عمّار ديّوب
لم تتبنَ الليبرالية بشكل فعلي قيم الحرية والكرامة الإنسانية والمساواة، بل وقفت بشكل حازم، مع حرية رأس المال، وضد من لا يملك، أي ضد الطبقات العمالية والمفقَرة، ولكن نضالات الطبقات هذه هو من أجبرها على حذف شرط الملكية ليصبح الفقراء أيضاً مواطنين، وأن تصبح الحرية حقا لهم، بكونهم يمتلكون كرامة إنسانية، ويتميزون بالعقل.
نضالات الطبقات تًلك هي من أنسن الليبرالية، وحوّلها إلى واقع رأسمالي، يتساوى فيه الأفراد بشكل صوري، ولا يتساوون فيه بشكل فعلي. وهو ما دفع الطبقات العمالية ومختلف المتضررين من الرأسمالية كنمط إنتاج وعلاقات إنتاج وسياسات للدولة، إلى النضال ضد ذلك التوحش الجديد ،فصارت الأنسنة حقيقية بسبب شراسة المعركة الطبقية التي خيضت ضد الرأسمالية وليبراليتها الصورية، وبالفعل صار للعمال ولبقية الكتل البشرية حقوق عامة أكبر. ولم يحصل هذا بشكل حقيقي وفاعل إلا بعد الحرب العالمية الثانية، وعلى وقع الحرب الباردة والتنافس الدولي بين الاتحاد السوفيتي ومنظومة الرأسمالية العالمية ومن جراء تلك النضالات.
بعد أن تأسست أوربا كدول رأسمالية وتشكّل نظامها الديموقراطي على خلفية ثورات أوربا عام 1948، وراحت تقتسم العالم، ولا سيما بعد تطورها الإمبريالي بشكل أشد، وتحديدا مع بدء الحرب العالمية الأولى، حدث تطور نوعي في العالم، تمثل بتقدم اليسار العالمي في روسيا، حيثً نجحت الثورة البلشفية فيها؛ في أضعف حلقات الرأسمالية، وحينما تنجح ثورة في بلد إمبراطوري كروسيا يصبح من الغباء بمكان الكلام عن دور لينين وسياساته التآمرية، ويمكن أن يكون هذا الكلام صحيحاً في دولة فاشلة وصغيرة وليس دولة بحجم روسيا؛ روسيا هذه أعادت قلب أوراق العالم الرأسمالي ليس في البلاد المتأخرة والكولونيالية، بل على مستوى العالم بأكمله. وإذ ركزت على التنمية وتطوير الاقتصاد والارتقاء بالبنية الاجتماعية فإنها أكدت على ضرورة الخلاص من النظام الرأسمالي وبناء تنمية ذاتية في بلدان العالم الكولونيالي بمساعدة الاتحاد السوفييتي. وبغض النظر عن الدور السوفييتي، فإن العالم لم يدخل في خمسينيات القرن الماضي إلا وكان قد تحرر بثورات وطنية وقومية عارمة، أنهتشكلاً من أشكال النهب الامبريالي، وبدأت فيها مرحلة الاستقلال السياسي، في عالم موحد، ومتداخل ومتناقض. هو عالم موحد في إطار الصراع الكوني بين كل من الاشتراكية وبين الرأسمالية، وفي هذا الصراع الضاري كانت تدخل البلاد الكولونيالية بمرحلة التطور، ولنقل أخذ الصراع فيها شكلاً جديداً.
