وزير الثقافة السوري محمد ياسين الصالح
كان لي شرف قراءة وتتبّع آثار الهندسة السياسية والدبلوماسية التي دشّنها فخامة الرئيس أحمد الشرع، رئيس الجمهورية برؤيته، ومعالي وزير الخارجية الأخ أسعد الشيباني والفريق الواسع لوزارته، خلال الأسابيع الماضية في ثلاث مساحات هامة وحساسة، من خارطة التفاعل السوري الإيجابي في الإقليم، في الأردن والمملكة العربية السعودية ولبنان .
أتت الدعوة الكريمة من المملكة الأردنية الهاشمية لنكون ضيف شرفٍ على معرض عمّان للكتاب فرصة لترى سوريا كم ينتظرها أهلها العرب بلهفة المحب، وكيف ينظرون إلى عودتها وعودة دورها المؤثر والذي من دونه لا يستقيم ولا يتوازن المشرق العربي. إنه انتظار الواثق من قدرتها على ملء الفراغ بقوة.
في عمّان ستجد السوريين في كل شبر من مملكة النشامى، في الروح الأردنية، وفي النسب والمصاهرة، وفي الدور الإيجابي والخلاق الذي لعبه أبناء سوريا في الماضي والحاضر وفي أكثر الفترات صعوبة، زمن اللجوء، إسهامهم في الحياة الثقافية الأردنية ومخالطتهم للشعب الأردني أبناءَ بلد، واستقبال الأردن لهم وتعامله معهم من دون حواجز أو تمييز، رفدهم للحياة الأكاديمية والعلمية في جامعات الأردن على مرّ العقود الماضية.
سترى سوريا كلّها ماثلة أمام أعين الناظرين في قلب كل أردني، وفي كل كتاب من كتب المعرض. في الأردن جدّدنا الاتفاقيات الثقافية، وشرعنا بالعمل على تحديثها وجعلها تصبّ في صالح إعادة إطلاق مهرجان بصرى شقيق مهرجان جرش، وركّزنا على جانب التعاون في المخطوطات والمكتبات، والربط بين المواقع الأثرية الأردنية والسورية في مسار واحد يخدم السياحة وبُعدها الثقافي والتاريخي والاقتصادي.
وفي المدينة المنورة، في حجاز العرب والمسلمين، وعلى الأرض السعودية الحبيبة التي قلنا ونقول إن دمشق ترضى لرضاها وتغضب لغضبتها، ستعود الروح إلى روضة الإيمان بجوار إمام الهدى عليه الصلاة والسلام وصاحبيه رضي الله عنهما. وهناك يبرز ترحاب السعوديين، حكومةً وشعباً، بسوريا وثقافتها أكبر من أن تخطئه العين أو يغفل عنه الضمير.
المملكة العربية السعودية التي يحاول المارقون، عبثاً، مسّ ترابها الغالي على السوريين وعلى كل عربي ومسلم، هي الأمّ والحاضن والعمق الجذري لنا، مهبط الوحي وميدان الفرسان، ومهد الشعر والأدب العربي العريق . نجد التي عرفناها في شعر أجدادنا الكبار وفي تدوينات مؤرخينا العظام، ودور الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود في دعم الثورة السورية واحتضان قادتها وحماية سلطان باشا الأطرش، وتقديم كل العون لمثقفي سوريا ونخبها ليسهموا في بلده وبلدهم.
فكان من بينهم خير الدين الزركلي صاحب الأعلام وبعده الشيخ علي الطنطاوي أديب الفقهاء وفقيه الأدباء، وصولاً إلى العلاقة الوثيقة التي جمعت الرئيس الراحل شكري القوتلي بالملوك والقادة السعوديين، وعبر العمل الإنساني والتنموي الكبير الذي قدّمته المملكة لسوريا منذ الخمسينيات وفي سنوات الثورة السورية المباركة، وحتى اليوم، والذي توجّه مركز خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان، فأسس ذلك النهج ما تكمله سوريا الآن، بعد عهد الأذى الآفل، مطمئنةً إلى اليدين المتصافحتين بأخوّة لكل من فخامة الرئيس أحمد الشرع وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد.
