ألقى الكاتب والإعلامي السوري إبراهيم الجبين، بتكليف من المفكر والناقد السعودي عبد الله الغذامي، رسالة وجهها الأخير إلى المشاركين في مهرجان دمشق الدولي للشعر العربي، وذلك خلال حفل تكريمه من قبل وزير الثقافة السوري محمد ياسين الصالح، بعدما تعذر حضوره لأسباب صحية.
واستهل الغذامي رسالته بتحية إلى وزير الثقافة والقائمين على المهرجان، موجهاً تحية خاصة إلى “سوريا الجديدة”، قبل أن يستعرض المكانة التاريخية والثقافية التي تحتلها دمشق في الوعي العربي، مؤكداً أن المدينة ليست فقط من أقدم المدن المأهولة في التاريخ، بل تمثل أيضاً “أعمق ذاكرة في المعنى الرمزي” بالنسبة للثقافة العربية.
واستعاد الغذامي في رسالته قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي عن دمشق، ولا سيما بيته الشهير: “كلنا في الهم شرق”، معتبراً أن هذا النص لم يكن مجرد تعبير شعري عن مرحلة تاريخية، بل جسّد حالة وجودية مشتركة بين المدينة والشاعر في مواجهة العدوان، وأن ذلك المعنى ظل حياً في وجدان أجيال كاملة من العرب.
وقال إن أبناء جيله كانوا يرددون أبيات شوقي رغم أنهم لم يعيشوا تلك الحقبة، إلا أن إحساساً داخلياً كان يخبرهم بأن دمشق “لها مواعيد مع الهم”، وأن العرب سيشاركونها همومها يوماً ما، مضيفاً أن السنوات اللاحقة أثبتت صدق ذلك الشعور مع ما تعرضت له المدينة من محن وكوارث.
وأشار الغذامي إلى أن ما مرت به دمشق لم يعد مجرد موضوع للشعر، بل تحول إلى “تحالف شعوري وضميري” معها، مؤكداً أن المدينة لم تخذل من وقف إلى جانب معناها ورمزيتها، حتى جاءت – بحسب وصفه – “اللحظة النورانية” التي انتفضت فيها روح دمشق، فتحرر الجسد من الكابوس، وتحرر معها الضمير من الهم.
وأوضح أنه زار دمشق للمشاركة في معرض الكتاب الأول بعد التحرير، ليشارك أهلها فرحته بها، مؤكداً أن غيابه عن المهرجان الحالي ليس ابتعاداً عن دمشق، بل فرضته ظروفه الصحية، ولذلك أوكل إلى الكاتب إبراهيم الجبين مهمة حمل رسالته والوقوف على منصة المهرجان نيابة عنه، قائلاً: “كل من حمل كلماتي إلى دمشق فهو حامل لضميري”.
وعبّر الغذامي عن امتنانه العميق للتكريم الذي ناله من دمشق، مؤكداً أن المدينة احتلت ذاكرته ووجدانه منذ طفولته، وأن تعرفه المبكر على شعر الشاعرين السوريين عمر أبو ريشة ونزار قباني أسهم في تشكيل ذائقته الأدبية ومنهجه النقدي، وظلت دمشق بالنسبة إليه “ليست حالة شعرية فحسب، بل حالة قيمية تتجدد مع تعاقب الأحداث”.
وختم المفكر السعودي رسالته بالعودة إلى قصيدة أحمد شوقي، مشيراً إلى أن الشاعر دعا دمشق قبل قرن إلى طرق “باب الحرية الحمراء”، لكنه رأى أن دمشق اليوم “طرقت باب الحرية الخضراء”، وكتبت بذلك، بحسب تعبيره، “ذاكرة جديدة لمعاني النضال الشريف والقيمي”، مختتماً رسالته بالتهنئة لدمشق بما وصفه بـ”الاستقلال الوطني الحقيقي وتحرر الضمير من همه”.