مركزية الليبرالية في عقلية اليسار المسفيت:
اليسار العربي، الذي تسفيّت )من الاتحاد السوفييتي( وتستلن )من الستالينية(، بعد تشكيل الاتحاد السوفيتي، صار أقرب للدعوة إلى الديموقراطية والحرية، ولم يتبنَ بتياره السائد والمركزي، – نشير هنا أن هناك تيارات ماركسية في قلب هذا اليسار كانت مع القضية القومية)1( والوطنية ولكنها هُمشت، وتم إقصاؤها عن قيادة الأحزاب الشيوعية- القضية القومية والوطنية كأوجه للصراع الإجتماعي، بحكم كونه تبنى قضية بناء الرأسمالية الوطنية، ومفهوم التطور اللارأسمالي، للدلالة على ضرورة بناء اقتصاد وطني رأسمالي بمساعدة الدولة وبتأييد من اليسار على أرضية حجة غياب الطبقة العاملة، وضرورة حضورها لاحقا، وذلك لتبدأ هي مرحلة النضال السياسي الطبقي! هذه المهزلة الفكرية، أقصت اليسار العربي، وًأقصد الاحزاب الشيوعية، عن استلام الحكم، رغم اتساع قاعدته الجماهيرية )كالحزب الشيوعي العراقي والسوري، وفي إندونيسيا كانت الكارثة أكبر فقد قتل ألاف الشيوعيين دون أن يطرحوا فكرة إسقاط النظام وبناء الدولة الاشتراكية(، والتي تبنتها لاحقا كل من الأحزاب القومية والإسلامية، ليبقى اليسار )الأحزاب الشيوعية( إصلاحيا، و»ليبراليا»، وبلا سًياسات طبقية يسارية، بل عمل في إطار سياسات ليبرالية محضة، وعلى قاعدة الرًأسمالية كنًمط إنتاج سائد .وربما هو الأكثر أمانة لقيم «الليبرالية» في إطار الرؤية السوفيتية العربية، وذلك لأن الرأسمالية في بلادنا رأسمالية تابعة وهشة، وأقرب للريعية، وغير قادرة على التطور الطبيعي)2(، وليس بمقدورها أن تتفهم قيم الليبرالية السياسية، ولذلك كانت أقرب للقيم القروسيطة وعملت على تأبيدها .ولكنه ولأنه –اليسار- أيدّ أنظمة الحكم «الوطنية»، ولا سيما الأنظمة «التقدمية»، التي راحت توثق علاقاتها بالسوفييت، فإن الآخيرين أوعزوا لهذه الأحزاب البدء بسياسة جديدة، وهي دعم هذه الأنظمة، لتتحول الأحزاب الشيوعية من نضالاتها الليبرالية في إطار الديموقراطية والحريات، وبالطبع دعم الحقوق النقابية للطبقات المفقرة، بما لا يشوش على الرأسمالية الوليدة آنذاك، والتي لن تتطور إلا في إطار كولونيالي تابع للرأسمالية العالمية، وهو ما لم تفهمه الأحزاب الشيوعية العربية أنذاك .وبالطبع فهِم ذلك كل من الشيوعيين الصينين والفيتنامين وحتى كاسترو الشاب. تحولت الأحزاب الشيوعية إلى دعم الأنظمة التقدمية، وشهدت تلك الأحزاب ومن جراء ذلك وغيرها، انقسامات حادة، وظهر يسار جديد رافض لتوجه الأحزاب الشيوعية، يسارٌ توافق مع شيوعية كل من الصين وفيتنام وكوبا، يسارٌ تمرد بقوة على الأحزاب المنضوية في النظام الشمولي التسلطي، الذي هو ممثل للطبقة البرجوزية الصغيرة، وهذا ما تم في سورية مع حقبة السبعينات. هذا اليسار «الثوري» انقسم بين حزب شيوعي «ديموقراطي» وهو المكتب السياسي، ورابطة العمل الشيوعي والمنظمة الشيوعية العربية كطرف ثالث، ويتبع للطرفين الأوليين، مجموعات وقوى سياسية يسارية متعددة؛ أقول ذهب المكتب السياسي اتجاه رؤية ديموقراطية رأسمالية، ولم يتبلور ليبراليا وبقي إلتباسه قائما ولا يزال، فليس من موقف محدد لديه من الدولة الرأسمالية ونظامها الديموقرًاطي المتسق وفق مًبدأ المواطنة، ولا يحوز على رؤى عن البنى الاقتصادية الصناعية تجد حلاً لمشكلة التأخر والكولونيالية لاحقا، بل وتموقع لاحقا ضمن عقلية تنطلق من الأطر المحلية «الوطنية» وشابت مواقفه الكثير الكثيرً من التعميمات بمًا يخص فهمه للطبقات وللمواطنة وللقضية القومية وللإمبريالية، ليصبح مجرد حزب ديموقراطي معزول وهامشي؛ شغله الشاغل كيفية إسقاط النظام وبأية طريقة كانت ،وبما فيها حتى الحوار مع ممثليه، ولاحقا عبر التدخل العسكري الخارجي، وبعد اليأس من ذلك، عاد ليطرح مجددا قضية أن الداخل هو من سًيحسم المعركة، ولكنه وفي كل هذه التحولات، أكمل انتقاله من اليسار نحًو الليبرالية والانفتاح على العولمة دون شرط أو قيد، متوهما أنها القدر القادر على تحقيق التحوّل الديموقراطي، ومتجاهلاً كل الانتقادات التي وجهت لها، وكل اًلدراسات التي تؤكد أن الأزمة التي تعصف أوربا وأمريكا ليست فقط أزمة مالية بل أزمة نمط الإنتاج الرأسمالي)3(؛ وبالمثل لم تستطع رابطة العمل رؤية الواقع بشكل موضوعي، مُقدمة النظري عليه، فتمحورت رؤيتها حول إسقاط السلطة، وبناء دولة الاشتراكية، ولاحقا طرح شعار إسقاط الشكل الديكتاتوري للسلطة، وهي غير قادرة على إلتقاط الجديد مع حقبة السبًعينيات، والذي هو انتقال الطبقات المفقرة إلى تأييد النظام بسبب إصلاحات زراعية وتأميم مصانع وتعليم مجاني، وبالتالي عدم وجود طبقات اجتماعية حاملة لمشروع اليسار الثوري أنذالك.
