بيرين بيرسايغلي موت
عزيزي عبد الباسط،
كان ذلك قبل أربعة أو خمسة أعوام. لم تكن الثورة السورية قد انتصرت بعد، وكان موعد الحرية، بل حتى إمكان مجيئها، يبدو غامضًا. كانت أيامًا عصيبة بدأ فيها الناس ينهكون، وراح بعضهم يفقد الأمل. ولم يكن السوريون يُتركون وشأنهم غالبًا حتى في الأماكن التي لجؤوا إليها. فحياتهم تزداد ثقلًا بفعل الاتهامات والعداء اللذين يلاحقانهما أينما ذهبا. في الشارع، وفي مكان العمل، وفي وسائل النقل، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي… كانت أبسط اللقاءات تتحول فجأة إلى لحظات يُذكَّرون فيها بأنهم غرباء. وكانوا يُحمَّلون مسؤولية ما حلّ بهم، ويُصوَّر وجودهم نفسه وكأنه مشكلة. وكانت الأخبار تمضي بين آلام تتشابه، فيما تمتد سوريا وراء الحدود كطريق بعيد لا تراه العين من وراء الضباب.
في تلك الأيام، حين ذهبت إلى مؤسسة سورية في إسطنبول، وقعت عيناي على صورة كبيرة لك معلّقة على الجدار. كانت في مكان لا يستطيع معه أحد أن يدخل من دون أن يراها. تباطأت خطواتي، ووقفت أمام صورتك لبعض الوقت. لكنني كنت أعرفك من قبل، بالطبع. لم يكن وجهك غريبًا عليّ. ولم أكن وحدي؛ فجميع أصدقائي كانوا يعرفونك. فقد وصل صوتك، عابرًا الحدود، إلى حياتنا نحن أيضًا. كنا نعرفك، وإن لم نكن قد وقفنا بين تلك الحشود في تلك الساحات. كنا نعرف أناشيدك، والشجاعة التي كنت تبثها في الناس، وذلك الصوت القوي الذي كان يعلو من قلب الجموع. عرفناك من ساحات حمص؛ عرفناك شابًا يقف بين أبناء شعبه، ويجعل صوته صدى لأوجاعهم وغضبهم وتوقهم إلى الحرية.
ولم نكن نعرفك من ساحات حمص وحدها، بل من عيون الرجال والنساء والأطفال السوريين الذين كنا نراهم في تركيا أيضًا. تعرّفت إلى امرأة سورية اسمها انتصار. أخبرتني أنها لم تسمع خبرًا عن زوجها منذ سنوات، وأرتني صورته. كانت انتصار تنشر باستمرار صورًا مختلفة لزوجها على حسابها في واتساب، لعلّ أحدًا يراه ويأتيها بخبر عنه. وأحيانًا أجد نفسي أتأمل وجوه الرجال الذين أراهم في الشارع، متسائلةً: تُرى هل يمكن أن أرى زوج انتصار؟ فلم يبقَ لها في الحياة سواه ابنها، وكان في العشرين من عمره. وكان ابنها محمد يعرف الخياطة؛ يعمل في محالّ الخياطة ويحاول إعالة أمه. وكان معجبًا بك كثيرًا، حتى إنه كان يحمل صورة صغيرة لك في محفظته. وقد رأيتك في بيت انتصار أيضًا.
في إحدى المرات، كنا نزور عائلات سورية في الجانب الآسيوي من إسطنبول. لوّح لنا رجل سوري من نافذة بيت قديم جدًا، من طابق واحد، تحيط بنوافذه قضبان حديدية، ودعانا إلى الدخول. لم نكن نعرف، من الخارج، أن ذلك الرجل مقعد. فقد بُتر ما تحت خصره جراء قصف. كانت زوجته وأطفاله الأربعة في الداخل. حمل أحد الأطفال أباه من جوار النافذة التي كان يجلس عندها، واحتضنه كأنه دمية، ثم وضعه قربنا. أما زوجته فذهبت لإعداد القهوة. وراح ذلك الرجل السوري يحدثنا عنك، وكانت عيناه تلمعان كلما ذكرك. هناك أيضًا رأيتك.
