فارس الذهبي
يحمل تطويب البطريرك إلياس الحويّك معنى يتجاوز المناسبة الكنسية والاحتفال بشخصية روحية ووطنية كبيرة. إنّه تطويب لتجربة لبنان التاريخية، واعتراف برسالته الحضارية، وتجديد للعهد مع الفكرة التي قام عليها هذا الوطن، وهي الحرية، والتعدد، والانفتاح، والشراكة بين مكوّناته، والقدرة على تحويل التنوع إلى قوة ثقافية وإنسانية.
في هذه اللحظة القاسية التي يعيشها اللبنانيون، وفي زمن شديد الاضطراب على الشرق والعالم، يأتي تطويب البطريرك الحويّك كلحظة مؤسسة ومفصلية. يستعيد لبنان من خلالها معنى نشأته، وينظر إلى مستقبله من خلال سيرة رجل حمل قضية شعبه إلى المحافل الدولية، وساهم في تحويل الحلم اللبناني إلى كيان سياسي معترف به.
كان البطريرك الحويّك صاحب رؤية وطنية بعيدة المدى. أدرك، غداة انهيار الدولة العثمانية وتفككها، حاجة اللبنانيين إلى دولة تحمي حريتهم وتنوعهم، وتمنحهم القدرة على المشاركة في صناعة مستقبل المشرق. حمل مطالب لبنان إلى مؤتمر الصلح في باريس، ودافع عن قيام لبنان الكبير ضمن حدوده القادرة على تأمين استمراره الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
وتُوّج هذا المسار في الأول من أيلول سنة 1920، حين أعلن الجنرال هنري غورو قيام دولة لبنان الكبير بحضور البطريرك الحويّك وعدد من الشخصيات الدينية والسياسية والوطنية في قصر الصنوبر. شكّلت تلك اللحظة ولادة كيان حمل منذ تأسيسه مشروعًا يتجاوز الجغرافيا.
مشروع وطن للحرية، ومنصة للتنوير، ومختبر للعيش المشترك، وجسر بين الشرق والغرب.
كان لبنان في أساس نهضة الأمة العربية غداة تفكك الدولة العثمانية. فمن مدنه ومدارسه وجامعاته وصحفه ومطابعه انطلقت أفكار التجديد والحداثة والإصلاح. وأسهم مفكروه وأدباؤه وصحافيّوه ومهاجروه في إحياء اللغة العربية، وتطوير الصحافة، ونشر الفكر السياسي الحديث، والدعوة إلى الحرية والدستور والمواطنة وحقوق الإنسان.
أعطى لبنان النهضة العربية أسماءها ومنابرها ومساحاتها الحرة. ومن بيروت وجبل لبنان امتدت حركة الكتاب والترجمة والطباعة إلى مختلف أنحاء العالم العربي. وشارك اللبنانيون في بناء الحياة الثقافية والصحافية والفنية في القاهرة ودمشق وبغداد والإسكندرية وعواصم الاغتراب. لذلك يرتبط نهوض العرب الحديث ارتباطًا وثيقًا بحرية لبنان وقدرته على أداء دوره الفكري والثقافي.
واليوم، يستعد لبنان لقيادة نهضة عربية فكرية جديدة بعد تحرره المزمع والكامل من الهيمنة الإيرانية ومن منظومة السلاح الخارج عن سلطة الدولة. فنهضة لبنان تحتاج إلى استعادة القرار الوطني، وإلى قيام دولة سيدة تملك وحدها حق الدفاع والأمن والحرب والسلم، وتحمي حدودها ومؤسساتها ومواطنيها.
وتحرر سوريا والعراق من النفوذ الإيراني يظل مسارًا مترابطًا مع حرية لبنان ونهوضه. فالمنطقة تشكل فضاءً سياسيًا وحضاريًا متصلًا، وتنتقل فيها مشاريع السيطرة عبر الحدود بواسطة الميليشيات وشبكات السلاح والاقتصاد الموازي. ويكتمل تحرر المشرق عندما تستعيد دوله قرارها، وتنتظم القوى والميليشات المسلحة تحت سلطة المؤسسات الشرعية، وتنتهي مرحلة استخدام المجتمعات العربية ساحاتٍ للصراعات الإقليمية.
وفي لبنان، يبدأ هذا التحول بالخروج من فكرة الميليشيا، ومعالجة ظاهرة السلاح المنفلت المرتبط بالمشروع الإيراني، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وإنهاء الاحتلال في جنوب لبنان، وتثبيت سيادة وطنية كاملة لا تخضع لوصاية خارجية أو لمعادلات السلاح.
تتطلب السيادة اللبنانية تحرير الأرض والقرار في آن واحد. فتحرير الجنوب من الاحتلال، وتحرير الدولة من هيمنة السلاح غير الشرعي، يشكلان مسارًا وطنيًا واحدًا غايته قيام دولة تحمي لبنان بقوتها الشرعية، وبمؤسساتها، وبوحدة شعبها، وبعلاقاتها العربية والدولية المتوازنة.
