثر من سواها هي هذه تحديداً: لقد رأيتم أوروبا ولم تخجلوا من دمشق؛ وتعلّم شريف محيي الدين الموسيقى الغربية ولم يخجل من العود. لأن واحداً من أعظم الأسئلة التي واجهت جيلكم كان: ماذا يعني أن نكون حديثين؟ هل تعني الحداثة أن نبتعد عن ماضينا؟ وهل ينبغي لمجتمع أن يترك موسيقاه ومدنه وذائقته الجمالية وتاريخه خلفه كي يتقدم؟ أم أن في وسعه أن يستفيد من تقنية حضارة أخرى ومعارفها ومؤسساتها، من دون أن يفقد صوته؟

كانت حياتكم تقول إن الاحتمال الثاني ممكن. وكان فن شريف محيي الدين يقول الشيء نفسه.

 

 

كان يعزف التشيلو، ويعرف التراكم التقني للموسيقى الغربية، ويحيي الحفلات في أميركا، لكنه لم ينظر إلى العود باعتباره آلة قديمة ينبغي أن تبقى في الماضي. على العكس، وسّع إمكاناته التقنية، وفتح له آفاقاً أرحب بوصفه آلة منفردة، وأثبت أن التقليد والتجديد لا يضطران إلى إفناء أحدهما الآخر. لم يكن التحديث يستلزم فقدان الذاكرة. ولم يكن تعلم تقنية الآخر يعني التخلي عن صوت الذات.

 

 

 

لأن الاستعمار لم يكن قضية أرض وحدها. قد تُحتل أرض بلد؛ لكن الاحتلال الأشد بقاءً يبدأ حين ينظر أبناء ذلك البلد إلى ماضيهم بعيون الآخرين. وحين يبدأ شعب بربط موسيقاه بالتخلف، ولغته بالعجز، وتاريخه بعبء ينبغي الخجل منه، فإن الإرث الذهني للاستعمار يظل حياً حتى بعد خروج الجنود الأجانب. ولهذا فإن المؤسسات الثقافية التي أسستمها والتلاميذ الذين ربّاهم شريف محيي الدين ليسوا مجرد موضوع في تاريخ الفن. إنهم أيضاً أمثلة على قدرة مجتمع على أن يدخل العالم الحديث من دون أن يسلّم صوته إلى مقاييس الآخرين.

 

 

 

ثم إن شريف محيي الدين، حين ذهب إلى بغداد، لم يكن يحمل معه «الموسيقى التركية» وحدها. فمحاولة رواية تاريخ تقاليد المقام ضمن الحدود الوطنية الراهنة هي في حد ذاتها رواية ناقصة. إسطنبول وحلب ودمشق وبغداد والقاهرة والقدس كانت مراكز أثّر بعضها في بعض، واختلف بعضها عن بعض، لكنها ظلت تسمع بعضها على مدى قرون.

 

 

تنقل الأساتذة بين المدن، وانتقلت الألحان من يد إلى أخرى، وتبدلت المقامات عبر التأويلات المحلية، وغُنّيت القصيدة نفسها في مدن مختلفة بألحان مختلفة. صنعت كل مدينة صوتها الخاص، لكن لم يكن أي من تلك الأصوات وحيداً تماماً. وكان أثر شريف محيي الدين في بغداد من أجمل الأمثلة الحديثة على ذلك. فالعود في أيدي تلاميذه كان يُظهر أن جغرافيا مزقتها السياسة لا تزال قادرة، داخل الثقافة، على أن تفهم بعضها بعضاً.

 

 

عزيزي السيد فخري البارودي،

لن أقول لكم إن «العهد العثماني كان كاملاً من كل وجه». بل إنني لأستحي أن أقول لكم جملة كهذه. أنتم تعرفون ذلك العهد أكثر مني بكثير. شهدتم حروب السنوات الأخيرة من الإمبراطورية، وتشدد الإدارة المركزية، والضغوط التي مورست على المثقفين العرب، والجراح العميقة التي خلفتها بعض أحكام الإعدام الجائرة. لا يمكن بناء قرب حقيقي بين الأتراك والسوريين من خلال إضفاء مسحة رومانسية على الماضي العثماني. الصداقة الحقيقية لا تولد من إخفاء أخطاء الماضي، بل من القدرة على الحديث عنها بصدق يكفي لأن ننظر بعضنا في عيون بعض.

