تتداول أوساط متابعة لملف إعادة الإعمار في سوريا معلومات عن مشروع مائي واسع يُطرح في بعض الكواليس تحت اسم “نهر ترامب”. يقوم التصور المتداول على جرّ مياه من نهر الفرات، انطلاقًا من منطقة الميادين في ريف دير الزور، وصولًا إلى بحيرة العتيبة في ريف دمشق، عبر مسار طويل يعبر البادية السورية باتجاه تخوم العاصمة.
المعلومات المتداولة تضع المشروع في إطار أكبر من قناة مائية عابرة. الحديث يدور عن منظومة نقل متكاملة، تشمل مأخذًا مائيًا من الفرات، محطات ضخ، خطوط جرّ، خزانات تجميع، وربما مناطق استصلاح زراعي على جانبي المسار. حتى الآن، يبقى المشروع في دائرة التداول السياسي والإعلامي، بانتظار معطيات رسمية واضحة حول الجهة الراعية، التمويل، الخرائط، الجدوى، والإطار القانوني.
أهمية الفكرة تنبع من أزمة المياه المتفاقمة في دمشق وريفها. العاصمة تعيش ضغطًا مائيًا متزايدًا، والغوطة فقدت جانبًا كبيرًا من وظيفتها الزراعية والبيئية القديمة، فيما تبدو بحيرة العتيبة في التصور المتداول نقطة تجميع محتملة يمكن أن تعيد ترتيب جزء من المشهد المائي شرق دمشق. بهذا المعنى، تتحول العتيبة من موقع جغرافي إلى عقدة محتملة في خريطة أمن الماء السوري.
لكن السؤال الأوسع الذي يفتحه المشروع يتجاوز دمشق: هل يستطيع الفرات أن يروي حلب ودمشق معًا؟
فحلب تعرف منذ سنوات طويلة نظامًا خاصًا لتغذيتها بمياه الفرات عبر منشآت مرتبطة ببحيرة الطبقة ومحطة الخفسة وخطوط الجر باتجاه المدينة. هذا الواقع يجعل مشروع الميادين ـ العتيبة، في حال تطوره، امتدادًا لفكرة سورية قديمة. تحويل الفرات من نهر شرقي إلى عمود فقري للأمن المائي الوطني. حلب أخذت موقعها سابقًا في هذه المعادلة، ودمشق قد تدخلها الآن عبر صيغة أكثر طموحًا وتعقيدًا.
من هنا، يصبح “نهر ترامب” اختبارًا لقدرة سوريا على بناء شبكة مائية كبرى تربط الشرق بالشمال والجنوب. فإذا كانت حلب قد ارتبطت بمياه الفرات عبر مسار خاص، فإن ربط دمشق بالنهر نفسه سيعني ولادة خريطة مائية جديدة، يتحول فيها الفرات إلى مصدر مركزي لتغذية المدن الكبرى، وإلى أداة لإعادة توزيع السكان والزراعة والاستثمار.
المسار المفترض من الميادين إلى العتيبة يمر في فضاء شديد الحساسية. البادية السورية تبدو في هذا السيناريو ممرًا للماء وممرًا للنفوذ في الوقت نفسه. كل محطة ضخ، وكل خزان، وكل عقدة حماية ستحتاج إلى اتفاقات أمنية وإدارية، لأن القناة المفترضة ستمر في مناطق مفتوحة وقابلة للتأثر بالتوازنات المحلية والعشائرية والعسكرية.
وتذهب بعض القراءات المتداولة أبعد من دمشق نفسها. فبحسب سيناريوهات يجري الحديث عنها في نطاق ضيق، قد تتحول بحيرة العتيبة الجافة، ومعها بحيرة الهيجانة الجافة في ريف دمشق، في مراحل لاحقة، إلى نقطتي تجميع ضخمتين لمياه الفرات. في هذه الحالة، سيصبح المشروع أوسع من إنقاذ مائي للعاصمة. سيتحول إلى بنية تخزين وتوزيع إقليمية، يمكن عبرها ضخ المياه جنوبًا باتجاه الأردن، وربما نحو شمال السعودية في مرحلة أكثر تقدمًا.
هذا الاحتمال يمنح المشروع بعدًا جيوسياسيًا كبيرًا. فالعتيبة والهيجانة، إذا دخلتا في منظومة تجميع ضخمة، ستتحولان إلى بوابتين مائيتين على حافة البادية والجنوب السوري. ومن هناك، يمكن تخيّل شبكة أنابيب أو قنوات مغلقة تعبر باتجاه الحدود الأردنية، ثم تنفتح لاحقًا على مشاريع ربط مائي مع مناطق عطشى في شمال الجزيرة العربية مثل دومة الجندل بهذا المعنى، يصبح الفرات حاضرًا في معادلة تتجاوز سوريا إلى المشرق الصحراوي كله.
اسم دونالد ترامب، كما يرد في التسريبات، يمنح المشروع طابعًا رمزيًا واضحًا. الاسم يوحي بصفقة كبيرة أكثر مما يوحي بمشروع ري تقليدي. سوريا تحتاج إلى مشاريع بنى تحتية كبرى، وواشنطن تملك أوراق ضغط في ملفات العقوبات والطاقة والشرق السوري. من هذه الزاوية، يمكن قراءة “نهر ترامب” كعنوان اختبار لعلاقة سياسية جديدة، أو كبالون قياس لحجم القابلية السورية والإقليمية لفكرة ربط ملف المياه بملفات أوسع.
