بقلم : ديفيد شينكر .
المصدر : معهد واشنطن لدراسات الشرق الأوسط .
قد تعتقد إسرائيل أن الوضع الراهن المتوتر قابل للاستمرار، لكن واشنطن تشعر بالإحباط بسبب التداعيات المحتملة على مسار التطبيع العربي، والاحتكاك العسكري مع تركيا، والخطط الاقتصادية القريبة المدى.
كانت فرص إقامة علاقات أكثر طبيعية بين سوريا وإسرائيل، وإن لم تصل إلى سلام رسمي، تتراجع خلال الأشهر الأخيرة. لذلك كان من الإيجابي أن يلتقي مسؤولون سوريون وإسرائيليون في باريس يومي 5 و6 يناير لمناقشة ترتيبات أمنية.
جرت هذه المحادثات بوساطة مسؤولين أميركيين. ويقول الرئيس ترامب إنه يريد من إسرائيل أن «تنسجم» مع سوريا. لكن التوفيق بين المتطلبات الأمنية الإسرائيلية بعد هجوم 7 أكتوبر وسيادة سوريا بعد سقوط نظام الأسد ما زال يمثل تحديًا.
يفتخر الرئيس ترامب بعلاقته الوثيقة مع إسرائيل. لكنه انتقد في أوائل ديسمبر العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب سوريا. فبعد غارة إسرائيلية في 28 نوفمبر أسفرت عن مقتل 13 سوريًا، حذّر الرئيس إسرائيل، في منشور على منصة «تروث سوشيال»، من القيام بأنشطة قد «تعرقل تطور سوريا إلى دولة مزدهرة». ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي ينتقد فيها ترامب وإدارته العمليات العسكرية الإسرائيلية في سوريا. ففي يوليو، بعد أن قصفت القوات الجوية الإسرائيلية وزارة الدفاع السورية وهدفًا مجاورًا للقصر الرئاسي، اتهم مسؤولون كبار في الإدارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه يملك إصبعًا «متسرعًا» على الزناد. وقال أحد مسؤولي البيت الأبيض متذمرًا: «إنه يقصف كل شيء طوال الوقت. وقد يقوّض ذلك ما يحاول ترامب القيام به».
تغير الخطاب السوري تجاه إسرائيل
ترامب ليس الوحيد الذي يشعر بالإحباط من الهجمات الإسرائيلية داخل سوريا. ففي الآونة الأخيرة، بدأ الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع أيضًا يعبّر علنًا عن استيائه. وخلال مقابلة أُجريت معه في أوائل ديسمبر على هامش منتدى الدوحة، اتهم إسرائيل بأنها تخوض «معركة ضد الأشباح». وقال الشرع إنه منذ وصوله إلى السلطة أرسل إلى إسرائيل رسائل تدعو إلى السلام والاستقرار، لكن بدلًا من احتضان سوريا الجديدة، «واجهتنا إسرائيل بعنف شديد»، إذ نفذت أكثر من ألف غارة جوية، ونحو 400 عملية توغل، واحتلت مساحات من الأراضي السورية المحاذية لحدود الجولان.
ولا شك في أن منتدى الدوحة كثيرًا ما يشهد خطابًا حادًا تجاه إسرائيل. لكن هجوم الشرع الكلامي مثّل ابتعادًا عن نهجه التصالحي إلى حد كبير تجاه إسرائيل خلال عامه الأول في السلطة.
وأخذت مؤسسات الحكومة السورية تكرر بصورة متزايدة هذا الخطاب الأكثر تشددًا. ففي نوفمبر، أدانت وزارة الخارجية السورية علنًا زيارة نتنياهو إلى القوات الإسرائيلية المنتشرة في المنطقة العازلة بين إسرائيل وسوريا، التي كانت تخضع سابقًا لمراقبة قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، ووصفتها بأنها «انتهاك خطير» للسيادة ومحاولة لفرض «أمر واقع» على الحدود. وفي الوقت نفسه، عادت وسائل الإعلام الرسمية السورية إلى وصف إسرائيل، كما كانت تفعل سابقًا، بأنها «العدو الصهيوني». وهذا المسار لا يدعو إلى التفاؤل.
