spot_img

ذات صلة

الأكثر مشاهدة

اختتام مهرجان حمص السينمائي للأفلام القصيرة في صالة مدمّرة

منصة دمشق الإخبارية تختتم اليوم الأحد فعاليات الدورة الأولى من...

سوريا تبحث مع «ماستركارد» تطوير الإدارة المالية والتحول الرقمي

منصة دمشق الإخبارية بحث وزير المالية السوري محمد يسر برنية،...

سوريا تبحث مع «الأندوف» تعزيز التنسيق في ظل الانتهاكات الإسرائيلية

منصة دمشق الإخبارية بحث مدير إدارة المنظمات والمؤتمرات الدولية في...

انطلاق البطولة العربية للدراجات في ريف دمشق بمشاركة 13 دولة

منصة دمشق الإخبارية انطلقت، اليوم الأحد، منافسات البطولة العربية للدراجات...

دروسنا في الأدب السوري

بيرين بيرسايجيلي موت منذ سنوات طويلة وأنا أقدّم دروسًا في...

دروسنا في الأدب السوري

بيرين بيرسايجيلي موت

منذ سنوات طويلة وأنا أقدّم دروسًا في الأدب الفلسطيني. وفي هذه الدروس، حاولت دائمًا أن أتحدّث، إلى جانب الأعمال الأدبية، عن الشجاعة التي جعلت كتابتها ممكنة. توقّفت عند سير الأدباء الذين قاوموا الاحتلال، وعبّروا عن الظلم الذي أصاب شعبهم، ورفضوا الصمت الذي فُرض عليهم. إذ لا نستطيع أن ندرك تمامًا قيمة بعض الكلمات في قصيدة أو قصة، من دون أن نعرف الظروف التي كُتبت فيها.
فعندما تحدّثت عن غسان كنفاني، مثلًا، لم أكتفِ بمناقشة رجال في الشمس وعائد إلى حيفا. بل توقّفت أيضًا عند الكيفية التي شكّل بها المنفى الذي عرفه طفلًا، وحياة اللجوء، وشعوره بالمسؤولية تجاه شعبه، تجربته في الكتابة. والصمت الذي يواجهنا في نهاية رجال في الشمس تجاوز في دروسنا حدود السؤال الأدبي، ليصبح سؤالًا نستطيع أن نوجّهه إلى حياتنا نحن. وحين قرأنا قصائد محمود درويش، حاولنا أن نفهم الآثار التي تركها في لغته اقتلاعه من وطنه، وإجباره على إثبات وجوده في بلاده، ومواصلته الحياة في المنفى. فخلف الصوت الذي نسمعه في قصيدة بطاقة هوية، كان هناك إنسان يدافع عن حقّه في الوجود، باسمه وماضيه وشعبه.

أما حياة فدوى طوقان، فكانت تكشف لنا وجهًا آخر لهذه الشجاعة. ففي طريقها إلى الشعر، تداخلت العوائق التي وُضعت أمامها لكونها امرأة مع الضغوط التي فرضها الاحتلال. وتحوّل نضالها من أجل العثور على صوتها، بمرور الزمن، إلى أدب قوي يعبّر عن ألم شعبها وصموده. وفي قصائد سميح القاسم، رأينا أيضًا آثار إرادة لم تتخلَّ عن كلمتها، رغم التهديد والاعتقال والقمع. وعندما رويت سير هؤلاء الأدباء، شدّدت على أن الشجاعة لا تتجلّى دائمًا في الأفعال الكبيرة التي تلفت الأنظار؛ فهي تظهر أحيانًا في البقاء على الأرض نفسها، وأحيانًا في إعادة قول الكلمة المحظورة، وأحيانًا أخرى في تدوين حياة يُراد لها أن تُنسى.
بعد عشرة أيام، سنبدأ، للمرة الأولى، دروسنا في الأدب السوري. أشعر بحماسة كبيرة، لأن هذا البرنامج الدراسي سيُقدَّم للمرة الأولى في بلدنا، وقد تقدّم مئات الطلاب بطلبات للمشاركة فيه. وعلى امتداد ستة أسابيع، سننظر إلى أدب سوريا من داخل نضال أهلها من أجل الحرية. وسنحاول أن نفهم الحيوات التي نلتقي بها في الروايات والقصص والقصائد، في ضوء الظروف التاريخية التي أحاطت بها.
ستبدأ دروسنا بالاحتلال الفرنسي وأدب تلك المرحلة. سنصغي إلى صوت شعب يحاول، تحت الحكم الاستعماري، أن تكون له كلمة في بلاده؛ وسنتحدّث عن الكيفية التي وجدت بها الرغبة في الاستقلال تعبيرها في الأدب. ثم سننتقل إلى قيام الدولة السورية المستقلة، وإلى الآمال التي وُلدت مع قيامها، والآفاق الجديدة التي انفتحت أمام الأدب. وسنتناول معًا السنوات التي آمن فيها الناس بقدرتهم على صنع مستقبلهم، وكيف أخذ هذا الإيمان يتعرّض للخذلان في ظل حياة سياسية كانت تضيق شيئًا فشيئًا.