عزيزي عبد الباسط،
أتدري ماذا فكرت يومها؟ لم تكن تلك الصورة تضم شابًا استُشهد في سبيل وطنه وهو لم يتجاوز السابعة والعشرين فحسب؛ كان فيها أيضًا ذلك العون الهائل الذي منحته للناس البعيدين عن سوريا، وهم ينتظرون اليوم الذي يعودون فيه إلى بلادهم. ففي تلك الأيام العصيبة، حين أخذ الأمل يضعف، كان وجهك واسمك يبعثان في الناس شجاعة عظيمة. كان الأمل يومها كقنديل قد يخبو بسهولة في صدر المرء؛ تهتزّ شعلته مع أصغر هبّة ريح، ويُضعف كل خبر سيئ، وكل فقد جديد، وكل عودة مؤجلة، ضوءه قليلًا. لكن الناس، حين يُذكر اسمك، كانوا كأنهم يلتفون من جديد حول ذلك القنديل. وكان من ينظر إلى وجهك يتذكر وطنه وأحباءه الذين تركهم وراءه وإمكان العودة يومًا ما. كانت قصتك ضوءًا يلوح من بعيد لمن يبحث عن طريقه في الظلام، ويدًا تستقر على كتف من أنهكه التعب وهوى إلى الأرض. لم تكن تذكّرهم بمقاومة مضت فحسب، بل بمستقبل لم ينفد بعد. كانت صورتك ساكنة في مكانها، لكنها توقظ في داخل من يراها صوتًا يقول: «لم تنتهِ حكايتنا بعد».
أهناك منزلة أسمى يمكن للإنسان أن يبلغها من أن يظل إلى جانب شعبه في نضاله العادل، حتى بعد أن يغيب عن صفوفه؟ لقد استطعت أن تفعل ذلك. لم يكن موتك حجابًا أُسدل بينك وبين شعبك. لم يستطع أن يمحوك من ذاكرتهم أو أن يخرجك من معركة الحرية. وفي المكان الذي ظنوا أنهم أسكتوك فيه، حوّلوا اسمك إلى صدى أشد قوة. لم يستطع الموت أن يقول الكلمة الأخيرة؛ لقد هزمته حين واصلت الحياة في نضال شعبك. كان أثرك حاضرًا في نشيد يحفظه طفل عن ظهر قلب، وفي حلم يرسمه شاب وُلد في المنفى عن وطنه، وفي إنسان ظل صامتًا أعوامًا ثم بدأ يتكلم من جديد. وهكذا راحت الحكاية التي لم تتسع لها حياتك تمتزج بحياة الذين جاؤوا من بعدك. لم يتجمد الحب الذي أحاط بك بعد رحيلك في حزنٍ مقيم؛ بل صار رابطة حية تهدي الناس إلى ما يدافعون عنه، وإلى الجانب الذي يقفون فيه. ولم يعد ما يحمله اسمك هو الشوق وحده، بل الإيمان بأن في وسع الإنسان أن يعيش من دون أن يتنازل عن كرامته، وألا يدير ظهره لآلام الآخرين، وألا يسمح للخوف بإسكات ضميره. فالذين يذكرونك لا يستحضرون ما مضى فحسب؛ إنهم يعلنون، في قلب المحن المتواصلة، أنهم لن يستسلموا للخوف.
عزيزي عبد الباسط،
في زمن كان علينا أن نطيل التفكير فيه في «أنفسنا»، ظهرت أمامنا، نحن أيضًا، مثالًا أنقى ما يكون للمثل الأعلى في العدل والحرية والتفاني؛ لا أمام الشعب السوري وحده. لقد صرت مرآةً لحساباتنا العالقة، وللمنعطفات التاريخية التي تهربنا من مواجهتها. وكان اسمك، إلى جانب ما يحمله من احترام لتوق الشعب السوري إلى الحرية، نداءً نوجهه إلى ضمائرنا نحن أيضًا. لقد علّمتنا، بحياة كرّستها لنضال شعبك، أن نأخذ مُثُلنا على محمل الجد من جديد. وصرت رمزًا للمفترق الذي أخذ يتشكل في داخلنا: طريقٌ يسلكه من يستعدون لدفع الثمن في سبيل العدل والحرية، وطريقٌ آخر يلجأ سالكوه إلى مخاوفهم وحساباتهم وصمتهم. لهذا كشفت لنا قصتك أيضًا عن صدع عميق في داخلنا.
وهبتَ حياتك للشعب السوري، أما نحن فقد أسديت إلينا أعظم معروف حين كشفت لنا ظالمي مجتمعاتنا. لقد صار ما أظهرته من شجاعة في سبيل الحرية معيارًا لنا أيضًا؛ أعاننا على أن نرى من يصون كرامة الإنسان ومن يلوذ بلغة الظلم، ومن يقف إلى جانب المستضعفين ومن يجعلهم هدفًا. وقد كشفت حياتك هذا الفارق بوضوح. ثم إن وجودك أسقط أقنعة المدافعين عن الظلم، وكشف الجبن المستتر وراء كلماتهم.