خلال معظم العام الماضي، سعى الشرع ونظامه إلى طمأنة إسرائيل كلاميًا بأن دمشق ليست مهتمة بالصراع. وبعد أسابيع من وصوله إلى السلطة، قال إنه «لا ينوي مواجهة إسرائيل»، وتعهد بألا «يسمح باستخدام سوريا منصة لشن هجمات» على الدول المجاورة. وكرر محافظ دمشق موقفًا مشابهًا عندما قال: «مشكلتنا ليست مع إسرائيل»، وأضاف: «لا نريد التدخل في أي شيء يمكن أن يهدد أمن إسرائيل».
وعندما سُئل الشرع عن احتمالات التطبيع مع إسرائيل، جاء رده سلبيًا، لكنه لم يغلق الباب بالكامل. وقال: «نريد السلام مع جميع الأطراف»، لكنه أشار إلى وجود «حساسية كبيرة تجاه القضية الإسرائيلية»، لأن الإسرائيليين «يحتلون» هضبة الجولان. ولذلك، قال إن «من السابق لأوانه مناقشة هذا الأمر». وبدلًا من التطبيع، كان الشرع يدعو إلى انسحاب إسرائيلي من المنطقة العازلة التي أنشأها اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، الخاضع لمراقبة الأمم المتحدة، ومن مناطق أخرى محاذية للحدود مع هضبة الجولان.
وانخرطت الحكومة الجديدة في دمشق في اتصالات منتظمة مع إسرائيل. ففي الصيف والخريف الماضيين، أوفد الشرع مرارًا وزير خارجيته أسعد الشيباني لإجراء مفاوضات مباشرة حول ترتيبات أمنية مع رون ديرمر، وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي. وفي وقت أحدث، التقى الشيباني في باريس السفير الإسرائيلي لدى واشنطن يحيئيل لايتر، إلى جانب الشخص المرشح لقيادة جهاز الموساد.
العمليات العسكرية الإسرائيلية في سوريا
يبدو أن بعض العمليات العسكرية الإسرائيلية في سوريا منذ سقوط الأسد في ديسمبر 2024 كانت مبررة، على الأقل. فقد حال قرار إسرائيل تدمير الأسلحة السورية دون وقوعها في أيدي جهاديين أو جهات غير حكومية خبيثة أخرى. كما أن الانتشار الإسرائيلي الأولي عبر الحدود منع حدوث فراغ أمني على جبهة الجولان خلال الأيام الفوضوية التي أعقبت تمرد الشرع.
أما أكثر العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة في سوريا تبريرًا، فهي تلك التي تهدف إلى احتواء النفوذ التركي المتزايد في البلاد. إذ تستهدف إسرائيل منظومات دفاع جوي وصواريخ تركية، سواء كانت منتشرة داخل سوريا أو مقدمة إلى دمشق.
وربما كان من المفهوم أن تتبنى إسرائيل، بعد 7 أكتوبر، موقفًا عسكريًا أكثر اندفاعًا نحو الأمام. ويبدو أن هذه المقاربة تحقق نتائج في لبنان، حيث وجهت إسرائيل ضربات قوية إلى حزب الله، وما زالت تستهدف عناصره وأصوله، ويبدو أنها تضغط على بيروت لنزع سلاح هذه الميليشيا الخطرة المدعومة من إيران.
