منصة دمشق الإخبارية
صدر عن دار نلسن في بيروت كتاب “مثقفو بشير الجميل/ حوليات التقديس في السياسية” لمحمد الحجيري. هنا مقدمة الكتاب.
في لبنان يتداخل المقدّس مع السياسة إلى درجة أنه أصبح جزءاً منها أو ملازمًا لها، كل التركيبة اللبنانية، الطائفية، تبحث عن مقدساتها، وإن لم تجد مقدسًا غيبيًا تبحث عن أيقونة دنيوية، ولا نستثني الأحزاب اليسارية والعلمانية. “أما الدوافع لإقحام الرموز الدينية والمقدسات في اللعبة السياسية فكثيرة، منها ترسيخ الهوية وتأكيدها، أو اجتذاب جمهور طائفة معينة أو التعبير عن إيديولوجيا الحزب وطبيعة عقيدته”(سركيس أبو زيد). إذا أخذنا حزب الكتائب أنموذجًا، نجد أن الشيخ بيار الجميّل، مؤسس حزب الكتائب اللبنانية اتخذ شعاراً له: الله، الوطن، العائلة. وبعد حزب الكتائب على الساحة المسيحية، سلكت القوّات اللبنانية الطريق نفسه حين اتخذت لنفسها الصليب على شكل خنجر أو سيف مشطوب، أيضًا رفع بشير الجميّل شعار “نحن قديسو هذا الشـّرق وشياطينه”، وهو جمع بين احتمالين، بين الخير والشـر. وقد يكون من المفيد سرد بعض من أطياف الذاكرة الذاتية حول بشير الجميّل، فحين قُتل أو اغتيل في 14 سبتمبر/ أيلول عام 1982، بعد أيام على انتخابه رئيسًا للجمهورية في 23/08/1982، في جلسةٍ استضافَتها ثكنة الفياضية العسكرية قرب وزارة الدفاع المطلّة على بيروت، والتي كانت محاطة بجيش الاحتلال الإسرائيلي، لم أكنْ قد بلغتُ، أنا كاتب هذه السطور، التاسعة من عمري. عشتُ خوفًا مرًا من أصوات الطائرات الإسرائيلية المقاتلة التي كانت تقصف بيروت والمناطق، وتلاحق المقاتلين الفلسطينيين في الجرود والأمكنة المختلفة. من ثمّ سمعتُ باسم بشير الجميّل للمرة الأولى، عندما بدأ إطلاق الرصاص وقذائف “آر بي جي” ابتهاجًا باغتياله في تلك البلدة النائية في أحضان الجبال الشـرقية، والتي تضمّ أحزابًا تنتمي إلى ما سُمي “الحركة الوطنية”، العروبية واليساريّة الجنبلاطية والبعثية والناصرية والعرفاتية. حينها، كنتُ جالسًا في زاوية من زوايا البيت القديم مع عائلتي، خائفًا من أزيز الرصاص وغير مدرك للأمور أو السياسات، وربّما تكون هذه من المرات التي تحتفل فيها منطقة بموت الآخر، وتدخل الشماتة السياسة في حرمة الموت. ولكن هذا، في جزء منه، كان نتيجة تراكمات حروب متنقلة، وتفكّك الدولة والمجتمع، وعمليات الخطف والقتل على الهوية، وتهجير من هنا وهناك، مضافًا إليها عقلية القبائل والأحزاب التي تتحكّم بمفاصل البلد والمجتمع.