رأيتُ شخصًا من هذا النوع مرةً في لقاء للكتّاب في جامع تقسيم. كان قد وصف الثوار السوريين في حسابه على مواقع التواصل بأنهم «أناس للبيع». وحين رأيته جالسًا بكل أريحية بين نحو مئة كاتب، اشتد بي الغضب حقًا. كان أحدهم يتحدث على المنصة، فلم أستطع أن أذهب إليه، لكنني أرسلت له رسالة قلت فيها: ما إن ينتهي المتحدث على المنصة، حتى تنهض فورًا وتخرج، وانتظرني عند باب القاعة.
كان ذلك الكاتب الشهير، الذي ألّف كتبًا كثيرة، قد تلقى رسالتي؛ حدّق في وجهي أولًا ببلاهة، ثم خرج وأخذ ينتظرني. أعتذر كثيرًا، لكنني ذهبت إليه ووجّهت إليه أقذع شتيمة استطعت، وقلت له إنه هو الإنسان المعروض للبيع، ثم أخرجت المال من محفظتي وقذفته في وجهه. وقلت له إن هذا المال لم أعطه إياه أنا، بل أرسله إليه الثوار السوريون. حدّق في وجهي مرة أخرى ببلاهة، ثم غادر المكان من دون أن ينبس بكلمة. لم يجرؤ على أن يلتقط المال عن الأرض ويقذفه في وجهي، ولم يستطع أن يقول لي شيئًا. اكتفى بأن ابتعد في صمت. لكن أتدري ماذا فعل بعد ذلك؟ في اليوم التالي كتب على حسابه في مواقع التواصل، من دون أن يجرؤ حتى على ذكر اسمي: «بعض الكتّاب الأتراك يخدمون جهات خفية، ثم يقذفون في وجوهنا المال الذي كسبوه من تلك الجهات». كم كانوا جبناء حقًا، أليس كذلك؟ وكم كانوا عديمي المروءة، إذ لم يقدروا على قول ما يريدون في وجه الإنسان، فراحوا يتحدثون عنه من وراء ظهره! وأنت أيضًا من كشفت لنا ذلك.
عزيزي عبد الباسط،
لم يكن خوفهم منك بعد رحيلك مجرد ضيق عابر من الكلمات الطيبة التي تُقال في إنسان غاب. فما بقي بعدك لم يكن ذكراك وحدها، بل معيارًا يهدي من يرفضون الانحناء أمام الظلم، وإرثًا يعيد القوة إلى الذين أوشكوا على الاستسلام. لقد جعلت الجميع يشعرون بأن العجز الذي يُفرض عليهم ليس قدرهم. وليس للطغاة ما هو أشد إخافة من شجاعة تنتقل من جيل إلى جيل. لقد خافوا من شجاعتك وهي تنتقل إلى الآخرين؛ خافوا أن يحمل الشباب الذين يحبونك إلى حياتهم ذاك الصمود الذي رأوه في حياتك، وأن يحفظ طفل نشيدك ثم يكبر رافضًا الخضوع للظلم نفسه.
لكنّك تعرف، أليس كذلك، أن من يُظهر خوفه يكون قد خسر تلك الحرب؟ لقد خسروها بهزيمة من أعظم هزائم التاريخ. أما أنت فقد دخلت التاريخ قائدًا منتصرًا. وفي صوت ذلك القائد المنتصر اجتمعت أحلام حارس مرمى شاب، وآلام مدينة محاصرة، وآمال أناس لم يتخلوا عن مطلب الحرية. لقد أرتنا حياتك كيف ينقش نشيدٌ يُنشد في الساحات نفسه في ذاكرة شعب بأكمله. وستظل أناشيدك التي تركتها وراءك ترافق حكاية الثورة السورية وحياتنا نحن أيضًا، بالطبع. فهناك أناس يواصلون العيش إلى الأبد في ذاكرة شعوبهم. إلى الأبد… وقد صرت واحدًا منهم. لم تعد بطل الشعب السوري وحده، بل بطلنا جميعًا.
سنظل نذكرك دائمًا يا عبد الباسط الساروت. لن يذكرك الشعب السوري وحده، بل سنذكرك نحن أيضًا. لقد حاولنا أن نحمل صوتك إلى قلب أرضنا، وسنظل نمسك بطرفٍ من راية الحرية التي ارتفعت في الساحات. وسيكون ذكر اسمك تجديدًا يوميًا لوعدنا بأن نقف إلى جانب شعب دفع أثمانًا باهظة في سبيل الحرية.
عسى ألا تحرمك رحمة الله، أخي الحبيب عبد الباسط. ليست هذه الرسالة ملاحظةً تُكتب في ختام حكاية اكتملت؛ إنها دعاءٌ وسلام أُرسلا من تركيا إلى النضال الذي ما يزال مستمرًا في سوريا، بلد أصدقائنا الأحب إلى قلوبنا. وفيها شوقنا إليك، وإجلالنا لتوق شعبك إلى الحرية، ووعدنا بألا يُنسى اسمك.






