فارس الذهبي
في الوقت الذي تستقطب فيه التحالفات الإقليمية الأنظار بين دول الخليج والقوى الغربية أو بين المحاور التقليدية في الشرق الأوسط، تبقى العلاقات بين سوريا وباكستان – أو بتعبير أدق، بين آل الأسد سابقاً وإسلام آباد – واحدة من الزوايا المسكوت عنها في الدبلوماسية العربية. علاقات غير تقليدية ، متجذرة في الكواليس السياسية للشرق الأوسط، ومعقدة في رمزيتها، وملتبسة في أهدافها. دون أن ننسى مدى تخريبها للوئام العام في الشرق الأوسط ودورها التخريبي الكبير.
تسلم ذو الفقار بوتو وزارة الخارجية الباكستانية في سنة 1963 وحتى 1966، وتلك كانت سنوات حاسمة في سوريا لجهة إستيلاء اللجنة العسكرية لحزب البعث على السلطة في سوريا، في تلك الأثناء تطورت العلاقات بين البلدين بشكل كبير بدعم من صلاح جديد ورعاية من بوتو نفسه.
في عام 1971 خسرت باكستان القسم الشرقي من أراضيها التي استطاعت الحصول عليها بعد الانفصال عن شبه القارة الهندية إثر حرب دينية سيئة الذكر بين “المسلمين و الهندوس”، حيث حاول الرئيس ذو الفقار علي بوتو أن يصنع صورة جديدة لنفسه ولبلده الضخم الوليد أمام العالم، عبر مساندته قضايا شعوب اختارها بعناية بعد تمحيص كبير، فقد ركز على قضية الصراع في الشرق الأوسط وقاده شعوره بالخطر الدائم بسبب تركيبة باكستان الإثنية وخصومتها مع الهند إلى تضخيم دور بلاده انتقائياً ودوره بشكل شخصي على المستوى الإقليمي لحشد تأييد لدوره المحلي رغم غرق باكستان في عدد لا نهائي من مشاكل التنمية و التخلف والأصولية وتراجع الموارد الذاتية. فكان حضور حكومة بوتو في الشرق الأوسط حاسماً في عدد من البلدان المضطربة حينها، حيث شاركت القوات الباكستانية في معارك 1969 في الأردن وكذلك كانت مساهمات الطيارين الباكستانيين في حرب 1973 في سوريا خارجة عن المألوف حينها وذات أثر.
حتى أتت البداية التي كانت دافئة، حين زار حافظ الأسد باكستان عام 1974 لحضور قمة المؤتمر الإسلامي في لاهور، وهناك وُلدت صداقة سياسية كان مخططاً لها من طرفه.. بينه وبين ذو الفقار علي بوتو، حملت وعودًا بأكثر من مجرد تضامن “قومي–إسلامي”. هذا التقارب البروتوكولي، تُرجم إلى مواقف نادرة الحدة.
لجهة تشكيل محور ينتظر انتصار الثورة الخمينية في إيران. حيث كانت تحركات الأسد الأب السياسية تعتمد على بناء محاور للثقة تستند على بندين: معاداة المحور المساند للغرب نظرياً، والسيطرة على المجتمعات المحلية بالقوة والبروباغندا والتهييج الطائفي.
أصيب هذا الحلف بصدع بعد انقلاب جديد في باكستان، لكنه تبلور واتخذ شكلاً مختلفاً حينها بعد الاطاحة ب بوتو من قبل الجنرال العسكري ضياء الحق الذي اعتقله و حاكمه، في تلك الأثناء حاول حلفاء بوتو في الأنظمة التي كانت تسمي نفسها دولًا ثورية مثل نظام القذافي والأسد واليمن إنقاذه، عبر التخطيط لعمليات أمنية كبرى لخطفه من سجنه ونقله إلى إحدى الدول الحليفة له، وطبعاً كانت كل تلك المخططات تتم بمعرفة فصائل ثورية فلسطينية كانت تتلقى دعماً كبيراً من القذافي أو الأسد، مثل تنظيم أبو نضال أو فصيل أحمد جبريل.
في كل الأحوال فشلت كل تلك المحاولات حتى حسم الجنرال ضياء الحق ملف ذو الفقار علي بوتو وأعدمه في سنة 1979. مما أثار موجة غضب إقليمية لهزالة المحاكمة وضعف تمثيل الدفاع ولكون المحاكمة أساساً محاكمة سياسية وليست جنائية. فتحول أنصار ذو الفقار بوتو إلى معارضة مسلحة ضد حكومة ضياء الحق بدعم من الحكومات الثورية العربية. وأسسوا منظمة أطلقوا عليها تسمية “الذو الفقار”.
