سورية… الفريضة السياسية الغائبة
د. برهان غليون
يثيره من اضطراب داخل نمط السلطة والزعامة المذكور، بما في ذلك الاعتراف الواضح بالحقّ في المعارضة وبوجود المعارضة نفسها.
في الحالتَين، المعارضة والسلطة، نحن أمام حالة من “الغليان” في فضاء السلطة والمعارضة تحول دون تأسيس حقل ممارسة سياسية مستقر، ودون توليد قوى سياسية قادرة على وضع رؤية لمشروع اجتماعي واضح وممكن التحقيق، مع برنامج وخطّة عمل وجدول زمني لتنفيذها. لا أحد من خارج صفوفها يمكن أن يؤثّر مباشرة في تعديل توازنات السلطة وتحوّلاتها. لكن احتمال التأثير لدفعها في الاتجاه الذي يتّفق مع تطلّعات عموم الشعب يتوقّف على قدرة الشارع على الخروج من حالة الغليان، وتشكيل مركز جذب واستقطاب للإلكترونات المتحرّكة، وتحويلها إلى فاعل في المواجهة وإلى جانب السلطة/ الدولة، تتقارب فيه الحساسيات المختلفة، وتجتمع لتشكّل تيّاراً أو تكتلاً وازناً: قطباً شعبياً، منصّةً أو منبراً أو تحالفاً ديمقراطياً، يتعايش فيه الليبرالي والاشتراكي، اليساري والإسلامي، في إطار برنامج من بند واحد، هو الدفاع عن الحرّيات الأساسية، وتوسيع دائرة المشاركة الشعبية من خلال تعزيز استقلال النقابات وتشكيل الأحزاب السياسية وحرية الرأي والإعلام التعدّدي.
وفي السياق نفسه، ينبغي نشر ثقافة الديمقراطية وقيمها، وتمثّل مبدأ إدارة التعدّد والاختلاف وتطبيقه في نطاق المجتمع، قبل أن يفرض نفسه على السلطة، ويتحوّل إلى قاعدة لإدارة الدولة.
هذا يعني ألّا تنتظر القوى المنادية بالديمقراطية مبادرة السلطة لتمارس أفكارها، وأن تبدأ منذ الآن في تقديم المثال للسلطة والجمهور معاً، وتنشئ هي ذاتها القطب أو المنبر الديمقراطي وتحوّله إلى إطار للحوار العام الذي لم يُتح للشعب السوري تحقيقه حتى الآن.
هكذا يقدّم المعارضون الذين لا تجمعهم بالفعل غير الرغبة في التعدّدية والمشاركة في السلطة الدليل على أنّ الديمقراطية ممكنة، لا بوصفها عقيدةً مغلقةً وخياراً خاصاً ببعض النُّخب الاجتماعية أو الثقافية، وإنّما إطاراً سياسياً وقانونياً لإدارة الاختلاف، ونجاعة هذا الحوار في التوصّل إلى المواقف والحلول الواقعية المطلوبة والمقبولة من جميع الأطراف وإنضاجها. يمكن لهذه التجربة أن تقدّم دليلاً للمشكّكين بصلاح هذا الخيار، وهم كثر في الحكم والمعارضة، على أنّ الفرضية صحيحة، وأنّ الحوار قادر على تذليل الانقسامات والنزاعات وإيجاد الحلول والتسويات الناجعة، وأنّ النزاع والعنف والاقتتال ليست الطرق الأسهل إلى إرضاء المطالب والتطلّعات المتضاربة، والمشروعة.
هكذا لا تبقى الديمقراطية فكرة مجرّدة، أو نظاماً جاهزاً وكاملاً ينتظر من السلطة الكريمة أن تلتقطه وتطبّقه، إنّما تتشكّل فكرياً وعملياً في صراع الشعب نفسه لتجاوز انقساماته وتناقضاته، كما في صراعه مع السلطة دفاعاً عن حقوقه وحرياته. وفي هذا الصراع المزدوج يتعلّم الجميع أنّ الحرّية مسؤولية وليست منحة أو منفعة ذاتية فحسب، وأنّها، قبل أن تكون خياراً سياسياً يشمل انبثاق السلطة من صندوق الاقتراع وتداول السلطة وفصل السلطات وحكم القانون، هي ثقافة وقيم ومبادئ يتصدّرها الإيمان بأهلية كلّ الناس، وحقّهم في حياة كريمة، ورفض الإقصاء والتمييز والتهميش المعنوي والمادي معاً. وكما أنّ إشراك الشعب والإقرار بدوره وسيادته من أسس شرعية السلطة، فإنّ تربيته وتنظيمه وتأهيله ليكون فاعلاً وراعياً لمصالحه هي شروط لشرعية المعارضة، وبطاقات تأهيلها.
الخلاصة، نحن أمام خيارين: الاستمرار في المناكفة وحرب المواقع والحلم بمجيء التغيير الديمقراطي من فوق، أي من قبل السلطة أو المجتمع الدولي، وأنا أسمّي ذلك بـ”السياسة الانقلابية”، أو العمل على إحياء قوى المجتمع وإعادة تنظيمها من أجل فرض التغيير وإصلاح خطط السلطة وسياساتها. الأوّل مغامرة احتمالها الأكبر تفكّك البلاد والدخول في الفوضى. والثاني تجميع الجهود لشقّ الطريق العريض الذي يسمح لأوسع قاعدة اجتماعية بالتعاون والتضامن، وببناء الأطر والقوى الاجتماعية التي تؤسّس لتوازن لا يزال مفقوداً تماماً بين الدولة/ السلطة والمجتمع/ الشعب. هذا ما أشرت إليه في كتاب “بيان من أجل الديمقراطية”، الذي سوف نحتفل أواخر شهر مايو/ أيار الحالي بمرور 50 عاماً على صدور طبعته الأولى (دار ابن رشد بيروت 1976).
ليس من المؤكّد أن تنجح استراتيجية تعبئة المجتمع وتوحيده حول رؤية ديمقراطية أو نصف ديمقراطية، لكنّها لن تكون أبداً إضاعةً للوقت، لأنّها ستفيد في إخراج المجتمع من رميمه وعطالته السياسية، وزجّه في الصراع من أجل حقوقه وكرامته، وإعادة بنائه لذاته قوةً مدنية اجتماعية حيّة وفاعلة، وتمليكه مفتاح الدفاع عن حقوقه، والمشاركة في تقرير مصيره.
في المقابل، يمكن للمراهنة على الفوضى الداخلية أو الضغوط والتدخّلات الأجنبية أن ينجح، ولو كان حظّها من هذا النجاح ضئيلاً جدّاً. لكن فشلها، وهو الاحتمال الأعظم، سوف يؤدّي بالتأكيد إلى انفجار البلاد وتفكّكها، وانتشار المليشيات الطائفية والأقوامية، وتفكيك ما تبقّى من الدولة، وإطلاق شرارة حرب متعدّدة المحاور والجبهات، وفتح الباب أمام تدخّل كثير من الدول الأجنبية، المجاورة والبعيدة، وإنهاء سورية التي نحبّ لزمن طويل.
هذا التحذير موجّه للحكومة، بمقدار ما هو موجّه لمعارضيها.
(عن العربي الجديد)









