فارس الذهبي
غيّر سقوط نظام بشار الأسد المشهد السياسي في سوريا، فيما بقيت تداعيات المرحلة السورية حاضرة بقوة في لبنان. فالجغرافيا المشتركة، والحدود الطويلة، وشبكات المصالح والسلاح والتهريب التي تشكلت خلال عقود، جعلت البلدين جزءاً من فضاء أمني وسياسي متداخل يصعب فصله بمجرد تبدل السلطة في دمشق.
ومنذ سقوط النظام السوري السابق في ديسمبر/كانون الأول 2024، دخلت سوريا مرحلة سياسية وأمنية جديدة، بينما وجد لبنان نفسه أمام ارتدادات إضافية للصراع السوري. فقد تحولت بعض مناطقه الحدودية إلى نقاط عبور محتملة لأشخاص وشبكات ارتبطت بالنظام السابق، في وقت تستمر فيه قوى إقليمية في استخدام الساحة اللبنانية ضمن صراعات النفوذ في المنطقة.
تظهر هنا أزمة الدولة اللبنانية بصورة واضحة. فضعف المؤسسات، وتعدد مراكز القوة، وانتشار السلاح خارج الأجهزة الرسمية، وهشاشة السيطرة على أجزاء من الحدود، كلها عوامل تمنح القوى المحلية والإقليمية مساحة واسعة للحركة والتأثير.
أدى سقوط دمشق إلى انتقال عدد من الضباط والعسكريين والشخصيات المرتبطة بالنظام السابق إلى لبنان. وفي مطلع عام 2026، برزت مطالب سورية بملاحقة أكثر من مئتي ضابط سابق قيل إنهم لجأوا إلى الأراضي اللبنانية بعد انهيار النظام. وفي أغسطس/آب من العام نفسه، سلّمت السلطات اللبنانية اللواء السابق عادل عيسى إلى دمشق، في خطوة كشفت حجم الملف الأمني الناشئ بين البلدين.
تمنح هذه التطورات لبنان أهمية خاصة بالنسبة إلى شبكات تشكلت خلال عقود من الوجود السوري والنفوذ الأمني والسياسي لنظام الأسد. فالعلاقات العائلية والتجارية والأمنية الممتدة على جانبي الحدود، إلى جانب المعابر غير النظامية وشبكات التهريب القديمة، توفر بيئة تسمح للأفراد بالانتقال والاختباء وإعادة بناء قنوات الاتصال.
وتكتسب مناطق البقاع الشمالي والهرمل حساسية إضافية بسبب موقعها الجغرافي وترابطها التاريخي مع المناطق السورية المقابلة. وقد أثيرت خلال المرحلة الماضية اتهامات حول وجود شخصيات أو مجموعات مرتبطة بالنظام السابق في بعض هذه المناطق، الأمر الذي دفع الأجهزة اللبنانية في عدد من الحالات إلى تنفيذ مداهمات وتحقيقات.
هذه الوقائع تضع لبنان أمام تحد أمني وسياسي متزايد: كيف يمنع أراضيه من التحول إلى مساحة خلفية لإعادة تنظيم شبكات مرتبطة بعهد الأسد، وكيف يدير العلاقة مع السلطة السورية الجديدة من موقع الدولة والمؤسسات؟
تمثل الحدود بين لبنان وسوريا إحدى أكثر نقاط الضعف تأثيراً في العلاقة بين البلدين. فالحدود الممتدة عبر مناطق جبلية وريفية واسعة شهدت طوال عقود نشاطاً مكثفاً للتهريب، وحركة عبر معابر غير رسمية، وتشابكاً اجتماعياً وعائلياً بين القرى الواقعة على جانبيها.
ومع التحولات التي شهدتها سوريا بعد سقوط الأسد، ازدادت أهمية هذه المنطقة. فقد أصبحت الحدود مساحة تتحرك فيها مصالح الدولة السورية الجديدة، والجيش اللبناني، والعشائر المحلية، وشبكات التهريب، وقوى مسلحة مرتبطة بالمشهد اللبناني والإقليمي.
وفي مارس/آذار 2025 اندلعت اشتباكات على الحدود شاركت فيها قوات سورية وعناصر مسلحة من الجانب اللبناني، ودفعت التطورات الحكومتين إلى تعزيز التنسيق الأمني. وفي العام التالي شهدت الحدود السورية اللبنانية انتشاراً عسكرياً سورياً واسعاً بهدف ضبط حركة السلاح والمقاتلين ومنع شبكات التهريب من استخدام المنطقة.
تكشف هذه الأحداث طبيعة التحدي. فالعلاقة بين لبنان وسوريا تدخل مرحلة جديدة تختلف عن مرحلة الهيمنة السورية المباشرة التي طبعت العقود السابقة، إلا أن ضعف السيطرة المركزية على الحدود يسمح ببقاء المجال مفتوحاً أمام قوى محلية وإقليمية عديدة.