بعد ذلك، سنتحدّث عن استيلاء البعث على الثقافة، إلى جانب استيلائه على الدولة. وسنحاول أن نفهم كيف استطاع الأدب أن يواصل وجوده في بلد أصبحت فيه السلطة تقرّر ما يجوز للكاتب أن يكتبه، وأيّ كلمة يمكنه أن يستخدمها، وأيّ ألم يُسمح له بالتعبير عنه. وحين نتناول السجن وتدمر والمنفى، سننظر، إلى جانب المعتقلين، إلى حياة أولئك الذين كانوا ينتظرونهم في الخارج. سنتذكّر العائلات التي انتظرت سنوات لتتلقّى خبرًا، والأطفال الذين كانوا يفزعون كلما طُرق الباب، والناس الذين كانوا يخفضون أصواتهم حتى وهم يتحدّثون في بيوتهم. ومن خلال شهادة الأدب، سنقرأ كيف استقرّ الخوف في تفاصيل الحياة اليومية، وكيف أثّر في كلام الإنسان وصمته، وفي صداقاته وأحلامه بالمستقبل.
ومن داخل هذا التراكم، سنتحدّث عن الطريق الذي أفضى إلى عام 2011، وعن الثورة السورية والمنفى. سنحاول أن نفهم الآلام والآمال التي ارتفع من بينها مطلب الحرية، وكيف حمل الذين اضطرّوا إلى مغادرة بيوتهم، في كلماتهم، الحياة التي تركوها وراءهم. وسنرى أن المنفى لا ينتهي بعد عبور الحدود، بل يظلّ حيًّا في لغة الإنسان وذاكرته وأبسط عاداته. وسيحمل مفتاح بيت، أو مائدة عائلية لم يكتمل اللقاء حولها، أو شارع تتعذّر العودة إليه، حكاية بلد بأكمله في النصوص التي سنقرؤها. ولهذا، لن نتوقّف في دروسنا إلا عند الأدباء الذين انحازوا إلى حرية الشعب السوري. سنتحدّث عن الأسماء التي لم تصمت إزاء المجازر المرتكبة بحق الشعب، ودافعت عن كرامة الإنسان في مواجهة نظام البعث، ورضيت بأن تدفع ثمن ذلك. وسنتذكّر كيف اختار هؤلاء البقاء إلى جانب المظلومين، بدلًا من العبور من الأبواب التي فتحتها لهم السلطة. وسنتحدّث، إلى جانب أعمالهم، عمّا كلّفتهم هذه الخيارات في حياتهم.

نظام البعث وإسرائيل في الموقع نفسه

في دروسنا الأدبية، سيقف نظام البعث وإسرائيل في الموقع نفسه. سيجتمعان عند تلك النقطة التي تُفرَض فيها السيطرة بالقوة على حياة الإنسان وحريته، ويُقمَع فيها صوته، ويُمنَع من رواية حكايته. أما القلم الذي وقف في وجه الاحتلال في فلسطين، والقلم الذي وقف في وجه النظام في سوريا، فسنقرؤهما معًا.

سيحضر نظام البعث وإسرائيل في دروسنا بوصفهما عقبتين تقفان في مواجهة هذين القلمين. عقبتين مروّعتين أمام قدرة الناس على إسماع أصواتهم، وصون ذاكرتهم، والدفاع عن حريتهم… قوّتين لا تحتملان أن يروي شعب ما عاشه بكلماته هو، وتريدان أن تتحكّما حتى في الاسم الذي يمنحه لألمه. قوّتين تحاولان خنق الصوت الذي يرتفع في أعقاب البيوت المهدّمة، والشوارع التي خلت من أهلها، والناس الذين لم يعودوا؛ وتفرضان على من بقي النسيان والصمت…
أما في أعمال الأدباء الذين وقفوا في مواجهتهما، فسنقرأ شجاعة الإنسان الذي صان كلمته رغم هذا القمع كلّه. سنرى الإصرار على إبقاء انتظار أمّ، وسنوات أسير قضاها في الظلام، وذكرى بيت تتلاشى شيئًا فشيئًا في ذاكرة طفل في المنفى، حيّةً في الكلمات. لأن كل إنسان يُذكر اسمه في تلك الأعمال، وكل شارع تستعيده الذاكرة، وكل فقد تُروى حكايته، سيفتح لنا بابًا في جدار الصمت الذي أراد الطغيان أن يقيمه. وهكذا ستصل إلينا، ولو بعد سنوات، الحيوات التي أُريد لها أن تُنسى، والأصوات التي أُريد لها أن تُخنق.