تلت هذا لحظة الإرباك ، في 1981، حينما استقبلت دمشق طائرة مختطفة من جماعة “الذو الفقار “، وهي معارضة باكستانية متطرفة، طالب الخاطفون من دمشق بالإفراج عن خمسين معتقلًا سياسيًا في باكستان مقابل الإفراج عن ستة مواطنين أميركيين كانوا على متن الطائرة.
فرضخت حكومة ضياء الحق وأفرجت عن الجميع في مقابل تسريح الأميركيين والمواطنين الباكستانيين على متنها من دمشق إلى إسلام أباد.
استقبل النظام السوري الخاطفين كضيوف دولة. هكذا، تحوّلت الحميمية السياسية إلى توتر بارد.
ومع ذلك، لم تنقطع العلاقات؛ حتى زار الرئيس ضياء الحق دمشق في 1987، وأُعيد الاستقرار إلى العلاقات بين البلدين مع ضرورة منع التدخلات في الشأن الداخلي. استمرت العلاقة على حالها رغم دعم الأسد الأب للسياسية به نظير بوتو ابنة ذو الفقار بوتو التي كانت تمتلك طموحاً سياسياً كبيراً أهلها لأن تكون لاحقاً في عام 1993 رئيسة لوزراء البلاد. فعادت الحرارة للعلاقة بين الطرفين.
الأسد الأب كان بارعًا في هندسة شبكة علاقات مريبة وغير مفيدة إلا لنظامه وليس لمصلحة بلاده الاقتصادية أو السياسية مع دول غير محسوبة على المحور الأميركي–السوفييتي التقليدي. باكستان مثّلت ورقة آسيوية–إسلامية، يمكن لها أن تُوازن العزلة الإقليمية وتُفتح منفذًا على العالم الإسلامي من دون وسطاء.
لكن المفارقة أن هذه العلاقة بين هاتين الدولتين، كان جوهرها نظامين يعكسان صراعات داخلية عميقة. سوريا كانت تحكمها “عقيدة البعث”، وباكستان تُحكم، ظاهريًا، بالديمقراطية. لكن كلا النظامين لعبا بورقة الأمن والمخابرات والبراغماتية الدينية والسياسية.
حين تطورت العلاقات في التسعينيات مع به نظير بوتو، لم تكن تنقلها عدسات الأخبار، باكستان أرسلت خبراء لتحديث مصانع السكر والأسمنت والأسمدة في سوريا، وقدمت منحًا للطلبة السوريين، وأسست معاهد لتعليم المعلوماتية والحاسوب. إنه نموذج لعلاقات مبنية على أوراق تفاهم صامتة، تصنع تأثيرًا عميقًا بلا ضجيج. خصوصاً بعد زيارة به نظير بوتو لسوريا سنة 1996، برفقة زوجها الذي سيصبح رئيساً لباكستان آصف زرداري بعد إغتيال به نظير نفسها سنة 2007. والذي زار بدوره بشار سنة 2010 في زيارة دولة.
منذ عام 2011، اتخذت باكستان موقفًا “محايدًا” تجاه ما يجري في سوريا، لكنها امتنعت عن التصويت لصالح قرارات عقوبات ضد النظام السوري، ودعت إلى حل “سياسي سلمي” يبقي الأسد ويشارك بعض المعارضين في حكومة تصالحية. هذا الحياد، في جوهره، مبني على حسابات براغماتية فهي لا تريد كسر الجسر مع إيران الداعم الأكبر للأسد، ولا خسارة السعودية، ولا توريط جيشها في صراعات أخرى لكن الاستخبارات الإيرانية التي كانت تدير اللعبة وتدير العبث في المنطقة برمتها عملت على تجنيد عشرات الآلاف من المقاتلين الباكستانيين بعد إخضاعهم لعمليات غسيل أدمغة كبرى من أجل توريطهم و زجهم في حرب طائفية دينية لا نهاية لها في سوريا والمنطقة. وكانت تلك العمليات تتم بداية بغض للبصر من قبل المخابرات الباكستانية قبل أن تبدأ بإدراك خطورة ما يجري وتحاول إيقافه.
قاتل هؤلاء الباكستانيون والأفغان في سوريا تحت مسميات عديدة أشهرها ألوية زينبيون و فاطميون. وقتل منهم المئات في معارك سجلت فيها ضدهم آلاف الانتهاكات وجرائم الإبادة، وقد حاول نظام الوريث الابن تجنيس المئات منهم في سوريا لكن سقوط نظامه المدوي أثار الرعب في قلوبهم فغادروا شرقاً مع هوياتهم السورية إلى مكان مجهول خارج البلاد.
اليوم يعيد سقوط الأسد وحزبه العلاقات السورية الباكستانية إلى المربع الأول، بأمل بناء علاقات حقيقية وندية بين دولتين تمثلان شعبيهما، دون الـأخذ بعين الاعتبار مصالح الأنظمة وزواريب المحاور السياسية والدينية.