 

 

 

فالتاريخ المشترك ليس في الأصل حكاية كمال. فيه من التضامن بقدر ما فيه من الصراعات، ومن الوفاء بقدر ما فيه من الظلم، ومن الحنين المتبادل بقدر ما فيه من الفراق. فيه حيوات عاشت في المدن نفسها، وآذان ارتفعت في الشوارع نفسها، وأغانٍ قيلت في المقامات نفسها، وكلمات تسربت من لغة إلى أخرى، وأطعمة انتقلت من مائدة إلى مائدة. في جهة كانت هناك الانكسارات، وفي الجهة الأخرى حياة مشتركة عميقة لا يستطيع أحد محوها بسهولة.

 

 

أن نحب الماضي لا يعني أن ندافع عن كل أخطائه. لكن تذكّر أخطاء الماضي لا يستلزم أيضاً إنكار حياة مشتركة بُنيت على مدى قرون.

 

ولهذا، يا أستاذي العزيز، تبدو لي حكايتكم وحكاية شريف محيي الدين، على الرغم من كل شيء، من أجمل أمثلة تلك الحياة المشتركة العميقة. كأنكما كنتما تسكنان غرفتين مختلفتين في بيت كبير واحد؛ نافذة إحدى الغرف تطل على دمشق، ونافذة الأخرى تطل على إسطنبول.

 

 

 

ولم يكن ما يقرّبكما من بعضكما مجرد أنكما شهدتما كوارث العصر نفسه. كان في كليكما شيء من ذلك التهذيب الخاص بعالم قديم صار العثور عليه اليوم أكثر ندرة. كنتما، بالمعنى الحقيقي للكلمة، رجلين مهذبين من طراز رفيع. لم تكونا تحتاجان إلى رفع الصوت كي تُظهرا علمكما، ولا إلى الانتقاص من الآخرين كي تبنيا مكانتكما؛ بل كنتما من أولئك الذين يدخل معهم الأدب إلى المجلس قبل الكلام.

 

 

كانت أناقتكم الدمشقية وتهذيب شريف محيي الدين الإسطنبولي كأنهما أسلوب صديقين قديمين خرج كل واحد منهما من مدينة مختلفة من مدن العالم القديم نفسه. كان فيكم رهافة دمشق، وفيه وقار إسطنبول؛ لكن في كليكما إحساس صامت بالنبل، يقول إن ما يرفع الإنسان حقاً ليس العلم وحده بل الأسلوب أيضاً، وليس الموهبة وحدها بل الرقة، وليس الشهرة وحدها بل الخُلُق.

 

 

 

وكلما اهتز وتر عود في إسطنبول، أو ارتفع موشّح من دمشق، كانت تلك الحدود تختفي لبضع دقائق من جديد. كانت دمشق ما تزال تجد شيئاً مألوفاً في صوت إسطنبول، وكانت إسطنبول ما تزال تسمع شيئاً من ذاتها في موسيقى حلب. ولم يكن تقاسيم عود يرتفع من بين تلاميذ شريف محيي الدين في بغداد غريباً على آذان الموسيقيين في دمشق. وكان موشّح يُنشد في دمشق، أو مقام يُؤدى في حلب، قادراً على أن يبدو مألوفاً على نحو مفاجئ في مجلس بإسطنبول. لأن ذاكرة الموسيقى تعيش أطول من ذاكرة السياسة.

 

 

ولعل هذا بالضبط ما عجزت كل تلك المساطر والمؤتمرات وإدارات الانتداب والخرائط الاستعمارية عن هزيمته تماماً:

أن نتذكر.

 

 

واليوم، فيما تحاول دمشق وإسطنبول أن تتعارفا من جديد بعد فراق طويل، ربما نحن أحوج من أي وقت مضى إلى الميراث الثقافي الذي تركتموه، وإلى عود شريف محيي الدين أيضاً.

 

 

وهل تعرفون ماذا فعلتُ وأنا أحمل هذه المشاعر، يا أستاذي العزيز؟

أخذتُ كتابكم الذي ألّفه الكاتب السوري إبراهيم الجبين، والذي ترجمته أنا إلى التركية، وذهبتُ به إلى واحد من أجمل مساجد أوسكودار على ضفاف البوسفور؛ ذلك الحي الإسطنبولي الذي كان من أحب أحياء المدينة إلى شريف محيي الدين.

