spot_img

ذات صلة

الأكثر مشاهدة

بعد قرن من الغياب… يوميات أحمد عزت باشا العابد تخرج إلى النور.

فارس الذهبي  في الثامن من شباط/فبراير 2010، دخل أحمد سميح...

رسالة مفتوحة إلى عبد الباسط الساروت

بيرين بيرسايغلي موت عزيزي عبد الباسط، كان ذلك قبل أربعة أو...

عملاء “حزب الله” في البرازيل

لوكاس غوالتيري معهد واشنطن لدراسات الشرق الأوسط. كشفت "عملية ترابيش" كيف...

انطلاق بطولة الجمهورية للقوة البدنية في دمشق بمشاركة واسعة

منصة دمشق الإخبارية انطلقت، اليوم الأربعاء، في مدينة الفيحاء الرياضية...

نائب وزير الثقافة السوري يبحث مع وفد تشيكي تعزيز التعاون في ترميم الآثار وحفظ التراث

منصة دمشق الإخبارية بحث نائب وزير الثقافة السوري سعد نعسان،...

بعد قرن من الغياب… يوميات أحمد عزت باشا العابد تخرج إلى النور.

فارس الذهبي 

في الثامن من شباط/فبراير 2010، دخل أحمد سميح ممتاز أحد المصارف في مدينة لوزان السويسرية، حاملاً تفويضاً يتيح له فتح خزانة حديدية ظلت مغلقة لعقود. وبعد ساعات من العمل على فتحها، ظهرت خمسة دفاتر قديمة، احتفظت بها عائلة عثمانية الأصل في سرية شديدة. كانت تلك الدفاتر تحمل بخط اليد شهادة أحد أكثر رجال السلطان عبد الحميد الثاني قرباً منه، وأشدهم اطلاعاً على خفايا الحكم في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.

صاحب هذه الدفاتر هو أحمد عزت باشا العابد، الشخصية الدمشقية التي عُرفت في الوثائق التركية باسم “عرب عزت باشا”، ووصلت إلى موقع استثنائي في قصر يلدز، حيث أصبح الكاتب الثاني للسلطان وأحد مستشاريه المقربين، وأحد الرجال الذين ائتمنهم على الملفات السياسية والدبلوماسية الحساسة.

وقد أعاد صدور الترجمة العربية ليومياته، مؤخراً، في كتاب ضخم يقع في 1037 صفحة، بتحقيق وتعريب الباحث محمد عثمانلي، الاهتمام بهذه الشخصية التي تحتل موقعاً لافتاً في التاريخ السوري والعثماني الحديث، وتفتح أوراقها باباً على عالم الحكم من داخله، من خلال رجل أمضى سنوات طويلة في جوار السلطان، وشهد التحولات التي سبقت انهيار نظامه السياسي.

تعود قصة هذه اليوميات إلى السنوات التي أمضاها العابد في قصر يلدز، حيث دوّن في خمسة دفاتر مشاهداته وأحاديثه مع السلطان وملاحظاته على القرارات الحكومية، إلى جانب تفاصيل المفاوضات والاتصالات التي شارك فيها. وقد أوصى بحفظها وتأجيل نشرها مئة عام، ثم انتقلت بعد وفاته سنة 1924 إلى ابنته لمعان خانم، التي أودعتها في خزانة مصرفية في سويسرا.

وظلت هذه الأوراق تتنقل في ذاكرة العائلة حكايةً غامضة عن دفاتر مفقودة، حتى تمكن أحد أحفاده، أحمد سميح ممتاز، من العثور عليها بعد رحلة بحث استمرت أكثر من ثلاثين عاماً. وكان العثور عليها بداية رحلة ثانية، تولى خلالها إبراهيم كوريلي نقل النص العثماني إلى الحروف التركية اللاتينية، قبل صدوره سنة 2019 عن منشورات بنك العمل التركي في مجلدين، خصص أولهما للنص، وثانيهما لصور المخطوط الأصلي.

وقد أثار نشر اليوميات اهتماماً في الأوساط الثقافية والتاريخية التركية، وكتبت الصحافة التركية الكثير من المقالات التحليلية عنها “والتي أعاننا الأصدقاء على الاطلاع عليها”.. وخصوصاً ما يكشفه العابد عن أحاديثه مع السلطان، وعن مشروعات دبلوماسية وسياسية بقي بعضها في حدود التصورات والمناقشات. ومن الأمثلة المثيرة التي أوردتها التحليلات نقلاً عن اليوميات حديث عن تصور طرحه السلطان، خلال حرب البوير في جنوب أفريقيا، لتبادل سكاني يشمل نقل أرمن من الأناضول إلى أفريقيا واستقدام البوير إلى الأراضي العثمانية. “وهي الحرب التي خاضتها بريطانيا بين عامي 1899 و1902 ضد الجمهوريتين اللتين أقامهما المستوطنون البوير من أصول هولندية في جنوب أفريقيا”.

