معقل زهور عدي
يعتمد الاستقرار السياسي على وجود توازن بين السلطة السياسية والمجتمع المدني , هذا التوازن يؤمن منع تغول السلطة السياسية على المجتمع . ومنع المجتمع المدني من التحلل من السلطة السياسية الضرورية كقوة لتنظيم المجتمع وإدارته .
في حالة سورية فقد خرجنا من وضع تسبب فيه انهيار ذلك التوازن بين المجتمع ومن يمكن أن يمثله من هيئات وقوى مدنية وبين السلطة السياسية إلى تغول السلطة السياسية , وفقدان الحدود بينها وبين المجتمع .
وفي مثل تلك الحالة تتضاءل قوة المجتمع المدني ولا يعود لها أثر في الحياة السياسية وتتعاظم قوة السلطة السياسية وتصبح متحررة من أية قيود وبعبارة أخرى تبتعد السلطة السياسية عن أساس مفهوم الحكم باعتباره عقدا بين الحاكم والمحكوم نحو مفهوم آخر للحكم باعتباره شكلا من أشكال الطغيان والاستعباد .
فكرة التوازن هذه تعرض لها أرسطو منذ القرن الرابع قبل الميلاد حين رأى أن استقرار المدينة السياسية يعتمد على وجود طبقة وسطى قوية وتوزيع متوازن للسلطة، وأن اختلال التوازن يؤدي إلى الطغيان أو الفوضى..
خرجت سورية من جحيم الطغيان الأسدي لكنها خرجت بحاجة ماسة لاعادة بناء العلاقة بين السلطة السياسية التي جاء بها التغيير والمجتمع السوري . هذه العلاقة التي لم يتم حتى الآن تسليط الضوء على كيفية بنائها , ليس من زاوية الموالاة والمعارضة ولكن من زاوية أكثر عمقا وشمولا وأعني بها كيفية التقدم نحو إيجاد مجتمع مدني كقوة وسيطة بين السلطة والمجتمع تحقق التوازن الذي هو أساس الاستقرار الاجتماعي الحقيقي والطويل الأمد .
لايمكن للسلطة السياسية وحدها السير نحو تحقيق ذلك التوازن باعتبارها قوة طرف واحد من طرفي ذلك التوازن فهي معنية بصورة طبيعية بنفسها والحفاظ على وجودها وتكريس ذلك الوجود , وهي ستحاول مد هذا النفوذ ما أمكنها طالما وجد فراغ في القوة بينها وبين المجتمع .
في الواقع فالسلطة السياسية التي أنتجها التغيير السياسي ليست مسؤولة عن ذلك الفراغ بل هو ميراث ستة عقود من الاستبداد والطغيان وتغول السلطة في العهد البائد . لكن ذلك الفراغ يشكل فرصة للتمدد على حساب المجتمع طالما لاتوجد قوة وسيطة تمثل ذلك المجتمع أعني المجتمع المدني الحي والذي وجد الطريق لبناء هياكله ومؤسساته المستقلة .
بناء على ماسبق لايمكن تحقيق استقرار حقيقي وطويل الأمد في سورية مابعد إسقاط النظام البائد بدون بناء مجتمع مدني متكامل وفعال يشكل قوة وسيطة بين السلطة والمجتمع .
تناول المفكر الفرنسي الكسيس دو توكفيل “1” في كتابه الهام ” الديمقراطية في أمريكا” تلك المسالة حين رأى “أن الجمعيات المدنية، والبلديات، والنقابات، والروابط المحلية تشكل حاجزًا يمنع تغوّل الدولة ويحافظ على التوازن الاجتماعي والسياسي”
ليست المسألة هنا هي مسألة نوع من المجابهة وتنازع القوة بين السلطة السياسية والمجتمع المدني , فلا يمكن للمجتمع المدني أن يحل مكان السلطة السياسية , لكنها مسألة توازن مبني على قطبين مستقلين إلى حد ما يتيح ذلك التوازن الحفاظ على استقرار حقيقي وطويل الأمد للمجتمع والدولة .
من الخطأ الكبير أن تنظر السلطة السياسية لعملية بناء المجتمع المدني باعتبارها خطرا عليها , والعكس هو الصحيح فاستقرار المجتمع يعني استقرار السلطة السياسية وعدم الحاجة إلى اللجوء للعنف لتفرض نفسها على المجتمع , واستمرار حالة عدم التوازن بين السلطة والمجتمع بسبب غياب قوة المجتمع المدني سيؤدي بصورة تلقائية نحو انزلاق السلطة نحو الاستبداد والتغول على المجتمع حتى لو لم تكن في البداية تفكر في ذلك أو تريد الوصول إليه .
سورية بحاجة ماسة لبناء مجتمع مدني بجميع هيئاته ومؤسساته بما في ذلك النقابات والجمعيات التطوعية وغير التطوعية والاتحادات العمالية والمنتديات والأحزاب والصحافة شرط أن تكون جميعها حرة ومستقلة وبعيدة عن السلطة السياسية . وينبغي أن تسهل السلطة السياسية بناء تلك الهيئات والمؤسسات وأن تنظر إليها ليس بوصفها طرفا يمكن أن ينازعها السلطة بل بطرف يعيد بناء التوازن ضمن المجتمع لصالح السلطة والمجتمع معا ولصالح بقاء السلم والاستقرار الاجتماعي .
هامش :”1″ الكسيس دو توكفيل :
1805 – 1856
كان مؤرخا ومفكرا سياسيا فرنسيا , يعد كتابه ” الديمقراطية في أمريكا” أحد أهم المراجع في الفكر السياسي الحديث .