في المدينة المنورّة أبهج القلب لقاء الخطاط السوري الكبير ابن ريف حلب، الدكتور عثمان طه، والذي تكرّمت يده وقصبته بمشق حروف وكلمات المصحف الشريف فدخلت إلى بيوت مئات ملايين المسلمين.. فأي رسلٍ ثقافيين نبتغي خيراً من هؤلاء؟
وفي المملكة سعينا إلى ربط العمل الثقافي السوري بالمنتج الثقافي السعودي، والكفاءات العالية التي تشكّلت في سياق رؤية 2030 الشاملة في قطاعات النشر والإبداع والبحث العلمي وتسويق المحتوى الثقافي متعدد الوسائط.
أما لبنان ففيه عرفنا، من جديد، تلك العزّة التي أهدانا إياها تحرير سوريا، وبين مثقفيه رأينا الفرح والبهجة باسترداد النبرة السورية الحرة، بعد عهد حالكٍ طال على السوريين واللبنانيين معاً . فحرّرتهم ردع العدوان من قيوده الوحشية، وأطلقت بينهم عناق الفكر للفكر والوجدان للوجدان.
سوريا الجديدة تنظر إلى لبنان الدولة، والمؤسسات، والحياة الثقافية والاجتماعية المستقلة، نظرة جديدة مستندةً إلى وعي جديد ينهض بالتنمية والطموح إلى الازدهار. سوريا الجديدة تريد للبنان الاستقرار والكرامة والنماء. ولن تتحقق تلك الأمنيات إلا بإرساء علاقات جديدة تم تأسيسها ورسمها بعناية، فلا تنجرف نحو تيار دون آخر، ولا تعيد سيرة الوصاية والهيمنة التي ترفضها لنفسها فكيف تقبلها على بلد جار وشقيق.
لن تلفظ حروف اسم بيروت الخمسة دون أن تتذكر الكتاب والمطابع والصحف. ولن تتذكر ذلك كلّه دون أن تستحضر مئات الشخصيات اللبنانية التي أسهمت في خلق الوعي العربي والسوري، من بطرس البستاني وموسوعيته، إلى أمير البيان شكيب أرسلان، وسعيد عقل عاشق الشام، وأمين معلوف صاحب الروائع، والكتاب والمفكرين والشعراء والروائيين الذين صنعوا ذاكرتنا وعلّموا شعبهم وعلمونا كل جديد.
بيروت التي كانت ذات يوم فضاء الحرية للسوريين الذين ضاقت بهم بلادهم، فكتبوا على صفحات جرائدها وفي ملاحقها المقالات والدراسات ونشروا الرسومات التي قوّضت على مرّ الزمن صلابة وتجهّم نظام البعث البائد. وكانت دور نشرها هي المنفذ القريب بعيداً عن مخالب الطغيان، فنشرت لهم أعمالهم التي كانت ممنوعة في سوريا، ووزعتها في كل مكان.
بيروت البحر المتوسط الذي تشاركت سفننا ومخرت عبابه لتصنع المجد في أوروبا وقرطاج.. بيروت ذلك الصوت الشجاع للذين وقفوا مع شعبنا وحريّته، ودفعوا من أجله أرواحهم، فكانت قوافل الشهداء اللبنانيين الذين لا نميّز بينهم وبين شهداء سوريا.
تعزيز جسر التعاون الثقافي بين دمشق وبيروت نضعه على رأس أولوياتنا، ليكون للبنان ثقافة سورية تمثّله، وليكون لسوريا ثقافة لبنانية تمثلها، في شراكة بدأت في الماضي البعيد، وستواصل عبر الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي نعدّها اليوم بين البلدين حول الفنون والنشر والآثار، مستفيدين من تجربة لبنان الرائدة في ترميم الآثار وخلق الشراكات مع القطاع الخاص والمجتمع.
فقد سبقت شركة سوليدير إلى ترميم مواقع وآثار في وسط بيروت، ومنها الحمّامات القديمة وحديقة السماح، كما عملت على دمج بعض المكتشفات الأثرية في مشروعات وسط بيروت، وموّل بنك بيبلوس تجديد أسواق تاريخية في جبيل والبترون.