يحمل تطويب البطريرك الحويّك، في هذا السياق، دعوة واضحة إلى استعادة الدولة. الوفاء لإرثه يتحقق عبر بناء جمهورية المواطنة، وتحرير المؤسسات من الفساد والمحاصصة، وإعادة الاعتبار إلى القضاء والتعليم والاقتصاد المنتج، وتثبيت سلطة القانون فوق الجميع.
لقد أراد الحويّك لبنان وطنًا لجميع أبنائه، ومساحة يلتقي فيها المسيحي والمسلم ضمن شراكة وطنية كاملة. ورأى في حماية الوجود المسيحي الأساسي في الشرق حضورًا ثقافيًا ورسالة انفتاح وخدمة، وفي العيش الإسلامي المسيحي أساسًا لصيغة حضارية تستطيع تقديم نموذج مختلف للعالم.
ومن هنا تتصل سيرة الحويّك بالرؤية التي عبّر عنها البابا القديس يوحنا بولس الثاني خلال زيارته التاريخية إلى لبنان سنة 1997، حين أكد أن لبنان أكثر من وطن، وأنه رسالة حرية وتعدد للشرق والغرب.
لبنان الرسالة هو لبنان الإنسان الحر، والجامعة الحرة، والصحافة الحرة، والفكر الحر. هو لبنان سعيد عقل و الأخوين رحباني و ميشيل شيحا وغسان تويني إلياس الحويّك، وبشارة الخوري، ورياض الصلح واليازجي و البستاني و إده و الشدياق، لبنان جبران و مي زيادة. لبنان الكتاب والمسرح والموسيقى والفنون. هو لبنان الذي يتيح لكل إنسان أن يحافظ على إيمانه وهويته، وأن يلتقي الآخر في رحاب المواطنة والاحترام المتبادل.
ورسالة لبنان تحتاج اليوم إلى التحرر من الشعارات الجامدة وإلى التحول مجددًا إلى مشروع سياسي وثقافي حي. فلبنان يستطيع أن يكون مركزًا للنهضة العربية الجديدة، وفضاءً لإنتاج الأفكار، ومنصةً للحوار، وعاصمةً للثقافة والاقتصاد والإبداع، عندما يستعيد سيادته ويعيد بناء مؤسساته.
إن تطويب البطريرك الحويّك يذكّر اللبنانيين بأن الأوطان تحتاج في كل مرحلة إلى تأسيس جديد. ساهم الحويّك في تأسيس لبنان الكبير جغرافيًا وسياسيًا، وتتحمل الأجيال الحاضرة مسؤولية تأسيس لبنان المستقبل. لبنان الدولة المدنية العادلة، والسيادة الكاملة، والاقتصاد المنتج، والتعليم المتطور، والمواطنة المتساوية، والعلاقات العربية الراسخة.
هذه لحظة للانتقال من لبنان الساحة إلى لبنان الدولة، ومن مجتمع تحكمه المخاوف إلى وطن تحميه المؤسسات، ومن اقتصاد الهجرة والانهيار إلى اقتصاد المعرفة والإبداع، ومن ثقافة الميليشيات إلى ثقافة المواطنة والقانون.
سينهض لبنان لأن عناصر نهوضه راسخة في تاريخه وفي تكوينه وفي طاقات أبنائه. سينهض من خلال جامعاته ومدارسه ومبدعيه ومنتشرين في العالم، ومن خلال قدرته الدائمة على تحويل الألم إلى ثقافة، والأزمة إلى فرصة، والتنوع إلى رسالة.
وسينهض لبنان لأن قدر الرسائل أن تصل مهما طالت مسيرة نقلها.
قد تتعثر الرسالة، وقد يحملها جيل ويسلمها إلى جيل آخر، وقد تعبر الحروب والانقسامات والمنافي، إلا أنها تجد طريقها في النهاية إلى العالم. وهذه هي قوة لبنان الرسالة، قدرته على البقاء حيًا في لحظات السقوط، وعلى استعادة صوته بعد الصمت، وعلى إطلاق نهضة جديدة كلما ظن الآخرون أن دوره انتهى.
اليوم، مع تطويب البطريرك إلياس الحويّك، يستعيد لبنان صورة مؤسسه الروحي والوطني، ويجدد وعده لنفسه وللعرب وللعالم. وعد الحرية، والسيادة، والنهضة، والتنوير، والعيش المشترك.
إنها لحظة تطويب لرجل، وتطويب لتجربة وطن، وتأسيس للبنان المستقبل.
لبنان الذي ساهم في النهضة العربية الأولى قادر على قيادة نهضتها الفكرية الجديدة. ولبنان الذي حمل رسالة الحرية في أحلك الظروف سيحملها مجددًا، لأن رسالته أكبر من أزماته، ولأن قدر الرسائل أن تصل.