بشير
ولسنوات بعد اغتيال بشير، لم أكنْ أعرف عنه إلا وسامته وفتوته التي رأيتها في صوره المنشورة في مجلة “المسيرة” الصادرة عن الدائرة الإعلامية في “القوّات اللبنانيّة”. وإلى وقت متأخر، بقيتْ معرفتي بشخصية بشير ضئيلة، تقتصـر على عبارات مكتوبة على حيطان منطقة الأشرفية وضواحي بيروت الشـرقية “ع دعساتك نحنا مشينا”، و”بشير حي فينا”. صورة بشير في وجداني كانت سلبية وملتبسة ومبعث خوف، مستمدّة من الثقافة الشفوية وتحقيقات بعض الصحف والمجلات التي ركّزت على مشاركة بشير في حصار مخيم تل الزعتر وقد أسفر الحصار عن مجزرة كبيرة، من ضمنها مقتل نحو خمسين شخصًا من بلدتي وحدها، في الكمائن والزواريب، وجلّهم من النساء والأطفال والشيوخ؛ وكثر منهم كانوا من عمال المرفأ وقطاعات أخرى، وتبنّت بعض الأحزاب الفلسطينية واليسارية استشهادهم لأغراض وسياسات معروفة، ليس أقلّها الشهادة كمفتاح نفوذ وتمدّد اجتماعي وأيديولوجي. حتى وقت قريب، لم أكن أتوقع أنّ المجازر سياسة، وهي نتاج غرائز وعمليات ثأر، ولم أكن أعرف حجم الوحشية التي تحكمنا، فبعضهم كان يريد مجزرة المخيم لاستثمار في القضية، وبعضهم كان يريد القول إنه يقتل لأنه “قبضاي” زمانه، ويريد أن يخيف الآخرين.
ويوم خرجتُ من دائرة بلدتي، وتقرّبت من بعض الشبان المسيحيين في بيروت. لاحظتُ أنّ جيلاً كاملاً منهم اسمه بشير، كان هذا الاسم كافياً ليكون “ماركة” أيديولوجية وولائية حزبية. وانتشار اسم بشير في النسيج المسيحي اللبناني مثل انتشار اسم جمال وناصر بين العروبيين والقوميين. وعادة ما تستحوذ لعبة الأسماء على اهتمام الكتّاب والأدباء، فالروائي البرتغالي جوزيه ساراماغو يُصدر روايته “كل الأسماء”، بشذرة: “أنت تعرف الاسم الذي أطلقوه عليك، لكنك لا تعرف الاسم الذي لك”. و”الأسماء ضروب” قال أبو عمرو الجاحظ، وقد اختلف النحاة في أصل اشتقاق الاسم. فذهب الكوفيّون إلى أنّه مشتقّ من (وَسَمَ يَسِمُ)، والوسم: هو العلامةُ، والعلامة عندهم تغلب على السُّمُوُّ والرفعة في المعنى. وذهب البصـريون إلى أنّه مشتق من (سما يسمو)، والسموّ: هو العلوّ والرفعة. واسم القائد يصير علامة حزبية بامتياز، خصوصًا أنً الشبان “القوّاتجية”، ينظرون إلى بشير بنوعٍ من القداسة و”الرومانسية” و”المثالية” المفرطة ويلقبونه بـ”الباش”. قُدس بشير عند القوّاتيين، بينما روى أحد البيارتة أنّ اسم بشير كان علامة لصناعة الخوف في بيروت في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات.
وقيل الكثير من الأساطير عن حلم البشير وخلاصيته و”مهدويته”. قال الإعلامي القوّاتي، شارل جبور في حوار تلفزيوني منفعلًا في ردّه على أحد إعلاميي حزب الله: “بشير الجميّل قديس وغصب عن الله تبع الله هو قديس ولا نسمح لأحد بالتعرّض لمقدساتنا كما أننا لا نتعرض لمقدسات غيرنا”. وبشير الذي يُعدُّ من بين الشخصيات الأشدّ إثارةً للانقسام في تاريخ لبنان، تمتَّع بشخصيةٍ كاريزميّةٍ. يتحدّث عنه القوّاتيون كما لو أنه صديقهم الشخصـيّ وزميلهم في المدرسة وشقيقهم المدلّل. يسمعون خطبه الرنانة بلكنته اللبنانية المحكية، وأغاني تمجّده في سياراتهم ومركباتهم وهواتفهم. لا يصدّقون موته أو مقتله وخروجه من الحياة. الشبح البشيري دائمًا في حياتهم، وهم ما برحوا يعيشون شبحيته، ويستحضـرونها، يستذكرون أيام انتخابه رئيسًا، وقد اندفعت “بيروت الشـرقية” في حبك الخرافات ونسجها في التعبير عن ميول تلامس الثأر أو تباشره. و”لم يتعطل مصنع الخيال المجسم إلا بعد فترة على مقتل بشير، ملهم الخيالات والغرائز”(حازم صاغية- موقع درج). وبدا أن السياسة في الشارع المسيحي منذ نصف قرن أو منذ بداية الحرب، كأنها بين ورثة بشير الجميّل وخصومه، وليس بالضـرورة أن يبقى ورثة بشير على نفس الخط والمسار، فالسياسة تقلبات وولاءات وعداوات وتحالفات وخطابات ومصالح.
