محمد خالد
في الأيام الماضية شغلت مواقع التواصل الاجتماعي ضجة حول أمسية فنية.. انقسم الناس فيها فريقين، كل فريق يرى في موقفه دفاعا عن البلد نفسها.. فمن قائل إن الناس تعبت ومن حقها أن تفرح، ومن قائل إن الجرح لم يندمل بعد وأن للفرح أدبا وأولويات.. وبين الصوتين وقف كثيرون حائرين.. يحبون هؤلاء وهؤلاء
وأصدقكم القول.. لا موقف عندي ممن أراد الحضور، ولا موقف عندي ممن رفضه، ولا أزعم أني أعلم أي الرأيين أقرب إلى الصواب.. ربما شغلتني هموم أخرى عن المسألة كلها، وما رأيت في الفعلين خطأ يستحق كل هذا الصخب.. إنما رأيت الخطأ.. كل الخطأ، فيمن يشنع على مخالفه ويسوق الاختلاف إلى باب الخصومة، فيجعل من مسألة كهذه عداوة يستعدي بها الناس بعضهم على بعض
وهذا التدافع أعمق من مناسبة عابرة.. هذا مجتمع خرج قبل قليل من عقود ضبط فيها المجال العام بالقوة، فلما انفتح الباب وجدنا أنفسنا نتفاوض لأول مرة، وعلى الهواء مباشرة حول سؤال مؤجل من زمان:
ما الذي يليق بساحتنا المشتركة؟.. ثم إن سنوات الألم لم تصنعنا على قلب واحد.. قوم زادتهم المحنة تمسكا بالدين والتحفظ وكان ذلك نجاتهم، وقوم رأوا في استعادة مظاهر الحياة العادية دليلا على عودة الحياة و أن الموت لم ينتصر.. وكل منهم يحمل جرحه بصدق
ثم جاءت وسائل التواصل فصيرت الاختلاف الطبيعي معركة.. هي لا تنقل الأصوات كما هي، إنما ترفع أشدها حدة وتدفن أوسطها، حتى يظن كل فريق أن الآخر جيش زاحف عليه، وهو في حقيقته طيف واسع أغلبه متفهم قريب
وما هذا الامتحان ببدع فينا.. اليابان يوم نهضتها لخصت طريقها، جمعت الروح اليابانية والتقنية الغربية.. أخذت من العالم أدواته وحرست خصوصيتها فما تمزقت.. وإندونيسيا أكبر بلاد المسلمين، تعلمت أن تدير تنوعها بالحوار المفتوح والخصوصية المحلية، فما يناسب مدينة قد لا يناسب أختها.. ولا حرج ولا قطيعة
فكيف نعبر نحن؟..
أولها أن نفرق بين الاختيار الشخصي والفضاء المشترك، فالشخصي بابه الإقناع والقدوة الحسنة، والمشترك بابه التوافق والتدرج ومراعاة شعور عامة الناس في كل بيئة ومدينة أو منطقة.. وثانيها فقه الأولويات، فبلد يرمم بيوته ويسأل عن غائبيه أحق أن تكون كبرى معاركنا في إعماره وعدالته، لا في مناسباته.. وثالثها حسن الظن، فمن حضر ما أراد استفزاز أحد، ومن تحفظ ما أراد مصادرة فرح أحد.. ورابعها أن نحرم على ألسنتنا لغة التخوين والتسفيه، فالمجتمع لا يقوم ونصفه متهم عند نصفه الآخر …
يبقى أن المجتمع السوري واسع.. وسع الجميع من قبل على اختلاف المشارب والطوائف والأعراف، وما ضاق إلا يوم تدخل من أراد أن يجعله نسخة واحدة.. فلنختلف كما يختلف الإخوة بصوت منخفض وقلب سليم وتقديم للجامع على الفارق