نحاول ربط التجربة السورية في إعادة الإعمار بخبرات شقيقة مرّت بمثل ظروف سوريا، والاستفادة من تجارب أوروبا التي سبقتنا إلى العناية بهذا المجال، وحافظت على مواقعها وخلقت المجال الحيوي من حولها اجتماعياً واقتصادياً، وهو الخط الذي نسعى إلى ترسيخه وفق النموذج المعمول في أوروبا، ولا سيما في إيطاليا، عبر شركات تموّل الترميم بإشراف الجهات الأثرية الرسمية مجسدة بمديرية الآثار والمتاحف.
فقد نفّذت شركة “تودز” للأزياء الشهيرة مدرّج الكولوسيوم في روما، وموّلت أعمال ترميم بقيمة 25 مليون يورو، فيما تولّت الجهات الحكومية والأثرية الإشراف على المشروع. وأسهمت شركة “بولغري” المتخصصة في الحلي والساعات والفنادق في تمويل ترميم وتهيئة منطقة لارجو أرجنتينا الأثرية في العاصمة الإيطالية وتهيئة مسار الزيارة وأعيد افتتاحه في العام 2003 بعد أعمال أُنجزت تحت الإشراف العلمي لهيئة التراث في روما.
وكذلك الحال مع دار فندي التي تولّت رعاية ترميم معبد فينوس في روما بالتعاون مع إدارة حديقة الكولوسيوم الأثرية . أسرد هذه الأمثلة لبعض من لا يعرف المستوى المتطور الذي بلغته الشراكات الرسمية والأهلية في العالم، لا في إيطاليا وحدها، بل في اليونان وغيرها شاركت مؤسسات المجتمع الأهلي في دعم أعمال التنقيب والترميم في موقع ميسّيني القديمة.
وكما سعدنا بلقاء دولة القاضي نواف سلام رئيس الحكومة اللبنانية ونائبه طارق متري ومعالي وزير الثقافة غسان سلامة، دعتنا المؤسسات الإعلامية والبحثية لزيارتها كي نلتقي بالمثثقفين اللبنانيين المستقلين، فاستمعنا منهم إلى الأسئلة التي تدور في أذهانهم عن سوريا الجديدة، وسط مساعي أعداء المستقبل للتشويش على سقف الحريات الثقافية ومدى قدرة المبدعين على طرح أعمالهم في سوريا.
وبيّنا لهم أبعاد المشروع السوري الجديد وتطلعات السوريين المستقبلية نحو الشراكة معهم. وما يمكن أن نبنيه مع لبنان، أكبر بكثير من تصورات البعض المحدودة، وأعمق من فكرة التدخل التي يرّوج لها قصار النظر، والتي فنّدها فخامة الرئيس الشرع وبيّن اتجاهها الإيجابي رافضاً إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
أهدت دمشق ممثلة بوزارة الثقافة السيف الأموي لرئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، مستلهمةً صورة ًعبّر عنها الرئيس الشرع بنفسه، حين ربط الثقافة السورية بصلابة الفولاذ الدمشقي وبالحرير الذي يمثّل القوة الناعمة لسوريا وحضورها على الخارطة. فالدولة السورية تريد أن ترى كلّ شيء يولد من جديد. وتبدأ معه حكاية سورية جديدة مغايرة تماماً لكل ما مضى في عقود الظلم والاستبداد.
ذلك الجبل العنيد في لبنان، كان معنا في سنوات الثورة، آزرنا وسمح لنا أن نتنسّم هواء الشام حين حرمونا منه. وتلك الشوارع العطرة في أحياء بيروت ترخي ظلال الإمام الأوزاعي الذي لقّب لتسامحه وإيمانه بالاختلاف والتعدد بـ “شفيع النصارى” على طريق الشام.
في البلدان الشقيقة الثلاثة، لم نكن غرباء ولم نكون ضيوفاً. كانت سوريا بين أهلها. وكانت البصمات الثقافية السورية تسبقنا وتشق لنا الطريق. لا نحتاج إلى تعريف هويتنا السورية، فالعالم يعرفها، ونحن نعرفها حق المعرفة، لهذا ثرنا على الوحشية كي نستردها. ولن يسلبنا إياها أحد بعد اليوم، وسوريا الجديدة تقول الآن لأهلها العرب إن ثقافة العصر تغيّرت، وإن ثقافة بلاد الشام والمشرق العربي ستكون ثقافة بناء وتنمية وأخلاق، لا ثقافةَ أذى وتخريب وإرهاب وتوتر ومخدّرات.
المصدر: صحيفة الثورة السورية