 

 

 

ربما بدا الأمر، من الخارج، فعلاً صغيراً للغاية: أن آخذ ذكريات فخري البارودي الدمشقي، التي كُتبت بالعربية قبل عشرات السنين، وقد أصبحت اليوم بين دفتي كتاب باللغة التركية، إلى مسجد قديم في إسطنبول. لكنه كان بالنسبة إليّ شيئاً أكبر بكثير من ذلك. ففي صفحات ذلك الكتاب كانت دمشق حاضرة، وحين خرجتُ من باب المسجد كانت إسطنبول شريف محيي الدين أمامي. وللحظة شعرت كأنني استطعت أن أضع من جديد، في المدينة نفسها، حياتين عظيمتين كان التاريخ قد فرّق بينهما ذات يوم.

 

 

سلام عليكم، وعلى شريف محيي الدين، وعلى دمشق، وعلى إسطنبول، وعلى كل تلك الأصوات التي لم تستطع الحدود ولا الخرائط ولا الفراق أن تمزقها، يا أستاذي العزيز.

Author

  • دمشق
Share on FacebookShare on Twitter

Related Posts

العواك: النظام الرئاسي السوري يتضمن فصلاً مطلقاً بين السلطات ومجلس الشعب بحاجة إلى ثورة تشريعية
أخبار

العواك: النظام الرئاسي السوري يتضمن فصلاً مطلقاً بين السلطات ومجلس الشعب بحاجة إلى ثورة تشريعية

أغسطس 17, 2026
المتّة: المشروب الثالث بين الشاي والقهوة
رأي

المتّة: المشروب الثالث بين الشاي والقهوة

أغسطس 17, 2026
حلم سوريا في إنشاء خط الأنابيب يواجه حقائق قاسية
سلايد

حلم سوريا في إنشاء خط الأنابيب يواجه حقائق قاسية

أغسطس 17, 2026
سوريا تشكّل مجلسي أعمال مع قبرص والتشيك وترفع عدد المجالس المشتركة إلى 20 دولة
أخبار

سوريا تشكّل مجلسي أعمال مع قبرص والتشيك وترفع عدد المجالس المشتركة إلى 20 دولة

أغسطس 16, 2026
تركيا تدرس مستقبل الحماية المؤقتة للسوريين بالتزامن مع تغير الأوضاع في سوريا
أخبار

تركيا تدرس مستقبل الحماية المؤقتة للسوريين بالتزامن مع تغير الأوضاع في سوريا

أغسطس 16, 2026
المزيد
Next Post
العواك: النظام الرئاسي السوري يتضمن فصلاً مطلقاً بين السلطات ومجلس الشعب بحاجة إلى ثورة تشريعية

العواك: النظام الرئاسي السوري يتضمن فصلاً مطلقاً بين السلطات ومجلس الشعب بحاجة إلى ثورة تشريعية

منصة دمشق الإخبارية

دمشق

منصة دمشق الإخبارية
منصة ثقافية سياسية سورية متعددة
تصدر عن مؤسسة دمشق للثقافة والفكر الفنون والتنمية ومركز دمشق للأبحاث والدراسات

الأقسام

  • أخبار
  • اقتصاد
  • تراث
  • تكنولوجيا
  • ثقافة
  • رأي
  • رياضة
  • سلايد
  • مركز دمشق للدراسات
  • مشاريع
  • ميديا

أخر الأخبار

العواك: النظام الرئاسي السوري يتضمن فصلاً مطلقاً بين السلطات ومجلس الشعب بحاجة إلى ثورة تشريعية

العواك: النظام الرئاسي السوري يتضمن فصلاً مطلقاً بين السلطات ومجلس الشعب بحاجة إلى ثورة تشريعية

أغسطس 17, 2026
رسالة مفتوحة إلى فخري البارودي

رسالة مفتوحة إلى فخري البارودي

أغسطس 17, 2026

© 2026 جميع الحقوق محفوظة - دمشق

  • en English
  • de Deutsch
  • ar العربية
  • الرئيسية
  • أخبار
  • اقتصاد
  • تكنولوجيا
  • رأي
  • ثقافة
  • تراث
  • ميديا
  • مركز دمشق للدراسات
  • رياضة
  • أعداد مجلة دمشق
  • التواصل
  • تبرع
  • فريق المنظمة
  • سياسة الخصوصية
  • من نحن

© 2026 جميع الحقوق محفوظة - دمشق

⚡ أحدث الأخبار