spot_img

ذات صلة

الأكثر مشاهدة

هل توحّد الموسيقا الشعوب المتعبة؟

فارس الذهبي في السابع عشر من أيلول عام 1994، وقفت...

عودة أصالة

هالا محمد وكأن الفن ليس نهرا من أنهار سوريا، ولا...

صدور كتاب «مسألة الهوية» لعزمي بشارة

منصة دمشق الإخبارية صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات...

دمشق تستضيف الاجتماع الحكومي الثاني بين سوريا ومصر لتعزيز التعاون الاقتصادي

منصة دمشق الإخبارية   عقدت في العاصمة السورية دمشق، أعمال الاجتماع...

وزير الاقتصاد السوري يتوجه إلى أوزبكستان لبحث توسيع التعاون التجاري والاستثماري

منصة دمشق الإخبارية يتوجه وزير الاقتصاد والصناعة السوري نضال الشعار،...

هل توحّد الموسيقا الشعوب المتعبة؟

فارس الذهبي

في السابع عشر من أيلول عام 1994، وقفت فيروز في ساحة الشهداء ببيروت أمام أكثر من أربعين ألف شخص، في مدينة كانت تخرج من حرب أهلية امتدت خمسة عشر عاماً. حمل المكان ذاكرة الانقسام والخراب، ثم امتلأ في تلك الليلة بجمهور جاء من جهات وتجارب مختلفة واجتمع أمام صوت واحد. عادت فيروز إلى الغناء في قلب العاصمة بعد ابتعاد طويل عن الحفلات داخل لبنان خلال سنوات الحرب، فتحولت الأمسية إلى صورة مكثفة لرغبة اللبنانيين في استعادة مدينتهم ولقائهم المشترك.

كان المشهد أوسع من حفل غنائي. ساحة عرفت المتاريس والحدود الداخلية استقبلت عشرات الآلاف تحت سماء واحدة، وصوت ارتبط بذاكرة اللبنانيين عبر الأجيال عاد ينسج بينهم خيطاً من الحنين. بدت الموسيقى يومها كأنها تمنح المدينة فرصة لترى نفسها خارج صور الحرب، وتستعيد شيئاً من ملامحها القديمة وقدرتها على الاجتماع.

وبعد اثنين وثلاثين عاماً، وفي التاريخ نفسه، السابع عشر من أيلول، استقبلت دمشق، شقيقة بيروت في الذاكرة والموسيقى، تجربة تشبه تلك الليلة في روحها. هل جاء التوقيت مدروساً؟ أم هي واحدة من مصادفات القدر الجميلة؟

عادت أصالة نصري إلى الغناء في دمشق بعد غياب امتد قرابة خمسة عشر عاماً، وصعدت إلى مسرح صالة الفيحاء أمام جمهور غفير، فيما حمل البث التلفزيوني والمنصات الرقمية الحفل إلى جمهور عربي واسع.

منذ اللحظات الأولى ظهرت قيمة الجمهور في خطاب أصالة. الدموع التي رافقت دخولها، والكلمات التي وجهتها إلى الحاضرين، وطريقتها في الحديث بين الأغنيات، منحت الأمسية بعداً إنسانياً واضحاً. تحدثت عن الشوق، وعن اللقاء الذي انتظرته سنوات، وعن مرحلة التشافي، ورأت في الفن والموسيقى واحترامهما طريقاً يساعد المجتمعات على استعادة توازنها.

وهذه الفكرة تستحق التوقف عندها طويلاً في الحالة السورية. سنوات الصراع حملت معها انقسامات اجتماعية وسياسية قاسية، ودخل عدد من الفنانين السوريين في سجالات حادة، وتبادلت أصوات ثقافية وفنية الاتهامات والتسميات وتحميل المسؤوليات. وسط هذا المناخ، اختارت أصالة في أمسيتها الدمشقية لغة مختلفة: الامتنان للجمهور، والهدوء، والحديث عن التعافي، ورسائل الحب التي تكررت بين الأغنيات بروح بعيدة عن الاستعراض والخطابة.

وكان لافتاً مقدار تقديرها للحاضرين. خاطبتهم كأنها تستعيد صلة شخصية انقطعت سنوات طويلة، وأعادت الفضل إلى الناس الذين حفظوا صوتها وأغنياتها ورافقوا مسيرتها. في زمن امتلأت فيه مساحات فنية سورية بالسجال والانقسام، حمل هذا الخطاب محاولة لترميم العلاقة بين الفنان والجمهور، وإعادة الفن إلى مساحته الأوسع: اللقاء الإنساني.

وسبق الحفل مناخ متوتر. ظهرت أصوات فردية من اتجاهات متباعدة دعت إلى إلغائه، وانتشرت مقاطع لتمزيق بعض ملصقاته في دمشق، وتحول الحدث قبل موعده إلى مادة للنقاش حول الفن والهوية والحريات وحدود الاختلاف.

