عاصمة العروبة تحتضن من يدخلها بسلام .
فارس الذهبي
زيارة السفير التركي في دمشق نوح يلماز إلى مقام السيدة زينب، ثم وقوفه عند قبر المفكر الإيراني علي شريعتي، تفتح باباً أوسع من حدود زيارة دبلوماسية عابرة. فالسفير اطّلع على أعمال الترميم الجديدة التي تنفذها محافظة ريف دمشق، ثم زار قبر شريعتي في المقبرة الملحقة بالمقام. هكذا اجتمعت في صورة واحدة سوريا الجديدة، وتركيا، وإيران الثقافية التي يمثلها واحد من أشهر مفكريها في القرن العشرين.
غير أن السؤال الأهم يسبق زيارة السفير التركي بنحو نصف قرن: ماذا يعني أن ينتهي جسد علي شريعتي إلى دمشق؟ ولماذا استقرت رفات مفكر إيراني كبير في المدينة التي حملت في الوعي العربي الحديث لقب عاصمة العروبة؟
توفي شريعتي في بريطانيا عام 1977، قبل الثورة الإيرانية بعامين، ثم نُقل جثمانه إلى دمشق ودُفن بالقرب من مقام السيدة زينب، وتفيد مصادر أكاديمية بأن ذلك جاء موافقاً لرغبته الأخيرة، مع دور للإمام موسى الصدر في ترتيبات الدفن والجنازة.
يمكن قراءة ذلك الاختيار من زاوية أوسع من الانتماء المذهبي. شريعتي الإيراني، الفارسي اللغة، الذي عاش تجربة فكرية أوروبية ودرس في باريس وانشغل بأسئلة التحرر والعدالة والهوية، انتهى إلى دمشق. وهذا وحده يحمل معنى ثقافياً بالغاً: عاصمة العروبة كانت في وعي رجل إيراني كبير مكاناً يتسع له بعد الموت، كما اتسعت عبر قرون لشخصيات جاءت إليها من جهات وثقافات ودول مختلفة.
العروبة التي صنعت دمشق صورتها الحضارية لم تقم على انغلاق عرقي أو جغرافي. لقد كانت، في أكثر تجلياتها ثراءً، حاضنة لشعوب المنطقة ولوافديها وعلمائها وقادتها ومتصوفيها وفلاسفتها. والعربية نفسها تحولت في دمشق ومدن المشرق إلى فضاء ثقافي شارك في صنعه العربي والفارسي والتركي والكردي والأندلسي وآخرون. ولهذا فإن وجود قبر شريعتي في دمشق يبدو امتداداً لتقليد دمشقي أقدم بكثير من الصراعات السياسية الحديثة.
يكفي أن ننظر إلى خريطة قبور المدينة لكي نفهم هذا المعنى. في دمشق يرقد صلاح الدين الأيوبي إلى جوار الجامع الأموي، ويرقد السلطان الظاهر بيبرس في المدرسة الظاهرية، ويستقر الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي، القادم من الأندلس، في الصالحية. وتذكر المصادر القديمة دفن الفارابي في منطقة باب الصغير. أما السلطان العثماني الأخير محمد السادس وحيد الدين، فقد انتهت رحلته في المنفى إلى قبر في التكية السليمانية بدمشق.
والأمير عبد القادر الجزائري يقدم مثالاً أكثر دلالة. عاش ربع القرن الأخير من حياته في دمشق، وتوفي فيها عام 1883 ودُفن إلى جوار ابن عربي، وبقيت رفاته في ترابها قرابة ثمانية عقود، قبل أن تُنقل إلى الجزائر بعد الاستقلال عام 1965. دمشق احتضنت الرجل الجزائري في حياته ومنفاه وموته، مثلما احتضنت قبله وبعده شخصيات لم تجمع بينها جنسية واحدة أو سلالة واحدة أو دولة واحدة.
هذه المدينة صنعت عروبتها من قدرتها على الاستيعاب. قوتها التاريخية جاءت من قدرتها على أن تجعل القادم إليها جزءاً من ذاكرتها من دون أن تطلب منه التخلي عن أصله. الأندلسي بقي أندلسياً وهو يرقد في الصالحية، والجزائري بقي جزائرياً وهو يعيش في دمشق، والعثماني بقي عثمانياً وهو يدفن في التكية السليمانية، والإيراني بقي إيرانياً وهو يستقر بالقرب من مقام السيدة زينب. وفي الوقت نفسه أصبحوا جميعاً جزءاً من ذاكرة دمشق.