الأحزاب الشيوعية الرسمية، انطلاقا من تشكيل الجبهة الوطنية التقدمية، أصبحت مجرد مؤسسة صورية من مؤسسات النظام الشمولًي التسلطي، ولعبت دورا في احتكاره التمثيل السياسي، وفي منع إحداث تطور ديمقراطي أو تغيير في شكل النظام السياسي. لًا يغير من هذا التحليل وجود مئات الكوادر الشيوعية في تلك الأحزاب والرافضة لدورها –الأحزاب- السياسي ذاك، ولكنها في واقع الأمر كانت تدور في إطاره.
المكتب السياسي ورابطة العمل المتحوّلة إلى حزب العمل الشيوعي لاحقا بالتحديد، ومن جراء الدمار الكارثي الذي أحاق بهما من جراء سنوات الإعتقال والتعذيب وو، أخرجوًا من السياسة كما حال كل القوى السياسية وتعقّم المجتمع بشكل فاعل، وأصبح انشغاله الحاد بالتقاليد والعادات وبالتدين بصورته الشعبية والأصولية؛ ولكن رؤيتهم «الديمقراطية حصرا» أنذاك أيضا لم تسمح لهم بالتمدّد الفعلي. وبعد الخروج من السجن، حدث تلاقٍ بينهما، وعلى أرضًية تثمين الدًيموقراطية ضمن سياقليبرالي ونبذ كل ما هو ماركسي ولا سيما اللينيني منه ومحاولة تبني الماركسيين الذين انتقدهم لينين بالتحديد، كبرنشتين وكاوتسكي وإعلاء شأن بليخانوف رغم أن لا أحد بين الماركسيين يقلل من شأن الأخير، بمن فيهم لينين، متوهمين أن لينين، افتتح الطريق الخاطىء في التاريخ وسيّره على رأسه بدل قدميه الرأسماليتين؛ وهم تورطوا برؤيته الحالمة والفاشلة، وفشلوا، «فالله يلعن لينين على دفعنا نحو ذلك الطريق الطفولي الساذج». العقل الشيوعي هذا ليس جديدا فهو نفس العقل السائد في الأربعينيات في الأحزاب الشيوعية، حينما كانت تدعم «الرأسمالية الوطنيًة» وتنبذ المشروع الماركسي ،وكل خصوبته نحو تعددية في طرق التطور؛ ولكن بعد القطع مع الفكر البرجوزاي، ووهم قضية أن للطبقات البرجوزية دورا رئيسيا في التطور، وهو ما فشل ليس من جراء الانقلاب العسكري فقط في تلك البلدان «التقدميةً»، بل وًفي كل من البلدان التي سارت نحو الرأسمالية كما المغرب وتونس ،وسواهما .
هذا لم يحصل، ولذلك بقي اليسار السوري) 4(، بتياراته المتعددة ضمن الرؤية الليبرالية. وفي موقعه هذا كان ولا يزال هامشيا، فلا الأصل موجود، ولا هو قادر أن يحّلّ مكانه كذلك، أي لا توجد رأسمالية قادرة أن تكون ليبرالية فيً السياسة كما أشرنا أعلاه، ولا هم قادرون على تسلمّ السلطة.