وهكذا تنتقل الأزمة من شكل إلى آخر: من نفوذ رسمي مارسته دمشق داخل لبنان إلى فضاء حدودي تتقاطع فيه شبكات أمنية ومصالح مسلحة وحسابات إقليمية.
حزب الله وإيران وتعدد مراكز القرار
يرتبط العامل الثاني في استمرار لبنان كساحة صراع بوجود حزب الله وقوته العسكرية وعلاقته الاستراتيجية بإيران.
يمتلك الحزب بنية سياسية وعسكرية واسعة، ويحظى بنفوذ اجتماعي كبير في أجزاء من الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت. كما شكل طوال العقود الماضية عنصراً أساسياً في المشروع الإقليمي الإيراني الممتد من طهران إلى العراق وسوريا ولبنان.
وقد منح نظام الأسد هذا المشروع عمقاً جغرافياً بالغ الأهمية. فالأراضي السورية شكلت لسنوات ممراً رئيسياً للأسلحة والدعم القادم من إيران إلى حزب الله. ومع سقوط النظام السوري السابق، تعرض هذا المسار لهزة استراتيجية كبيرة، ووجد الحزب نفسه أمام بيئة إقليمية مختلفة.
ومع ذلك، يستمر تأثير إيران في المعادلة اللبنانية من خلال العلاقة الوثيقة مع حزب الله، وقدرة الحزب العسكرية، وحضوره داخل المؤسسات السياسية اللبنانية.
لهذا يحتل ملف حصر السلاح بيد الدولة موقعاً مركزياً في النقاش اللبناني. ففي أغسطس/آب 2025 كلفت الحكومة الجيش إعداد خطة لحصر السلاح ضمن المؤسسات الرسمية، فتحول الملف سريعاً إلى أحد أبرز خطوط الانقسام السياسي والطائفي في البلاد.
يرى حزب الله وحلفاؤه في السلاح عنصراً مرتبطاً بمواجهة إسرائيل وبالتوازن الإقليمي، بينما ترى قوى لبنانية أخرى أن استعادة الدولة لقرار الحرب والسلم تشكل المدخل الأساسي لإعادة بناء السيادة اللبنانية.
وهنا يظهر جوهر المعضلة: لبنان يضم مؤسسات دولة رسمية، وفي داخله في الوقت نفسه قوة مسلحة تمتلك قراراً عسكرياً وقدرات تتجاوز قدرات الكثير من مؤسسات الدولة. هذا التداخل يجعل القرارات الأمنية اللبنانية مرتبطة في أحيان كثيرة بتطورات تمتد من طهران إلى دمشق وتل أبيب وواشنطن.
يظهر الانقسام اللبناني حول النفوذ الخارجي بصورة جغرافية وسياسية واجتماعية واضحة.
في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية يتمتع حزب الله بثقل سياسي واجتماعي كبير، وتكتسب العلاقة مع إيران حضوراً قوياً داخل الخطاب السياسي والأمني. وفي مناطق أخرى، خصوصاً داخل قطاعات واسعة من البيئات المسيحية والسنية والدرزية، تحظى فكرة حصر السلاح بيد الدولة والانفتاح على المحيط العربي والدولي بتأييد أوسع.
وتبقى الخريطة أكثر تعقيداً من تقسيم طائفي ثابت. ففي كل طائفة تيارات متنافسة، وداخل البيئة الشيعية نفسها أصوات متعددة تجاه دور حزب الله، كما تضم البيئات المسيحية والسنية والدرزية اتجاهات متباينة في علاقاتها مع سوريا وإيران ودول الخليج والغرب.
لكن النظام السياسي الطائفي يمنح هذه الانقسامات بعداً إضافياً. فكل تحول في ميزان القوى الإقليمي ينعكس على التوازنات الداخلية، وكل صراع خارجي يجد له حلفاء وخصوماً داخل الساحة اللبنانية.
لهذا يتحول لبنان باستمرار إلى نقطة التقاء بين مشاريع إقليمية متعددة.
إيران تنظر إلى حزب الله باعتباره أحد أهم عناصر نفوذها في المشرق. إسرائيل تنظر إلى الجنوب اللبناني باعتباره جبهة أمنية أساسية. دمشق الجديدة تراقب الحدود وشبكات النظام السابق وتحركات القوى المسلحة. دول الخليج تتابع مستقبل التوازن السياسي اللبناني. والولايات المتحدة وفرنسا وقوى دولية أخرى تربط استقرار لبنان بتعزيز مؤسسات الدولة والجيش.