الكتّاب المدافعون عن نظام البعث والكتّاب الصهاينة في الموقع نفسه أيضًا
وسيكون هذا المعيار الأخلاقي، بالنسبة إلينا، نافذًا أيضًا على الكتّاب الذين وقفوا إلى جانب السلطات. فالكاتب الذي يدافع عن ظلم نظام البعث لشعبه، ويلتمس الأعذار لمجازره، سيقف في الموقع نفسه الذي يقف فيه الكاتب الصهيوني الذي يضفي الشرعية على الاحتلال الإسرائيلي والعنف الممارَس بحق الشعب الفلسطيني. وسنتحدّث عن أن كليهما استخدم قلمه لتبرير القوة التي تسبّبت في الألم، بدلًا من إسماع صوت الإنسان الذي يعاني منه.

وسنقيّم بالمعيار نفسه الكتّاب الذين دافعوا، بعد عام 1967، عن تكريس الاحتلال ضمن حركة «إسرائيل الكبرى»، والكتّاب الذين حاولوا، بعد اندلاع الثورة في سوريا عام 2011، تقوية النظام الذي قمع مطلب الشعب في الحرية. فما يحسم الأمر في الحالتين هو خيار الأديب أمام القوة. هناك أقلام تدافع عن الاحتفاظ بالأرض المحتلّة، وأخرى تدافع عن استمرار الهيمنة المفروضة على الشعب. وستحضر في دروسنا ذكريات المجازر في غزة، وفي حلب أو الغوطة الشرقية. ولذلك، لن يكون لأيّ كاتب وقف ضدّ هؤلاء الضحايا ما يمكن أن نلتمس له به عذرًا، أبدًا. وسنضع هؤلاء الكتّاب في الفئة نفسها التي نضع فيها الأدباء الصهاينة.

لا ينبغي أن يُستذكَر إلا من يستحقّ أن يبقى في الذاكرة
سنبدأ، إذن، دروسنا في الأدب السوري بإيمان راسخ بأن علينا أن نتحدّث عمّن يستحقّون أن يبقوا في الذاكرة. سنخصّص أسابيعنا الستة للكتّاب الذين لم يتخلّوا عن الدفاع عن كرامة الإنسان في أشدّ أيام شعبهم ظلمة. سنخصّصها لمن تكلّموا رغم الخوف، ولمن رووا ما رأوه بعد خروجهم من السجون، ولمن حملوا جراح بلادهم في كلماتهم وهم في المنفى. لأولئك الذين اختاروا البقاء إلى جانب المظلومين، مع أنهم كانوا يستطيعون أن يبنوا لأنفسهم حياة آمنة بالقرب من السلطة… ولمن عرّضوا مستقبلهم للخطر دفاعًا عن حياة الآخرين. لهم وحدهم سنخصّص ساعاتنا. أما الذين سعوا إلى حماية سمعة القتلة فيما كان شعبهم يُقتَل، والذين ستروا المجازر بشتى الذرائع، والكتّاب الذين أنشدوا المديح للسلطة بعد نفي زملائهم، فلن نذكر حتى أسماءهم. وإن كان لأسماء كهذه أن تحضر في دروسنا، فلن تحضر إلا مقرونةً بالدعم الذي قدّمته للظلم.

سنوجّه اهتمامنا إلى الكتّاب الذين أظهروا لنا كرامة القلم. وحين نقرأهم، سنتحدّث، إلى جانب جمال كلماتهم، عن الشجاعة التي أبدوها لصون تلك الكلمات. سنتحدّث عن الأبواب التي فُتحت أمامهم، والفرص التي عُرضت عليهم، والصمت الذي كان يُنتظَر منهم. وسنتذكّر كيف اختاروا، في مواجهة هذا كلّه، أن يتخلّوا عن راحتهم بدلًا من أن يستروا ألم إنسان. فالكتّاب الذين سنمنحهم مكانًا في ذاكرتنا هم الذين استطاعوا أن يصونوا كرامة أقلامهم في أصعب الأوقات.

إن كانوا قد رحلوا عنّا، فسنذكرهم بالرحمة، ونسعى إلى إيصال الكلمات التي تركوها إلى الأجيال الجديدة. وإن كانوا لا يزالون بيننا، فسنواصل متابعة مسيرتهم باحترام، والإصغاء إلى أصواتهم. أنا متحمّسة، ونحن متحمّسون. ولم يبقَ إلا القليل حتى نفتح الصفحات التي كتبوها، مع جمع كبير من الطلاب. لقد وصلت أصواتهم إلى هنا رغم كل محاولات المنع. ونحن نستعدّ الآن لأن نترك لهم الكلمة كاملةً.

spot_imgspot_img