ثم جاءت ليلة الفيحاء بصورة مختلفة تماماً، وسط حضور رسمي للفن وتكريسه عبر إقامة الأمسية وتنظيمها، وجمهور ملأ القاعة وامتد أثره إلى الشوارع المحيطة. توالت الأغنيات السورية والعربية، وتعاقبت الدموع والفرح، وتكررت كلمات الحب والتعافي بين المقاطع.

كانت أصالة تلامس جراح السوريين عبر أغنيات تنقلت بين تراث منطقة وأخرى، وبين لهجات وذاكرات موسيقية متعددة. رقص الجمهور مع هذا التنوع وكأنه يعيد اكتشاف صورة سوريا الأوسع، سوريا التي تتسع لألوانها كلها.

ومن دمشق مدت أصالة جسراً إلى محيطها العربي. حيّت مصر والخليج وجمهورها الممتد في البلدان العربية، وحملت كلماتها شيئاً من دفء السوريين إلى الخارج. في تلك اللحظات بدت كأنها تؤدي دوراً يتجاوز الغناء نفسه، فتفتح عبر الموسيقى نافذة بين دمشق والعالم العربي، وتعيد وصل ما باعدت بينه سنوات القلق والحرب والشتات.

هنا تكتسب المقارنة مع ليلة بيروت معناها الحقيقي. التجربتان تنتميان إلى زمنين وبلدين وسياقين مختلفين، ويجمعهما خيط إنساني واضح: مجتمع مجروح يبحث عن لغة مشتركة، وفنانة تعود بعد غياب طويل، ومدينة تحمل ذاكرة ثقيلة، ثم تأتي الأغنية لتفتح مساحة يلتقي فيها الناس على شعور واحد.

قوة الفن تظهر تحديداً في هذه المساحة. السياسة تقسم الناس إلى مواقع ومواقف، والسجالات تصنع تسميات وحدوداً، بينما تمنح الموسيقى الجمهور لحظة مشتركة يشعر فيها كل فرد بأنه جزء من شيء أوسع من خلافه مع الآخرين. آلاف الأشخاص يرددون الكلمات نفسها، يصفقون في اللحظة نفسها، ويستعيدون ذكريات ارتبطت بأغنيات سمعوها في البيوت والسيارات والأعراس والسفر والمنافي.

ولعل أجمل ما في ليلة الفيحاء هدوء رسالتها. جاءت أصالة إلى جمهورها بأغنياتها وحنينها، وربطت الموسيقى بالتشافي المجتمعي، وكررت مفردات الحب والاحترام والتقارب. يكتسب هذا الخطاب وزنه في بلد أثقلته سنوات من اللغة الحادة والتنابز وتبادل الاتهامات، لأن التعافي يبدأ أيضاً من استعادة الكلمات البسيطة التي تمنح الناس فرصة للالتقاء: المحبة، الاحترام، الفن، الموسيقى، والقدرة على الإصغاء إلى الآخر.

الفن يملك قدرة غريبة على عبور الحواجز التي صنعتها السنوات. أغنية قد تعيد إلى شخص ذكرى بيت، وإلى آخر وجه أم، وإلى ثالث شارعاً في مدينته، ثم تجمعهم جميعاً في لحظة واحدة. وحين يأتي ذلك بعد صراع أهلي طويل، تصبح الموسيقى جزءاً من ترميم الذاكرة العامة، ومن إعادة اكتشاف الأشياء التي تجمع الناس بعد سنوات جعلت الاختلاف في واجهة حياتهم.

لهذا تحمل حفلة أصالة في دمشق معنى أوسع من نجاح أمسية فنية أو عودة مطربة كبيرة إلى جمهورها. إنها تطرح سؤالاً يتعلق بالمجتمع نفسه: ماذا يستطيع الفن أن يفعل لشعب أنهكته الصراعات؟

الموسيقى تخلق لحظة جامعة. تمنح الناس فرصة لرؤية بعضهم خارج التصنيفات، وتوقظ ذاكرة أقدم من الاصطفافات، وتفتح باباً صغيراً نحو حياة مشتركة يستعيد فيها المجتمع صوته الإنساني.

أما التعافي العميق فيحتاج زمناً، وعدالة، ومصالحة اجتماعية، وثقة متبادلة، وحياة يشعر الناس فيها بالأمان والانتماء. ويأتي الفن ليمنح هذه الرحلة لغتها العاطفية، ويذكر الناس بأن بينهم أشياء تستحق أن تُستعاد.

من ساحة الشهداء في بيروت إلى صالة الفيحاء في دمشق، تظهر الأغنية كجسر بين جرحين وتجربتين، وبين مدينتين تعرفان جيداً معنى التعب ومعنى الحنين.

وربما تبدأ مصالحة الشعوب مع ذاكرتها من لحظة بسيطة كهذه: جمهور يلتقي، صوت يرتفع، وأغنية يعرف كلماتها الجميع.

وفي دمشق، في تلك الليلة، كانت المساحة أغنية.

 

Previous article
spot_imgspot_img