من هنا يمكن قراءة اختيار شريعتي. رجل يعرف تاريخ المنطقة ويدرك مكانة دمشق يستطيع أن يرى فيها مدينة تمنح الغريب حقه في الذاكرة. وهي المدينة التي احتضنت في وجدانها الديني مقاماً منسوباً إلى السيدة زينب، حفيدة رسول الله، وظلت العناية بالمقام والزيارة إليه جزءاً من تاريخها قروناً طويلة؛ وتشير الدراسات إلى أن المقام عرف زواراً من مذاهب متعددة منذ عصور مبكرة.
وقد يكون هنا أحد أجمل المعاني التي يحملها قبر شريعتي: رجل إيراني كبير أدرك أن مدينة كرّمت ذكرى السيدة زينب وحفظت مقامها ستعرف كيف تحفظ أيضاً قبر رجل جاءها من إيران. اختياره دمشق، في هذه القراءة، شهادة على الثقة بالمدينة قبل أن يكون تعبيراً عن هوية مذهبية. إنها ثقة بأن للموتى حرمة، وللمفكر مكانة، وللغريب حقاً في تراب المدينة وذاكرتها.
وهنا يصبح قبر شريعتي شهادة إيرانية على معنى من معاني العروبة نفسها.
فالعروبة التي تمثلها دمشق في هذا السياق ليست مشروعاً لمحو الهويات المحيطة بها، وإنما فضاء يستطيع الإيراني أن يجد فيه مكاناً، والتركي أن يجد فيه مكاناً، والكردي والأرمني والجزائري والأندلسي أن يدخلوا في نسيج المدينة من دون أن يفقدوا أسماءهم الأولى. قبر شريعتي يقول بصمته إن الانتماء العربي لدمشق قادر على احتضان ذاكرة فارسية، كما احتضن من قبل ذاكرات جاءت من الأناضول والمغرب والأندلس وآسيا الوسطى.
ولهذا أيضاً تحمل اللحظة السورية الراهنة مفارقة تاريخية قاسية.
فالمعنى الذي أقر به شريعتي عملياً عندما استقر جسده في دمشق تعرض خلال العقود اللاحقة لاختبار مختلف تماماً. الجمهورية الإسلامية الإيرانية حولت علاقتها بسوريا تدريجياً من علاقة دولة بدولة إلى شبكة نفوذ سياسي وأمني وعسكري عميقة، ثم اتسعت هذه الشبكة خلال الثورة السورية والحرب التي تلتها، مع تدخل حزب الله وفصائل عراقية موالية لطهران إلى جانب قوات الأسد.
ومن زاوية سورية نقدية، تبدو تلك التجربة على طرف نقيض من الرسالة الرمزية التي يحملها قبر شريعتي. شريعتي جاء إلى دمشق ميتاً طالباً مكاناً في ذاكرتها، بينما جاء المشروع الإيراني اللاحق حاملاً مشروع نفوذ داخل الدولة والمجتمع والجغرافيا. قبر المفكر يمثل حضوراً إيرانياً تقبله دمشق وتحتضنه؛ أما القوة العسكرية العابرة للحدود فقد ارتبطت في الذاكرة السورية بالحرب والقهر والتغيير السياسي والاجتماعي الذي عاشته البلاد.
وهنا تبرز المفارقة: أحد كبار مثقفي إيران وجد في دمشق معنى التسامح والاحتضان، فيما أسهمت سياسات الجمهورية الإسلامية الإيرانية وحزب الله وقوات الأسد والفصائل العراقية المرتبطة بطهران، خلال سنوات الثورة والحرب، في إنتاج صورة مناقضة لدى قطاعات واسعة من السوريين. وبين الصورتين مسافة هائلة: الإيراني الذي يودع جسده أمانة لدى دمشق، والقوة الإيرانية التي تسعى إلى امتلاك موقع داخل قرار دمشق.
هذه المقارنة تمنح اهتمام الدولة السورية الجديدة بقبر شريعتي معنى سياسياً وثقافياً مهماً. محافظة ريف دمشق تشرف اليوم على أعمال ترميم في مسجد السيدة زينب، والسفير التركي يزور الموقع وقبر المفكر الإيراني. الدولة السورية تستطيع من خلال هذا المشهد أن تقول شيئاً شديد الدقة: المقام جزء من الذاكرة السورية، وقبر شريعتي جزء من الذاكرة السورية، وحماية الاثنين مسؤولية سورية.
وهذا المعنى أكثر عمقاً من إزالة النفوذ الإيراني من مكان واستبداله بنفوذ آخر. القضية تتعلق باستعادة وظيفة دمشق نفسها. العاصمة تستطيع أن تستقبل الإيراني والتركي والعربي من موقعها هي، وأن تحمي الرموز الدينية والثقافية من داخل مفهوم السيادة، وأن تفصل بين احترام ثقافة شعب وبين الخضوع لمشروع دولته.
