عمر معروف
لو أنّ نهراً ببلدٍ ذي هدى سياسةً واقتصادا يزرعُ فيه خمسة محاصيل استراتيجية، مابقي من درنهِ ودرنِ نخبتهِ التاريخية شيئاً للازدراء.
إنّ المشروع المسمّى نهر ترامب والذي يجرُّ الفرات إلى حدود دمشق ماهو إلّا ضربٌ بعرض الحائط لمفهوم الوطنية. فالوطن يقومُ على الشراكة في المغرم والمغنم وليس فقط جني فوائد الغنيمة ونكران من غُّرّمَ أو غُرّمَ به.
يعتقد الكثير من أبناء المنطقة الشرقية والفرات وأنا منهم، أن تهجيراً ديموغرافيا حدث بسبب طول مدة الثورة وتعدّد الجبهات التي قاتل عليها وبها الثوار. قالت العربُ الخواتيم مواريثُ السوابق وما جرّ النهر وحرمان الجزيرة بمحاصيلها وخصوبتها التاريخية والديمغرافية والزراعية ماهو إلا خاتمةً لما سبق من تهميش اجتماعي وتهشيم لحوض حضاري عريق. قيل دوما تصديقاً لما سبق أنّ الحضارة عرشُها على الماء.
إن طبيعة منطقة الجزيرة الفراتية بمحافظاتها السورية الثلاث ( دير الزور – الحسكة -الرقة) طبيعة زراعية مرتبطة بالنهر حضارةً، واقعاً ومستقبلاً. لا يستقيم إطلاقا سياسةً قبل الاقتصاد أن تخنق المنطقة الخصبة لخلق منطقة زراعية بعيدة حول العاصمة فيها من مخاطر جودة التربة وملوحتها وعالي التكلفة و قصر ذات اليد، لملاحقة مخيالٍ فيه الكثير من الهرطقة الاقتصادية.
تفيدنا بيانات البنك الدولي المتاحة منذ منتصف الستينات تزامناً مع الدولة البعثية المخابراتية، أنَ أكثرَ من سبعين بالمئة من الناتج المحلي السوري يأتي من المنطقة الشرقية. تتنّوع فيه مصادر توليد تلك النسبة المئوية ذات السبعين سهماً بين محاصيل استراتيجية من حبوبٍ وقطنٍ إلى شوندر وخضار وكذلك أغنام العواس ذات الجودة العالية. سبعون بالمئة من ناتج الوطن ونفطٍ وغازٍ ولم تشفع للمنطقة باحترام حُرمة النّهر، وكأنّ التغيير الديموغرافي يتبعه تهجيرٌ مائي للنهر وتاريخه وفوائده وحضارته. ناهيك أنّ المقترح (نهر ترامب) أهملَ العراق وحصته من الفرات وكأنّهُ من سقطِ المتاع.
إنّ أوّل ماعُرف من الاقتصاد الواقعية وخفض التكاليف ورفع الربحية وهذا كُلّهُ مُتحقّقٌ في أراضي الجزيرة الفراتية، لا المشاريعَ المُكلفة والمُتكلّفة. وأمّا السياسةُ فأوّلُ ماعُرف منها وعنها، معرفة الشعور العام ومسايرته ولا أعتقد أنّ مشروع نهر ترامب أو كاتب المقال قاربَ المعرفة بشعور أهل الجزيرة اتجاه حُرمة نهرهم وأهميته الحضارية.
المشاريعُ لا تقومُ على الأماني بل على الدراسات العلمية والاقتصادية. الأنهارُ كذلك، خصوصاً الفرات، تشبه القدر و لايردُّ القدرَ إلا الدُّعاء.







