فارس الذهبي
تعود السكك الحديدية إلى صدارة ملفات التعاون بين سوريا ولبنان، مع تحركات رسمية وفنية لإحياء خط يربط مرفأ طرابلس بالحدود السورية وصولاً إلى حمص، ضمن رؤية أوسع لتطوير حركة الشحن والترانزيت وإعادة وصل المرافئ اللبنانية بالداخل السوري والأسواق الإقليمية.
وخلال الأشهر الأخيرة، شهد ملف الربط السككي خطوات عملية تمثلت في اجتماعات بين مسؤولين وفنيين من البلدين، إلى جانب جولات ميدانية على مسارات السكك والمنشآت القائمة في شمال لبنان والجانب السوري من الحدود.
وشملت المعاينات خط السكك داخل مرفأ طرابلس، ثم محطة العكاري في الجانب السوري، الواقعة على مسافة تقارب خمسة كيلومترات من الحدود اللبنانية. وتركز البحث على إمكانية إنشاء وصلة تربط المسار اللبناني بالشبكة السورية، ومنها باتجاه حمص ومدن أخرى.
ويأتي هذا التحرك استكمالاً للتفاهمات التي جرت بين وزارتي النقل في البلدين خلال عام 2026، والتي تضمنت تشكيل فرق فنية مشتركة وإعداد خطط تتعلق بالنقل البري والسككي وتطوير الممرات اللوجستية بين سوريا ولبنان.
يحظى خط مرفأ طرابلس – العبودية – حمص بأولوية في النقاشات الحالية نظراً إلى موقعه الجغرافي وأهميته الاقتصادية.
ويمتلك مرفأ طرابلس موقعاً مناسباً لخدمة حركة التجارة مع الداخل السوري، كما يتيح ربطه بالسكك الحديدية نقل الحاويات والبضائع إلى حمص ومنها إلى مناطق سورية أخرى، مع إمكانية تطوير امتدادات مستقبلية نحو العراق والأردن وتركيا.
وخلال عام 2026، بدأت الجهات اللبنانية خطوات مرتبطة بإعداد الدراسات الفنية والتصاميم الخاصة بمسار طرابلس–العبودية. وتركز هذه المرحلة على تقييم وضع السكة، والمنشآت الموجودة، والكلفة التقديرية، وحجم الطلب المتوقع على نقل البضائع.
وتشكل هذه الدراسات قاعدة أساسية للانتقال إلى مرحلة التنفيذ عند توافر التمويل والتوافق الفني والإداري بين الطرفين.
تكتسب حمص أهمية خاصة في مشروع الربط بسبب موقعها في وسط سوريا واتصالها بمحاور رئيسية تصل إلى الساحل ودمشق وشمال البلاد وشرقها.
ويسمح الوصول السككي من طرابلس إلى حمص بتطوير ممر تجاري يمتد من الساحل اللبناني إلى العمق السوري، مع فرص لربطه مستقبلاً بشبكات إقليمية أوسع.
وتمنح هذه المعادلة المشروع بعداً يتجاوز حركة النقل بين مدينتين، إذ يفتح المجال أمام ممر تجاري يصل موانئ شرق المتوسط بالأسواق الداخلية في سوريا، ثم بالعراق ودول عربية أخرى عند استكمال حلقات الربط المطلوبة.
يشكل الربط السككي فرصة مهمة لمرفأ طرابلس، خصوصاً مع توجه لبنان إلى تطوير دوره في مجالات الشحن والخدمات اللوجستية والترانزيت.
وتوفر السكك الحديدية وسيلة مناسبة لنقل الحاويات وكميات كبيرة من السلع لمسافات طويلة، كما تسمح بتقليل الاعتماد على الشاحنات في بعض أنواع الشحن، وتساهم في تخفيف الضغط على الطرق والمعابر البرية.
وتزداد أهمية المشروع عند ربطه بمشاريع أخرى في شمال لبنان، مثل تطوير مرفأ طرابلس والمنطقة الاقتصادية الخاصة ومطار القليعات وشبكات الطرق.
