د. نوّار نجمة
مات الإمام… هكذا يبدأ تاريخنا دائمًا.
عندما يختلف الأبناء، بين أتباع إسماعيل ابن جعفر الصادق وموسى الكاظم، فتنشأ طائفة سيُطلق عليها فيما بعد الإسماعيلية، وسيتابع أبناء وأحفاد موسى الكاظم طريقهم الاثني عشري حتى يعود ويختفي الإمام.
أما أتباع إسماعيل فسيؤسسون دولة يطلقون عليها الدولة الفاطمية من شرق المحيط الأطلسي إلى شرق المتوسط.
وفي أوج شدتها المستنصرية سيموت الإمام مرة أخرى فيختلف الناس بين نزار وأتباع المستعلي والأفضل شاهنشاه.
تسقط الدولة الفاطمية ويتحول شعب مصر بين ليلة وضحاها من أتباع المذهب الإسماعيلي إلى أتباع المذهب السني؛ لأن مقاومة الطبيعة البشرية من أصعب التجارب.
ويفر أتباع نزار وعلى رأسهم حسن الصباح إلى الشرق فيبنون دولة هي عبارة عن قلعة، قلعة ألموت، يعلِّمون الحشاشين فيها أن قتل زعيم أفضل من قتل ألف تابع، فيسافر موتهم بين الخلفاء والقادة والوزراء، حتى يحرقهم المغول ويهدمون قلعتهم.
يغرق العرب بعد ذلك تحت وطأة أحلام وطموحات السلاجقة والأتراك والمماليك، فإذا جاءت حضارة فرنسا على يد نابليون يرفضها الجميع كما يقاوم الجسم العليل الدواء.
أما أتباع ابن رشد في اوروبا فيتسللون إلى العلوم والحداثة مبتعدين عن شرق يغوص كل يوم في الظلام العميق.
ويمضي التاريخ والعقل العربي يعيش في معضلته الكبرى غير قادر على النهوض أو الخروج، تتسلل إليه الخرافات كل يوم ومعها تتسلل أحيانًا أفكار مستوردة يحولها العسكر إلى انقلابات عسكرية تجتر الشعارات الكبرى وتبحر في محيطات الصغائر.
تعود التجربة المستعصية عندما يعود الإمام، في بلاد فارس، فتقوم ثورة تعجز عن بناء دولة تلتهم التاريخ وتعيد إنتاجه وتحلم بالمستحيل، فتخلق ميليشيات تُصدر المذهب، حتى إذا استتب لها الأمر في دمشق وبيروت وبغداد يعود مكر التاريخ فينتزع الحلم من أسنان نمور الورق ويضيع حلم تغيير المذاهب ليعود الواقع يطل برأسه من جديد على أعتاب نصر كبير في الشام.
عقود وهم يحاولون تغيير المذهب فيبنون الجيوش الطائفية ويحيطون دمشق بعلب الصفيح العشوائية المذهبية حتى جاء يوم ٨ كانون الأول ليعود الناس كما كانوا، فالمستحيل هو تغيير الطبيعي.
يموت الإمام في طهران ويموت إمام في بيروت وتظل الخرافات تتوالد فيخلف الإمام إمامًا يملأ عقله بالحجارة ويصر على محاصرة العالم من مضيق قد يحاصره فيما بعد بحروب عبثية عدمية تشبه حروب طواحين الهواء.
تكثر الأسئلة في عالم عربي متخم بالإجابات، أسئلة المستقبل والعودة إلى الزمان والعصر وبناء الحداثة والتنمية وحق الشعوب في السعادة.
مدن جميلة على سواحل الخليج يصورها الإمام أنها مجرد مصالح غربية يجب إحراقها، ومدن تتوسط حضارات عريقة يحولها الإمام إلى معسكرات لميليشياته، فلا الزمان يدخل ولا الحداثة تنفذُ ولا يسمح لهذه الشعوب بأن تلتحق بأي سفينة تأخذها إلى شواطئ الأمل.
عند هذه الحدود تندلع الحروب بسبب استعصاء الطريق، ولكن بوجود لاعب جديد هو دمشق قد يكون مبعث الأمل والاستقرار فتزهو الشام هادئة مستقرة بين كل هذه النيران بتوازن استراتيجي دبلوماسي تتم صناعته ببراعة، على أمل أن يتعقل العاقلون وينطلق المشروع الصاعد الجديد الذي قد يملأ الفراغ بين مشروعين عدوانيين إيراني وإسرائيلي صعدا في عز تقهقر العرب حتى بلغ صعودهما حربًا حتمية بينهما لا توفر جارًا أو عدوًا.
قد يدرك السوريون أو لا يدركوا أن الآمال عليهم كبيرة وأن تصالحهم ووحدتهم هي مصدر القوة التي تبحث عنها المنطقة، القوة العادلة التي ينتجها مشروع وطني حقيقي لا يكثر من الصراخ ولا يملأ الرؤوس بالضجيج.
مشروع يحمل الازدهار لكل السوريين، ويحسم الخصومات وينهيها، ويبني الهوية الوطنية التي تتجاوز الطائفة والدين والعرق، ويستفيد من تنوع يغني الأمة ويكون مصدر نهضتها.







