حلتّ ذكرى النكبة الأولى هذا العام على الفلسطينيّين في سوريا وهم في خضمّ نكبة جديدة ،فيصحّ استعادة قولهم أنهّم في «نكبة مستمرةّ» منذ خمسة وستين عاما. وفي جديدهم شراكة السورييّن لهم في مظلوميّتهم، حيث ترُكوا سوياّ لتعُمل السلطة، التي فقدت أيًّ صلة لها بما عهدناها تقوله من وطنيّة وقوميّة، فيهم القتل. وبعد أن اسًتقبل اللاجئون الفلسطينيّون في مخيّماتهم النازحين السورييّن إليها، عاد وارتحل جزء منهم مع أقرانهم باحثين عن سبل النجاة من القصف والتقتيل، وبقي بعضهم تحت نيرهما. وفي طيّات الحدث، بالإضافة للمأساة، يبرز تناقض يهدّد القضيّة الأولى بالتضاؤل أمام وقع ما يفعله الأخ بأخيه في الثانية، لولا أنهّا )أي الأولى( كانت بداية لتيه لا ينتهي حين حّلّ المستوطن الدخيل محّلّ أغلب أهل الأرض، الذين هاموا على وجوههم في ترحال لا تبدو له نهاية.
في ذكرى النكبة الفلسطينيّة الأولى، يطّلّ السؤال عن أثر ما يحصل في سوريا على القضيّة التي خرجت من رحمها؛ وللإشكاليّة وجهان: من جهة، نحن أمام فلسطينيّين يجدون أنفسهم وحدهم دون بقيّة أبناء شعبهم الموزعّين بين الوطن والشتات، يشتركون مع أقرانهم السورييّن في الشقاء والفاقة، ويمدّون لبعضهم البعض يد العون، فيسألون أنفسهم عن معنى هويتّهم الوطنيّة إن لم تكن ما يحصل في نطاق سوريتّهم، وعن معنى الترك والانفصال إن لم يكن ما يفعله إخوانهم في القضيّة؟ ومن جهة أخرى، هناك اضطراب في معنى العدوّ، فمهما حاول الواحد منهم منع نفسه، لأسباب سياسيّة، إلّا أنهّ يجدها وجهاً لوجه مع المقارنة بين ما يفعله الجيش والأمن السورييّن من قتل وتدمير وذلّ واغتصاب ومذابح بشتىّ أنواع الأسلحة، ومنها البلطات والسكاكين، وبين سلوك الاحتلال الإسرائيليّ مع الشعب المحتّلّ. وهي المقارنة التي لابدّ تجري في مخيلّة كّلّ مهتمّ بالمنطقة وشؤونها، داخلها أو من خارجها. ما يبرّر الخشية من أن يزداد اعتياد السلوك الإسرائيليّ، أو حتىّ أن يجد من يسخّفه أمام هول ما فعله ويفعله حكم الطغمة الأسديةّ. المعضلة الثانية تظهر حينما يسأل الشبّان أنفسهم إن كان من المعقول أن يرضوا دعوة من يقتلهم اليوم وأخرجهم من بيوتهم وأذلهّم لقتال من فعل ذلك قبل عقود.
تنشأ الإشكاليّتان، سابقتا الذكر، من وقائع عصيّة على التجاوز والتبرير السهل أو التناسي، وتدُخل أصحابها في أتون أسئلة وجوديةّ من المنطقيّ توقعّ أنهّا ستنعكس على خياراتهم الآنيّة والمستقبليّة ،حيث لا يعود من الكافي الحديث عن تمسّكهم بوطنهم الأوّل وعدائهم مع من نكبهم فيه، الأمر الذي لا غبار عليه، حيث لا يوجد ما يشير إلى تخليّهم عن قضيّتهم الأولى، بل يجب الحديث عن هويتّهم الثانية التي عادت وتعمّدت بالتضحيات والدم والنزوح ونشوء عدوّ جديد فعل بهم ذلك. وهو ما من الصعب تصوّر أن يوجد في وعيهم بشكل منفصل – كما يمكن أن نفعل على الورق – وإنمّا في سياق علاقة ستحمّل العدوّ الأوّل المسؤوليّة عن كّلّ ما لحق بهم بعد انتزاعهم من وطنهم الأوّل، وتنظر للآخر كشريك في احتلالهم، ليس فقط بما فعله مؤخّراً، وإنمّا لما كان طوال الوقت يفعله، من عداء للحركة الوطنيّة الفلسطينيّة ومنع المقاومة من الجولان بالحديد والنار. وإذا كان من المؤكََّّد أنّ إنتاج هذه الأفكار بشكل منسّق يحتاج لقوى سياسيّة تتبنّى هذا التفسير، وهو ما يلاقي مقاومة من قوى سياسيّة فلسطينيّة مدفوعة الأجر، وتقصيراً من المعارضة السوريةّ، إلّا أنّ التفسير نفسه قادر، في سياق استحكامه بأصحابه ،على إنتاج قوى سياسيّة أو ثقافيّة، أو كلاهما، تعبّر عنه. بينما بإمكان أيّ من الكوادر القديمة في الحركة الوطنيّة، والقوميّة، أن يشير إلى أنّ مثل هذا الكلام كان يقال في مرحلة صعود الحركتين بحقّ من قام بـ «الحركة التصحيحيّة»، والنظام الذي نتج عنها.
يعيش السوريوّن والفلسطينيّون السوريوّن ذكرى النكبة الأولى )وهي عربيّة بمقدار ما هي فلسطينيّة( وهم يتعرّفون على بعضهم البعض من باب نكبتهم الحاليّة، التي تحتاج لمن يسميهّا باسمها، ونعمل في سلسلة من الملّفّات على تسليط الضوء عليهم؛ مرةّ، كما هم في الواقع، جماعة واحدة بما فيها من تنوّع، ومرّة ندققّ في تفاصيل إشكاليّات إحدى الجماعتين بما يتضمّن النظر في علاقة الواحدة منهما بالأخرى.