هذه التيارات، ربما باستثناء بعض المجموعات اليسارية والأفراد اليساريين، أيدت كل خطط السلطة السورية المتعلقة بالسياسات الليبرالية الجديدة،- ومن انتقد تلك السياسات من قوى شيوعية رسمية وشبه رسمية منشقة عنها )تيار قاسيون(، انتقدتها في إطار تأييد السلطة، أي في إطار انتقادات خافتة وانطلاقا من التحالف الوثيق الصلة معها ومن أجل توطيد وتطوير ذلك التحالف!، ولا تزال القوى الأخيرة هًذه منضوية في مؤسسات النظام، بل ومع بدء الثورة صارت جزءا من النظام، ورغم أن الثورة شعبية بشكل واضح، وتكاد أن تسقطه تماما- نقدها ذاك للسلطة كان يًتمحور في احتكارها للبرلة ،وإجرائها للتحول في إطار النظام الشمولي التسًلطي، والذي صار ينافسهم على التوجه الليبرالي، هو في الاقتصاد وهم في وهم السياسة كـ «ليبراليين سوريين». ينطبق هذا الكلام عن القوى «اليسارية »المتلبرلة، ولا سيما حزب الشعب الديمقراطي وحزب العمل، فالاثنان كانا متأزمان ورؤيتهما ضيّقة ومحدودة، فلا النظام استطاع إجراء تحول ليبرالي إقتصادي حقيقي، وهذا غير ممكن بالأصل بسبب الطبيعية الكولونيالية لبلادنا، ولا هم تبنوا سياسات ليبرالية حقيقية، بسبب الضعف المعرفي بها ،وبسبب عزلتهم التاريخية، وغياب الفكر الليبرالي وعدم تأصيله فلسفيا، فجاءت ليبراليتهم مشوشة بالكامل، عدا عن تعقد الواقع السوري والعالمي، وعدم قدرة اليسار العالمًي والعربي والسوري، إنتهاج سياسات وبرامج واضحة الدلالة، وبالتالي اكتفى اليسار المتلبرل، بتحليلات هي أقرب للشعارات والتمرد والإحتجاج والنزق السياسي، المنعزل عن الواقع.!
المعارضة والثورة:
انطلقت الثورة وأجواء المعارضة )الليبرالية( كما حللناها، فحاولت الاستيلاء عليها، وعبر عقليتها القديمة نفسها، وحدّدتها بأنهّا ثورة حرية وكرامة، ومستغلة واقع تغييب السياسة وإرثها الشخصي ضمن المعتقلات وهو ما نحترمه، ولكننا نضعه جانباً في إطار قضايا الحقوق العامة والتي على السلطة القادمة أن تحققها لأصحابها وللمجتمع ككل، وبالطبع إظهارها وإشهارها، إعلاميا وسياسياً وقانونيا وبكل الطرق؛ ولكن ومجدداً نضعها جانبا في إطار التحليل السياسي، فهي لا تعنيًنا لا من قريب وًلا من بعيد، بل الذي يعنينا تحليل السياسًات؛ فلقد كرست المعارضة فكرة ثورة الحرية ،وأكثر من كرسّ ذلك هي تلك القوى اليسارية المتحولة نحو الليبرالية، ليس مع عام ألفين بل منذ الثمانينيات، ولكن تكّشّف موقفها النهائي بالمعنى السياسي والمعرفي كان يتطور وتبلور وبشكل ملتبس ولا سيما بعد الألفية الجديدة.
الثورة التي انطلقت، انطلقت في شروط اجتماعية جديدة، سوريا وعربيا وبتأثير شروط عالمية سابقة عليها وتمتد إلى 2008، أي مع الأزمة المالية في أمريكا وأوربا، والتيً تعمّقتً إلى أزمة نمط إنتاج وليس فقط أزمة مالية. وهذه الشروط هي: جملة السياسات الليبرالية التي انتهجتها السلطة السورية ،وبسبب انتهاء مشروع النظام» التقدمي» وبسبب تشكّل طبقة برجوزاية كولونيالية جديدة في رحم السلطة نفسها، ومن جراء الفساد والنهب، وبالشراكة مع الرأسمالية المحلية التي بقيت في سورية بعد فترة السبعينيات.
هذا الواقع تطلب منها تغييرا في السياسات الاقتصادية، فكانت السياسات الليبرالية، وقد تفاعلت نهبا وإفقارا ودمارا للزراعة وًللصناعة وللشرائح الدنيا في الطبقات الوسطى والصغيرة، وللأجور وللعًملة، وهًو ما حتًمّ الثورة .