وسط هذه الشبكة الواسعة يقف لبنان نفسه، بمؤسسات ضعيفة واقتصاد منهك ونظام سياسي شديد الحساسية للتوازنات الطائفية.
يمنح سقوط الأسد لبنان وسوريا فرصة لإعادة صياغة العلاقة بينهما.
تستطيع المرحلة الجديدة أن تفتح الباب أمام معالجة ملفات ظلت عالقة لعقود: ترسيم الحدود، وتنظيم المعابر، ومكافحة التهريب، وقضايا المعتقلين والمفقودين، وملف اللاجئين السوريين، والتعاون الأمني، وتنظيم العلاقات الاقتصادية.
وتحتاج هذه المرحلة إلى انتقال العلاقة من شبكات النفوذ والأجهزة والأحزاب إلى العلاقات الرسمية بين مؤسسات الدولتين.
فالمرحلة السابقة تركت إرثاً ثقيلاً داخل لبنان. فقد ارتبطت قوى سياسية وأمنية لبنانية بالنظام السوري السابق، ونشأت خلال سنوات الوصاية شبكات مصالح امتدت إلى قطاعات الدولة والاقتصاد والأمن. وبعد انسحاب الجيش السوري عام 2005 استمر جزء من هذه العلاقات في أشكال سياسية وأمنية مختلفة، ثم تعزز بعضها خلال الحرب السورية بعد عام 2011.
أصبح لبنان اليوم مكاناً تلتقي فيه شخصيات مرتبطة بالعهد السوري السابق مع قوى لبنانية احتفظت بعلاقات تاريخية مع دمشق، إلى جانب حزب الله الذي شارك عسكرياً في الحرب السورية دفاعاً عن نظام الأسد. وفي المقابل، تنظر السلطة السورية الجديدة إلى بعض هذه الشبكات باعتبارها تهديداً أمنياً محتملاً.
وهكذا أصبحت العلاقة مع سوريا جزءاً جديداً من الانقسام اللبناني حول هوية الدولة واتجاهها الإقليمي.
تتجاوز أزمة لبنان أسماء الدول والتنظيمات. جوهرها يرتبط بقدرة الدولة نفسها على فرض سلطتها.
فالدولة القوية تضبط حدودها، وتحدد سياستها الخارجية، وتحتكر السلاح المنظم، وتقرر عبر مؤسساتها الدخول في الحرب أو التفاوض على السلام، وتمنع أراضيها من التحول إلى قاعدة لجماعات مرتبطة بصراعات خارجية.
أما ضعف هذه الوظائف فيفتح المجال أمام القوى الأكثر تنظيماً وتسليحاً وتمويلاً لملء الفراغ.
ولهذا يستمر لبنان في موقع الساحة.
تتقاطع فوق أرضه آثار الحرب السورية، وشبكات النظام السابق، والنفوذ الإيراني، وحسابات حزب الله، والضغوط الإسرائيلية، والمصالح الأميركية والعربية. ويتحول الانقسام الداخلي إلى قناة تدخل عبرها تلك الصراعات إلى قلب النظام السياسي اللبناني.
المشكلة الأساسية إذن ترتبط ببنية الدولة اللبنانية نفسها.
سقوط الأسد غيّر أحد أهم موازين القوى في المشرق، لكنه ترك أمام لبنان سؤالاً أكثر إلحاحاً: من يملك القرار على الأراضي اللبنانية؟
الإجابة عن هذا السؤال ستحدد مستقبل البلد.
فإذا استطاعت بيروت تعزيز الجيش والأجهزة والمؤسسات المدنية، وضبط الحدود مع سوريا، وإنهاء ازدواجية السلاح والقرار الأمني، وإقامة علاقة متوازنة مع دمشق الجديدة، يمكن للبنان أن ينتقل تدريجياً من ساحة للصراع إلى دولة صاحبة قرار.
أما استمرار الانقسام حول السلاح والنفوذ الخارجي، مع بقاء الحدود رخوة ومؤسسات الدولة ضعيفة، فيعني استمرار قابلية لبنان لاستقبال أزمات المنطقة وتحويلها إلى أزمات داخلية.ومن هنا تصبح العلاقة مع سوريا اختباراً لمستقبل لبنان نفسه.
فالمطلوب يتجاوز إنهاء إرث الوصاية السورية القديمة أو التعامل مع فلول الأسد. المطلوب بناء دولة قادرة على حماية حدودها، وتنظيم علاقتها بجيرانها، وحصر القوة المسلحة في مؤسساتها، وصياغة سياستها الخارجية وفق مصالح اللبنانيين.
عندها تتحول الجغرافيا بين لبنان وسوريا من ممر للصراعات إلى مساحة تعاون بين دولتين، ويتحول لبنان من ساحة تتنافس عليها المحاور إلى دولة تستطيع صناعة خياراتها بنفسها.