وهنا أيضاً نفهم الدلالة الخاصة لزيارة نوح يلماز.
سفير تركيا يقف أمام قبر إيراني في أرض سورية. تبدو الصورة للوهلة الأولى وكأنها تجمع القوى الإقليمية الثلاث التي تنافست على المشرق قروناً طويلة: العرب والفرس والأتراك. لكن ترتيب المشهد هذه المرة مهم: القبر إيراني، والزائر تركي، والأرض سورية، والجهة التي ترمم المكان محافظة ريف دمشق.
إنها صورة يمكن أن تحمل تصوراً جديداً للعلاقة بين سوريا وجوارها: دمشق مركز اللقاء، وليست أرضاً يقتسم الآخرون النفوذ فوقها.
وزيارة الدبلوماسي التركي لقبر شريعتي تمنح المعنى بعداً إضافياً. أنقرة تستطيع أن تتنافس مع طهران سياسياً، ثم يذهب سفيرها في دمشق إلى قبر واحد من أبرز مفكري إيران احتراماً لذاكرته. هذا السلوك يفصل بين إيران باعتبارها شعباً وثقافة وحضارة، وبين السياسات التي اتبعتها الدولة الإيرانية في سوريا. وهو تفريق تحتاجه سوريا الجديدة أيضاً، لأن مستقبل علاقتها بالإيرانيين لا ينبغي أن يبقى أسيراً لمرحلة الحرس الثوري وحزب الله والميليشيات.
قبر شريعتي يقدم مدخلاً ممتازاً لهذه المصالحة مع المعنى الثقافي لإيران. السوري يستطيع أن يرفض المشروع الإيراني الذي شارك في قمع ثورته، وأن يحترم في الوقت نفسه مفكراً إيرانياً يرقد في دمشق منذ عام 1977. يستطيع أن يصون مقام السيدة زينب، وأن يرفض توظيفه غطاءً لتشكيلات عسكرية عابرة للحدود. ويستطيع أن يستقبل زائراً إيرانياً أو تركياً أو عراقياً من خلال دولة تستعيد سلطتها على أرضها وذاكرتها.
هنا تظهر قيمة العروبة السورية في أكثر صورها نضجاً: القدرة على التمييز بين الآخر وبين المشروع السياسي الذي يتحدث باسمه.
ولهذا فإن استعادة الدولة السورية الاهتمام بالمقام وبقبر شريعتي بعد الثورة تحمل رسالة أكبر من أعمال الترميم. إنها استعادة لفكرة دمشق نفسها؛ المدينة التي تحمي ضريح صلاح الدين وبيبرس وابن عربي، والتي حفظت رفاة عبد القادر الجزائري عقوداً، والتي منحت آخر سلاطين العثمانيين قبراً، والتي استقبلت جسد مفكر إيراني كبير قبل قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
ومن هذه الزاوية يصبح قبر شريعتي واحداً من شواهد عروبة دمشق، لا استثناءً عليها.
إنه يقول إن عاصمة العروبة امتلكت من الثقة بهويتها ما جعلها قادرة على احتضان الآخر، وإن التسامح هنا نابع من قوة الهوية واتساعها. وشريعتي نفسه، حين ارتبطت نهايته بدمشق، أقر عملياً بهذه الخاصية: المدينة العربية تستطيع أن تحفظ الإيراني في أرضها من دون أن تتحول إلى مدينة إيرانية، مثلما حفظت الأندلسي والجزائري والتركي والكردي من دون أن تفقد اسمها وهويتها.
وعندما يقف اليوم سفير تركي أمام قبر ذلك الإيراني، فيما تتولى مؤسسة سورية رعاية المكان، تكتمل دلالة المشهد: دمشق تستعيد موقعها من ساحة تتصارع عليها مشاريع الآخرين إلى عاصمة تستقبل الآخرين تحت سقفها.
ولعل هذا هو المعنى الأبعد للزيارة. شريعتي احتاج إلى دمشق كي تمنحه وطناً أخيراً، ودمشق اليوم تستعيد حقها في أن تقرر معنى وجود شريعتي على أرضها. وبين اللحظتين نصف قرن من السياسة والثورات والحروب.
أما القبر، فيبقى شاهداً على حقيقة أكثر رسوخاً: عروبة دمشق كانت قادرة على احتضان الإيراني، كما احتضنت شعوب المنطقة كلها؛ والتحدي بعد الثورة السورية هو أن تستعيد هذه العروبة معناها الحضاري، وأن تجعل من التسامح والسيادة وجهين لمدينة واحدة.