في المشهد السياسي المسيحي، بشير جزء من المقدّس أو “الخيال العنيد” كما يسميه المفكر الفرنسـي ريجيس دوبريه، فالحكايات في هذا الإطار كثيرة ومتشعبّة وخرافيّة وشعبية وخلاصية. تارة يقولون إن بشير حمل جرّة الغاز وأوصلها إلى شقّة في الطبقة الرابعة لرجل عجوز في منطقة ساسين – الأشرفية، وفوجئت به عائلة الرجل، وطوراً يروون أنه ذهب في سيارته “المتواضعة” إلى منطقة الرميل (شرق بيروت)، ودخل منزل سيدة عجوز وتناول طبق المجدرة على مائدتها، أو وقف في الصف بانتظار دوره. ولا يقتصـر الأمر على هذا فإحدى الصحافيات كتبتْ أنه (أي بشير) كان كريمًا مع كل من قصده طالبًا المساعدة، وعفويًا لدرجة أنه دخل مرة محل فلافل طالبًا سندويشًا قبل أن يتنبه إلى أن ليس معه حتى ليرة واحدة فاعتذر “مش حامل مصاري”، فما كان من صاحب المطعم إلا أن ناوله السندويش متعجبًا: “هيدا بشير؟ مش معقول يكون هوّي وما معو حق السندويش!”. الذهنيات جاهزة لتقديس أي عمل يقوم به بشير، سواء في الحرب والقتل أو في الأيام العابرة والعادية. يقولون إنّ بشير كان بسيطًا يكره اللباس الرسميّ وربطات العنق والمواكبة. وكانت علاقته برفاقه علاقة زمالة طيبة وعفوية، ويوم كانوا يتخوفون من ردّ فعله يوم استشهاد ابنته، اكتفى بالقول: “مايا شهيدة متل الشهدا الخمسة آلاف”.
من هذه الصور، يمكن الولوج إلى عالم بشير، الذي ما زال حتى الآن يشغل الجيل الصاعد والشبابي والعجائزي في الوسط المسيحي. هذا الشاب المسيحي الكاريزماتي الماروني “المتمرّد” والمارق والمتهوّر و”الثوري” والفاتك، الذي عُلقت صوره في غرف النوم وعلى أعمدة الإنارة، ووُصف بأنه “الحلم” و”الوعد”؛ ما زال موضع خلاف بين اللبنانيين.
الهدف من سردية هذا الكتاب، فهم ظاهرة بشير الجميّل -البطل الماروني- بوصفه مقدمة لفهم الظواهر المؤثرة التي تشبهها وكل القادة المقدّسين. وفهم علاقة بعض المثقفين والكتّاب (الفيلسوف شارل مالك، الشاعر يوسف الخال، الشاعرة مها بيرقدار، الأب سليم عبو، الباحث سيسيل حوراني، الحزبي سجعان قزي، الأباتي بولس نعمان…، حتى المفكر سمير فرنجية، الماوي السابق توفيق الهندي، الصحافي جوزيف سماحة، المخرج ريمون جبارة والممثل رفعت طربيه وغيرهم…) بقائد ميليشيوي كان جزءاً من الانقسام العام وصناعة الخوف. وفي قسم من الكتاب هناك تطرق لشخصيات مارونية تاريخية من الرئيس كميل شمعون إلى طانيوس شاهين ويوسف بك كرم بطل زغرتا، وهم نماذج أخرى عن البطل الماروني اللبناني.