من الناحية الفنية، تبدو الكلفة مرتفعة جدًا. المسافة الطويلة بين الميادين والعتيبة تعني حاجة دائمة إلى محطات ضخ وطاقة وصيانة وحماية. إضافة العتيبة والهيجانة كنقطتي تجميع ضخمتين ستضاعف الحاجة إلى دراسات جيولوجية وبيئية دقيقة، لأن تحويل بحيرات جافة إلى خزانات مائية يحتاج إلى فهم عميق للتربة، النفاذية، الملوحة، التبخر، حركة المياه الجوفية، والآثار المحتملة على القرى والأراضي المحيطة.
المشروع، بهذا الحجم، سيطرح أسئلة حساسة حول العدالة المائية داخل سوريا. أهل الفرات سيطرحون سؤالهم الطبيعي.. ما نصيب الشرق من مياهه إذا جرى نقلها إلى حلب ودمشق ثم إلى الجنوب؟ وأهل دمشق سيطرحون سؤال الأمن المائي بعد سنوات من الجفاف والضغط السكاني. وأهل الجنوب السوري سيرون في العتيبة والهيجانة فرصة محتملة لإحياء مساحات عطشى. هذه الأسئلة تحتاج إلى عقد وطني واضح، لأن الماء في سوريا المقبلة سيكون جزءًا من تعريف الدولة نفسها.
إقليميًا، ستظهر أسئلة أخرى حول تركيا والعراق والأردن والسعودية. أي تحويل واسع لمياه الفرات سيحتاج إلى حسابات دقيقة، لأن النهر مورد عابر للحدود، وكل كمية تُسحب في مكان ستترك أثرًا في مكان آخر. لذلك سيكون المشروع، في حال انتقاله إلى مرحلة الجدية، ملفًا إقليميًا بامتياز، يتداخل فيه الماء مع الطاقة، والغذاء، والحدود، والاستقرار.
في حال تحولت الفكرة إلى مشروع فعلي، قد تظهر نتائج كبيرة على أكثر من مستوى. دمشق وريفها قد يحصلان على مصدر مائي إضافي يخفف الضغط عن المصادر التقليدية. الغوطة قد تستعيد دورها الزراعي إذا جرى ربط المشروع بخطة بيئية وزراعية مدروسة. البادية قد تشهد حركة عمل وبنية تحتية جديدة. ومشاريع زراعية ضخمة قد تنتج مثلاً من القمح ما تنتجه أوكرانيا اليوم ..حلب ستصبح جزءًا من معادلة وطنية أوسع. أما العتيبة والهيجانة فقد تتحولان إلى قلب خزان مائي جديد يعيد رسم علاقة سوريا بجنوبها وبجوارها.
لكن المخاطر البيئية ستبقى مركزية في أي نقاش جاد. ضخ كميات كبيرة باتجاه أحواض جافة قد يغير توازن المياه الجوفية، ويرفع الملوحة، ويبدل خصائص التربة، ويفتح بابًا لمشكلات جديدة في حال غياب إدارة علمية صارمة. المياه التي تبدو حلًا في مكان قد تصبح عبئًا في مكان آخر إذا أُديرت بمنطق الاستعراض أو الصفقة.
مصير المشروع، وفق المعطيات المتداولة حتى الآن، يرتبط بخمسة شروط رئيسية: توفر تمويل كبير، وجود اتفاق سياسي حول الشرق السوري، ضمانات أمنية على طول المسار، إطار قانوني واضح للتعامل مع مياه الفرات، وتفاهم إقليمي حول أي امتداد محتمل باتجاه الأردن أو شمال السعودية. هذه الشروط تجعل الانتقال من التسريب إلى التنفيذ مسارًا طويلًا، لكنها تجعل المشروع أيضًا ورقة قابلة للاستخدام في التفاوض، حتى قبل وضع أول حجر في الأرض.
لذلك يبدو “نهر ترامب” في هذه المرحلة عنوانًا سياسيًا بامتياز. قد يكون دراسة أولية، وقد يكون اقتراحًا داخل غرف التفاوض، وقد يكون اختبارًا للرأي العام وللقوى الإقليمية. قيمته الحالية تكمن في أنه يكشف انتقال النقاش السوري من سؤال السلطة وحدها إلى سؤال الموارد والشراكة الإقليمية: من يملك الماء؟ من يوزعه؟ ومن يقرر وجهته؟ وهل ستصبح سوريا مركزًا مائياً إقليميًا.
في بلد خرج من حرب طويلة ودخل أزمة مناخية ومائية قاسية، يتحول الماء إلى جوهر السيادة. مشروع جرّ الفرات إلى العتيبة، وربما إلى الهيجانة لاحقًا، ثم إلى الجنوب الأوسع، يطرح سؤالًا أكبر من القناة نفسها: هل يمكن بناء سياسة مائية سورية عادلة، تجعل الفرات نهرًا وطنيًا جامعًا، يروي الشرق والشمال والعاصمة والجنوب، بدل أن يتحول إلى مادة صراع جديدة؟
حتى تتضح الوثائق الرسمية، يبقى “نهر ترامب” مشروعًا متداولًا في الكواليس، مثيرًا للفضول، قابلًا للتوظيف السياسي، ومفتوحًا على احتمالات متعددة بانتظار التسوية الإقليمية. بين الحلم الهندسي والاختبار السياسي، يقف الماء السوري اليوم في قلب مرحلة جديدة، حيث قد ترسم القنوات المقبلة حدود النفوذ بقدر ما تروي العطش