ومن شأن العمل على هذه المنشآت ضمن رؤية متكاملة أن يعزز موقع شمال لبنان كمركز للنقل والخدمات والتجارة الإقليمية.
بالنسبة إلى سوريا، يمنح الربط السككي مع لبنان منفذاً إضافياً إلى البحر المتوسط، ويدعم خطط إعادة تأهيل قطاع النقل وتطوير حركة التجارة.
كما يوفر مرفأ طرابلس خياراً إضافياً أمام حركة الاستيراد والتصدير والترانزيت، خصوصاً مع قربه الجغرافي من حمص والمناطق الوسطى السورية.
وتحتاج مرحلة إعادة الإعمار والنشاط الاقتصادي إلى شبكات نقل قادرة على استيعاب كميات كبيرة من المواد والسلع والمعدات، وهو ما يمنح السكك الحديدية أهمية متزايدة في أي خطة اقتصادية مستقبلية.
تركز الفرق الفنية السورية واللبنانية على تقييم المسارات القائمة، وحالة الجسور والمنشآت، ومواصفات السكك، ومتطلبات السلامة والإشارات والمحطات.
وتشمل الدراسات أيضاً تقدير حجم البضائع المتوقع نقلها، وكلفة إعادة التأهيل والتشغيل والصيانة، والخيارات المناسبة للتمويل.
وتبرز في هذا السياق أهمية إعداد مشروع يتمتع بجدوى اقتصادية واضحة، بما يسمح بعرضه على مؤسسات التمويل والمستثمرين والجهات الدولية المهتمة بمشاريع البنية التحتية والنقل.
كما تناولت الاجتماعات الفنية مسألة اختلاف بعض المواصفات بين الشبكتين السورية واللبنانية، مع بحث حلول تقنية تسمح بتشغيل الخط بطريقة عملية وفعالة.
يتطلب المشروع برنامجاً واسعاً لإعادة تأهيل المسار السككي والمنشآت المرتبطة به، إلى جانب معالجة التعديات على بعض أجزاء خطوط السكك في لبنان، وتجهيز المعابر الحدودية والمنشآت الجمركية.
ويحتاج التشغيل المنتظم أيضاً إلى أنظمة حديثة للإشارات والسلامة والمراقبة، إضافة إلى ترتيبات مشتركة لإدارة حركة القطارات والبضائع بين البلدين.
ويأتي التمويل في مقدمة العوامل التي ستحدد سرعة تنفيذ المشروع. ومن هنا تبرز أهمية الدراسات الاقتصادية في تحديد حجم الاستثمار المطلوب والعوائد المتوقعة ومصادر التمويل المناسبة.
يحمل مشروع طرابلس–حمص إمكانية التحول إلى جزء من ممر نقل إقليمي واسع.
فمع تطوير الشبكة السورية وإعادة تأهيل الخطوط المتجهة شمالاً وشرقاً وجنوباً، يمكن للسكك أن تفتح مسارات جديدة باتجاه العراق وتركيا والأردن، وتمنح مرافئ لبنان اتصالاً برياً أكثر اتساعاً مع الأسواق المحيطة.
وتتيح هذه الرؤية للبنان الاستفادة من موقعه على المتوسط، كما تمنح سوريا دوراً محورياً في حركة العبور بين الساحل والداخل العربي.
وتكتسب الخطوات الحالية أهميتها من انتقال الملف إلى مستوى الدراسات الفنية والمعاينات الميدانية والتنسيق المباشر بين المؤسسات المعنية في البلدين.
وبين طرابلس وحمص يظهر اليوم مشروع يمكنه، عند اكتمال عناصره، أن يعيد القطار إلى واحدة من أهم طرق التجارة التاريخية في المشرق، وأن يفتح صفحة جديدة في التعاون الاقتصادي بين سوريا ولبنان، أساسها المرافئ والسكك والممرات اللوجستية وحركة البضائع عبر الحدود.