وتكشف هذه الرواية، التي تحتاج إلى مقارنتها بالمصادر الدبلوماسية المعاصرة، طبيعة الأفكار التي كانت تتداول في دوائر الحكم آنذاك، وحجم القلق الذي كانت تثيره المسألة الأرمنية لدى السلطة العثمانية.

وفي موضع آخر، يظهر ميل العابد إلى تسجيل اعتراضاته السابقة على قرارات سلطانية انتهت إلى نتائج سلبية، وإلى إظهار نفسه في موقع المستشار الذي حذّر من عواقب بعض السياسات. وهذه الملاحظة تضعنا أمام إحدى المشكلات الأساسية في قراءة مذكرات رجال الحكم فالعلاقة بين الشهادة التاريخية ورغبة صاحبها في الدفاع عن دوره أمام الأجيال اللاحقة.

فالمذكرات السياسية تكتب عادة من داخل تجربة شخصية مشبعة بالمصالح والحسابات والولاءات والخصومات. وفي حالة العابد، تزداد المسألة تعقيداً بسبب الموقع الذي احتله داخل السلطة، ثم التحولات التي عرفتها حياته بعد إعلان المشروطية الثانية سنة 1908 وصعود جمعية الاتحاد والترقي.

ومن هنا تبرز أهمية التعامل مع اليوميات باعتبارها شهادة تستدعي القراءة النقدية، والمقارنة مع وثائق الأرشيف العثماني ومذكرات رجال الدولة الآخرين والمراسلات الدبلوماسية الأجنبية. فالقرب من السلطان يمنح العابد معرفة استثنائية بما جرى داخل القصر، فيما تمنح تجربته الشخصية تلك المعرفة زاوية خاصة في تفسير الوقائع وتوزيع المسؤوليات.

ويكتسب هذا الجانب أهمية إضافية عند النظر إلى الصورة المتناقضة التي أحاطت بشخصيته. ففي حين رأى فيه عبد الحميد الثاني واحداً من أكثر رجاله ثقة وكفاءة، اتهمه خصومه بالتدخل الواسع في شؤون الدولة، واستغلال النفوذ، وتكوين ثروة كبيرة. وتكشف الدراسات التركية التي تناولت سيرته عن حجم الجدل الذي رافق صعوده السياسي، وعن المكانة التي حازها داخل أجهزة الإدارة والاتصالات السرية وشبكات المصالح المحيطة بالقصر.

لكن الجانب الذي يستحق اهتماماً عربياً خاصاً يتعلق بالخلفية الدمشقية لهذا الرجل. فقد ولد أحمد عزت العابد في أسرة شامية ذات مكانة اجتماعية واقتصادية، وتدرج في الوظائف الإدارية والقضائية والصحافية، قبل انتقاله إلى إسطنبول وصعوده في أجهزة الدولة المركزية. وكان واسع المعرفة باللغات العربية والتركية والفرنسية، ومطلعاً على شؤون القانون والإدارة والمالية.

ومن خلال موقعه في القصر، شارك في معالجة ملفات الديون والموازنة العامة والعلاقات مع الدول الأوروبية، وأسهم في المشروعات التي شهدها عهد عبد الحميد، ومن أبرزها سكة حديد الحجاز وخطوط التلغراف التي ربطت أجزاء واسعة من السلطنة.

وتتيح سيرته النظر إلى الدور الذي أدته النخب العربية في إدارة الإمبراطورية العثمانية خلال عقودها الأخيرة. فقد كانت دمشق وحلب وبيروت وبغداد وغيرها من المدن العربية جزءاً من المجال الذي خرجت منه أجيال من الإداريين والقضاة والعسكريين والدبلوماسيين، ممن وصل بعضهم إلى مواقع مؤثرة في مؤسسات الدولة المركزية.

وكانت هذه النخب تتحرك ضمن شبكة معقدة من الانتماءات والولاءات، تجمع بين الروابط المحلية والعائلية والهوية الثقافية العربية والمشاركة في النظام السياسي العثماني. وتظهر تجربة العابد هذا التعقيد بوضوح، فقد أمضى سنوات في خدمة السلطان عبد الحميد، ثم وجد نفسه في المنفى بعد صعود الاتحاد والترقي، وارتبط اسمه لاحقاً باتصالات وحركات عربية معارضة للاتحاديين.