أما التدخل العسكري الإسرائيلي لحماية الطائفة الدرزية في سوريا خلال صيف 2025، فيبدو أقل ارتباطًا بالأمن القومي الإسرائيلي. ففي عام 2018، اختار نتنياهو عدم التدخل عندما هاجم تنظيم الدولة الإسلامية مدينة السويداء ذات الغالبية الدرزية، ما أدى إلى مقتل نحو 250 مدنيًا. لكن في الصيف الماضي، شنت إسرائيل غارات جوية ضد القوات الحكومية السورية بعدما تعرضت المدينة نفسها مرة أخرى لهجوم من ميليشيات عربية سنية مرتبطة بالنظام السوري. وتشير تقارير إلى أن إسرائيل تسلح الآن دروزًا في محافظة السويداء.
غموض الاستراتيجية الإسرائيلية
من الصعب تحديد الاستراتيجية الإسرائيلية بعيدة المدى. وقد يكون من المشروع التشكيك في الشرع، الذي كان عضوًا سابقًا في تنظيم القاعدة. لكن ليس واضحًا ما الذي تأمل إسرائيل تحقيقه من خلال نهجها العسكري. لقد وضعت إسرائيل خطًا أحمر يمنع إدخال أنظمة تركية متطورة إلى سوريا، لكن الجهود الرامية إلى إنشاء نظام أمني جديد على الحدود مع دمشق لم تؤت ثمارها بعد.
تشكل سوريا عنصرًا رئيسيًا في تحالف إقليمي يهدف إلى احتواء النفوذ الإيراني. ويعترض نظام الشرع بصورة روتينية شحنات أسلحة ترسلها إيران وميليشيات عراقية مدعومة منها إلى حزب الله في لبنان. ومؤخرًا، في 17 ديسمبر، نصبت القوات السورية كمينًا لمهربين كانوا يحاولون إعادة تزويد حزب الله بعشرات القذائف الصاروخية.
قد تعتقد إسرائيل أن الوضع الراهن المتوتر في سوريا قابل للاستمرار، لكن إدارة ترامب تبدو غير موافقة على ذلك. إن الآمال الأميركية في تطبيع العلاقات بين إسرائيل وسوريا وانضمام سوريا إلى اتفاقات أبراهام تبدو سابقة لأوانها، لكن الموقف الإسرائيلي الحالي يبدو أيضًا مانعًا حتى لإبرام اتفاق عدم اعتداء.
قد لا يدرك نتنياهو ذلك بعد، لكن ترامب وشركاءه العرب في الرياض وأبوظبي يستثمرون في نجاح سوريا. وقد تكون يد إسرائيل مطلقة في لبنان، لكنها لن تبقى كذلك إلى أجل غير مسمى في سوريا. كما أن نهج القدس يؤثر في التصورات الإقليمية. فالدول العربية ترى النشاط العسكري الإسرائيلي المكثف في سوريا عاملًا مزعزعًا للاستقرار، وهذه الصورة لن تساعد على تعزيز اندماج إسرائيل في المنطقة.
أما بالنسبة إلى واشنطن، فالمسألة الأكثر إلحاحًا هي التوتر المتصاعد بين إسرائيل وتركيا. وستكون الوساطة الأميركية ضرورية للتفاوض على قواعد تمنع تحول سوريا إلى ساحة صراع تركي إسرائيلي. كما ينبغي للولايات المتحدة أن تواصل تعزيز التواصل بين دمشق والقدس للوصول إلى صيغة تفاهم عملي على جبهة الجولان.
ويتمثل الهدف القريب المدى في انتقال سوريا من كونها جارًا معاديًا لإسرائيل إلى جار أكثر حيادًا. أما بالنسبة إلى القدس، ففي ظل غياب موافقة دمشق على المطالب الإسرائيلية بإقامة منطقة منزوعة السلاح في جنوب سوريا، فقد يكون من الضروري تقديم تنازلات من أجل التوصل إلى اتفاق مع سوريا الجديدة.
ديفيد شينكر هو زميل تاوب الأقدم في معهد واشنطن، ومدير برنامج روبن للسياسات العربية في المعهد. وقد نُشر هذا المقال في الأصل على موقع «جيروزاليم ستراتيجيك تريبيون».