المعارضة تلك لا ترى هذه الشروط ولا تريد أن تراها، فالتقطت مفردة الحرية التي رفعها السوريون بداية وبدفع من شباب يساري وليبرالي، ضمن لافتات الثورة، وتقول «الله سورية حرية وبس »لتعمم مفهوم ثورة الحرية، بينما كان المقصد من ذلك، الخلاص من النظام بكليته، وإذا كان ذلك الشباب يريد فعلاً فقط التحول الديمقراطي، وبعضه الثورة بالمعنى الذي نحللّ، فإنّ الثورة كانت تريد قضايا أخرى مهمة؛ فرفعت شعارت واضحة ضد الفساد وضد رامي مخلوف وضد محافظ حمص، يعني ضد ممثلي السياسات الليبرالية والنهب بكل بساطة ووضوح، وبالتالي الثورة ثورة على النظام بكليته اقتصادا وسياسةً وثقافةً وتعليما، وتقودها بشكل رئيسي الطبقات المفقرة من فلاحين ومهمشين وعاطلين عنً العمل وطلاب، وبالتالًي جسدها الطبقي، هو جسد متضرّر من السياسات الليبرالية بالتحديد ومن النظام الشمولي التسلطي الذي يحميها.
اليسار الليبرالي، لم يلتقط هذه التحولات، وبقي أسيراً لبنيته الفكرية المستهلكة، والتي تلاقت معمناخ دولي عولمي بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، فأعلى من شأن الليبرالية والديمقراطية والحرية بل وفكرة المكونات المجتمعية )الطائفية( المطروحة في العراق وقبل ذلك في لبنان، بينما مع أزمة 2008 صارت هذه العولمة وأساساتها الرأسمالية كلها في إطار مرحلة جديدة، هي مرحلة التحول المجتمعي نحو نظام جديد، يتملس طريقه عالميا عبر حركات يسارية واشتراكية ومناهضة للعولمة وشعوب ناهضة، وأهمها على الإطلاق الثورات العرًبية، كثورات ضد الليبرالية الجديدة بشكل أساسي وضد الشمولية وضد مختلف أشكال القمع، وتستهدف إعادة تكوين المجتمعات، ولكن هناك الكثير الكثير من المشكلات المركبة والمعقدة.
أهمية لينين:
اليسار المكرسّ، لا يزال تائها، ومنه من أصبح ليبرالياً محدود التفكير والسياسات والرؤى، وأكثر مآثره الفكرية التشنيع بلينين ليسً كفكر بل وكشخص!، ولكن الحقيقة أن الشعوب بثوراتها العظيمة تتطلب بالتحديد المنهجية الماركسية التي أخذ بها لينين وغير لينين، وإن أهمية لينين بالتحديد تتأتى من تثمينه الثورة كضرورة تاريخية، ما دامت الشروط التاريخية تفترضها وما دام الماركسيون أنجزوا بناء أحزابهم وتجمعاتهم أو ما دام الشعب بدأ ثورته بغياب تلك الأحزاب أيضا، وقد قطع الرجل «أبو صلعة وسكسوكي» مع أي تفكير إصلاحي أقرب للليبرالية والكليشات الديمًوقرطية المقطوعة الصلة عن أية رأسمالية قادرة على حل مشكلات الأزمة الاجتماعية البنيوية. اليسار الثوري، معني بالتحديد، ليس بدور جديد بل بأن يلعب دور المقرر في سيرورة التأسيس دولة جديدة تمثل مصالح جميع طبقات المجتمع انطلاقاً من دور مركزي للطبقات المفقرة في إحداث تلك السيرورة، وبما يثمّن مكتسبات الحداثة والماركسية منها، ويعي جيدا مشكلات الاشتراكية الاستبدادية السابقة، ويتجه نحو بناء أوطان وعالم جديد بدلالات كل مكتسباتً الحداثة.
اليسار السوري الثائر، هو جزء من الثورة، ومعنيّ بتحديد أهدافها، والمساهمة في حل مشكلاتها، إلى أن يسقط النظام وما بعد إسقاطه. هذا اليسار، من مهامه توضيح أهداف الثورة، ضمن رؤى عن أوضاع الزراعة والصناعة ولصالح تطوير الاقتصاد بشكل دائم، ومعنيّ بالشكل العلماني الديموقراطي للحكم، وأن يكون الأفراد متساوون في القانون، وبدولة حديثة وبلا أراض محتلة؛ وفي هذا يشكل ائتلاف اليسار السوري)5(، وعبر وثيقته وصفحته الالكترونية ونشرته «اليساري» ونشاطاته العامة ،قوة سياسية يسارية واضحة المعالم، كتيار فكري وسياسي ناشط في الثورة ومن أجل انتصارها .