وتتجلى المفارقة التاريخية في أن أحد أقرب رجال السلطان العثماني كان والد محمد علي العابد، الذي تولى رئاسة الجمهورية السورية عام 1932. وبين مسيرة الأب في قصر يلدز ومسيرة الابن في دمشق تتكشف تحولات عميقة، انتقلت خلالها المنطقة من نظام الإمبراطورية إلى الكيانات السياسية الحديثة التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى.

ولعل هذه العلاقة بين الجيلين تمنح يوميات عزت باشا أهمية تتجاوز تاريخ السلطان عبد الحميد نفسه، لتصل إلى تاريخ تشكل النخب السورية وتحولاتها السياسية والفكرية، وإلى الصلات التي بقيت قائمة بين رجال الإدارة العثمانية ومؤسسات الحكم التي ظهرت بعد انهيار السلطنة.

وتفتح اليوميات كذلك أسئلة تتصل بتاريخ دمشق في تلك المرحلة. كيف كان رجالها ينظرون إلى مركز السلطة في إسطنبول؟ وما حدود نفوذهم في القرارات التي تتعلق بولاياتهم الأصلية؟ وكيف أسهمت شبكات القرابة والثروة والتعليم والخدمة الحكومية في صعود شخصيات مثل العابد إلى المواقع العليا؟

في هذا السياق، تكتسب الترجمة العربية قيمة مضاعفة. فقد ظلت السنوات الأخيرة من الحكم العثماني موضوعاً لكتابات تاريخية عديدة، تأثرت بالسجالات السياسية والقومية التي أعقبت انهيار الإمبراطورية. وتتيح المذكرات الشخصية فرصة للنظر إلى تفاصيل الحياة السياسية اليومية، حيث تظهر العلاقات الإنسانية وحسابات المصالح والمخاوف والترددات التي ترافق صنع القرارات الكبرى.

وكان الصحافي التركي سونر سرت قد تناول، في مقالة نشرها موقع «غازيته دوڤار» سنة 2019، رحلة العثور على الدفاتر، مستعيداً ما أورده الحفيد أحمد سميح ممتاز عن ضرورة فتح هذه الأوراق أمام الباحثين، وترك المجال للأرشيف العثماني كي يكشف، مع مرور الوقت، أخطاء الباشا وأعماله ودرجة مسؤوليته عن الوقائع التي شارك فيها. وتكتسب هذه الدعوة أهميتها من صدورها عن أحد أفراد العائلة التي حفظت المخطوط وأسهمت في نشره.

ومع انتقال اليوميات إلى العربية، تصبح هذه المهمة أقرب إلى الباحثين السوريين والعرب، خصوصاً أن دراسة العابد تتطلب الجمع بين الأرشيفات العثمانية والمصادر العربية والوثائق الخاصة بالعائلات الدمشقية، إضافة إلى ما خلفه معاصروه من مذكرات وشهادات.

وتثير قصة المخطوط نفسها مسألة أوسع تتعلق بمصير الذاكرة التاريخية في المنطقة. فكثير من أوراق رجال الدولة والمثقفين والتجار والعسكريين الذين عاشوا في أواخر العهد العثماني تفرقت بين مكتبات خاصة وأرشيفات أجنبية وخزائن عائلية، فيما بقي قسم كبير منها مجهولاً أو بعيداً عن التداول.

ولذلك فإن صدور يوميات عزت باشا بالعربية يفتح فرصة جديدة لإعادة اكتشاف شخصية دمشقية حملت أسرار السلطان عبد الحميد، وعاشت عن قرب لحظة تاريخية شهدت بداية تفكك عالم سياسي كامل.

ومن اللافت أن الرجل الذي عرف تفاصيل القصر السلطاني، واطلع على أسرار العلاقات بين الدولة وقواها الداخلية والخارجية، اختار أن يؤجل ظهور أوراقه إلى زمن آخر. ولعل في هذه الوصية شيئاً من إدراكه لحساسية ما سجله، وربما رغبة في أن يقرأه جيل بعيد عن صراعات عصره.

بعد أكثر من قرن، خرجت تلك الأوراق من الخزانة السويسرية، وعادت إلى التداول في لغة المدينة التي انطلق منها صاحبها. وهي عودة تحمل دلالة رمزية خاصة لرجل دمشقي كتب جانباً من تاريخ السلطنة العثمانية من قلب قصرها، ثم ترك شهادته تنتظر زمناً طويلاً قبل أن تجد طريقها إلى قراء العربية.

ويبقى السؤال الذي تمنحنا إياه هذه اليوميات أوسع من أسرار عبد الحميد الثاني: كم من تاريخ دمشق وسورية ما زال محفوظاً في أوراق رجال عاشوا بعيداً عنها، وشاركوا في صناعة أحداثها، ثم تفرقت شهاداتهم في خزائن العالم؟ .

spot_imgspot_img