الثورة السورية، ثورة الطبقات المفقَرة بشكل رئيسي وثورة شرائح من الطبقات المتوسطة، ونخب من السياسيين الليبراليين وغيرهما، وتشترك القوى الإسلامية التاريخية فيها كذلك؛ هذه القوى معنية بصياغة سياسات واضحة لكل مناحي الحياة، والابتعاد عن التعميمات الإنشائية.
المشكلة التي سترافق السوريين، هي هذه السياسات بالتحديد، فما هو مطروح الآن، عبر وثائق وبيانات وورش عمل وسياسات، من قبل المعارضة المكرّسة ولا سيما المجلس الوطني بقواه والائتلاف الوطني بتشكيلاته، وهيئة التنسيق الوطنية بقواها، – وكلها وطنية والحمد لله- هي السياسات الليبرالية، سواء في إطار الاقتصاد أو السياسة، مع التباس العلاقة بين الشريعة والدستور ومختلف القوانين، وبالتالي ستجد الطبقات التي قاتلت النظام طول زمن الثورة أنها أمام ضرورة ثورية جديدة ،تطيح بالمعارضة وقد صارت سلطة، وبالتالي سيكون لدينا فرز جديد وواضح الدلالات في إطار اليسار وفي إطار الليبرالية ذاتها؛ وأي تحليل ولو أولي لتلك السياسات ولممارسات تلك المعارضة، يشير بوضوح جليّ أنها ليست معنية بأهداف الثورة، بل معنية فقط أن تكون السلطة البديلة، وبواجهة ديموقراطية شكلية، وستستمر في السياسات الليبرالية ذاتها، وفي التباس الدين والدولة، وسيكون النظام السياسي القادم عرضة لمحاصصات طائفية، وهذه تدفع لها الدول الإقليمية والدولية، وبالطبع تنسجم مع رؤية القوى الأصولية، عدا عن أن النظام عمل من أجل ذلك منذ اليوم الأول للثورة؛ فإن لم يخمد الثورة، فلا بأس أن تتشوّه في الطائفية والعائلية والعشائرية، وسيكون بذلك لقوى النظام حصة في ذلك، هذا ما وضعه كجزء من سيناريوهات الحل! .
اليسار الماركسي والمستقبل:
هذه القضايا تعقّد المهمة أمام اليسار الثوري، ولكنها تفضح تماما القوى الليبرالية ومنها اليسار المتلبرل، حيث وبعد إسقاط النظام، ستتعرى كل المعارضة المكرسةً وغير المكرسة، أمام الشعب ،فالثورة ثورة هذا الشعب، ولا يمكنه التراجع سيما وأن هدفه المركزي قد تحقق، وبالتالي سيحاول إكمال تحقيق أهداف الثورة في اقتصاد صناعي وزراعي متين وفق مفاهيم التنمية، ونظام سياسي ديمقراطي وأقرب للعلمنة، ووطن بأرض محررة بالكامل؛ قضايا الثورة هذه، لن تحققها أبدا القوى الليبرالية، لأنها ليست معنية بأي مشروع تاريخي، وفق الطريقة الأوربية، بل معنية فقطً بأن تثأر لنفسها من نظام لطالما بطش بها، وبالنسبة لأصحاب الأموال سيسعون للسيطرة على الدولة ،وتكريس سلطتهم عليها، وإجراء تعديلات كاملة فيها، بما يتوافق مع تأبيد سلطتهم الجديدة ،نعم، اليسار السوري، يتكئ على المنهجية الماركسية، بما فيها إضافات لينين وغرامشي وماو، وو، في فهم الثورة وماضي الأحزاب الشيوعية السورية، وماضي الاشتركية الاستبدادية، ولكنه معني بجدية بالغة في مواجهة السياسات الليبرالية، وكل تحالفاتها من قوى سياسية متعددة.
دوره هذا، سيشقه عبر النظام الديمقراطي، بل وسيساهم هو في تأسيس ذلك النظام، ونحن نزعم أن عدم وجود دور مركزي لليسار في نظام الحكم القادم، سيعزز كل الاتجاهات السلبية في شكل الحكم وفي الاقتصاد وفي كل مستويات الدولة القادمة، وذلك لأن الطبقات الثرية والقوى السياسية الليبراليةلا تملك أي مشروع تاريخي للمجتمع، وتستغرق نفسها كلية بقصص الديمقراطية والعولمة والثأر من الاشتراكية والتصالح البائس مع الطوائف، وبالتالي تنتهج أسلوب المحافظة الاجتماعية والانفتاح العبثي مع الخارج الإمبريالي، والتخبط في شكل النظام السياسي









