• en English
  • de Deutsch
  • ar العربية
الجمعة, يوليو 24, 2026
  • من نحن
  • التواصل
  • تبرع
  • فريق المنظمة
  • سياسة الخصوصية
No Result
View All Result
Advertisement
  • الرئيسية
  • أخبار
  • تكنولوجيا
  • رأي
  • ميديا
  • ثقافة
  • المكتبة
  • أعداد المجلة الورقية
  • تراث
  • رياضة
  • مشاريع
Donate
  • الرئيسية
  • أخبار
  • تكنولوجيا
  • رأي
  • ميديا
  • ثقافة
  • المكتبة
  • أعداد المجلة الورقية
  • تراث
  • رياضة
  • مشاريع
No Result
View All Result
logo1
logo2
  • الرئيسية
  • أخبار
  • اقتصاد
  • تكنولوجيا
  • رأي
  • ثقافة
  • تراث
  • ميديا
  • المكتبة
  • رياضة
  • أعداد مجلة دمشق
رسالة مفتوحة إلى محمد كرد علي

رسالة مفتوحة إلى محمد كرد علي

يوليو 24, 2026
دمشقbyدمشق
Share on FacebookShare on Twitter

بيرين بيرسايغلي موت

أستاذي الجليل،

كان ذلك في عام 1940، حين دعاكم عجاج نويهض، ثاني رئيس للقسم العربي في إذاعة القدس بعد إبراهيم طوقان، إلى التحدث عبر أثير هذه الإذاعة التي أُنشئت في القدس الواقعة تحت الانتداب البريطاني. وقد رأيت صورة التُقطت لكم مع عجاج نويهض في تلك الفترة. ما أجملها من صورة! كان عجاج نويهض يقف إلى جواركم بكل إجلال واحترام؛ فقد عرفكم منذ سنوات شبابه في دمشق، منذ الأيام الأولى لتأسيس المجمع العلمي العربي. أما أنتم، فكنتم قد بلغتم أواسط العقد السابع من العمر. وكانت ترتسم على وجهكم في الصورة ابتسامة خفيفة لا تكاد تُرى، غير أنه لم يكن من الممكن ألّا نلمح خلف تلك الابتسامة ما كان يضطرب في ذهنكم من أفكار.

كانت أزمنة عصيبة. فقد مضى عام واحد فقط على انتهاء الثورة الفلسطينية الكبرى، التي اندلعت سنة 1936، وهي السنة نفسها التي تأسست فيها إذاعة القدس. وكان بعض قادة الثورة قد استُشهدوا، فيما أُودع آخرون السجون أو دُفعوا إلى المنافي. وفي الوقت ذاته، كانت الحرب التي اندلعت في أوروبا قد ألقت على المنطقة بأسرها ظلالاً جديدة من الغموض والقلق. لقد وجدت فرنسا وبريطانيا نفسيهما هذه المرة في قلب أوروبا، في مواجهة الجيوش الألمانية.

وكانت أسئلة كثيرة بلا أجوبة تجوب شوارع دمشق والقدس مثل ظلال داكنة. ففي أسواق دمشق كان الصمت الثقيل للإدارة الاستعمارية الفرنسية يخيّم على المكان، وبين الجدران الحجرية للقدس كان المرء يشعر بقلق وطن يتسرب من بين أيدي أبنائه. كانت كل زاوية تعجّ بألغاز تنتظر من يحلّها، أليس كذلك؟

هل ستؤدي هزيمة فرنسا إلى إضعاف سلطة الانتداب في سورية وفتح الطريق أمام العرب نحو الاستقلال، أم أنها ستدفع البلاد إلى تدخل قوة غربية أخرى؟ وإذا خرجت بريطانيا منهكة من الحرب، فهل ستتمكن من مواصلة سيطرتها على فلسطين؟ وهل تستطيع الجيوش الألمانية الوصول إلى الشرق الأوسط؟ وهل تنجح إيطاليا موسوليني في فرض تفوقها على البحر المتوسط؟ وهل ستمنح هذه الحرب الفلسطينيين فرصة جديدة للتحرك، أم ستؤدي إلى تشديد قبضة الانتداب عليهم؟

وفوق ذلك كله، كان التقدم الصهيوني في فلسطين يزداد قوة يوماً بعد يوم. كانت الوكالة اليهودية تعمل كما لو أنها حكومة رسمية، تنظّم الحياة الاقتصادية والاجتماعية في فلسطين، بينما كانت الهاغاناه توسّع بنيتها العسكرية، التي أخذت تشبه جيشاً نظامياً، على نحو متواصل. وكانت شبكة واسعة تمتد من المؤسسات التعليمية إلى المصارف، ومن التعاونيات الزراعية إلى الصحف، تبني خطوة بعد خطوة البنية التحتية لدولة لم يُعلن عنها رسمياً بعد.

أما الحرب التي أحاطت بأوروبا، فبدلاً من أن توقف هذا المسار، فتحت أمامهم إمكانات جديدة. فما الذي كان سيحدث الآن؟ في لحظة كهذه تماماً، جلستم أمام ميكروفون الإذاعة في القدس.

أستاذي،

حين وقفتم أمام ذلك الميكروفون في القدس، لم تكونوا تواجهون الصهيونية للمرة الأولى. لقد سمعتم وقع أقدام ذلك الخطر قبل زمن طويل. قبل أن يُطلَق اسم على الكارثة التي كانت تنتظر فلسطين، وقبل أن تقوم دولة إسرائيل أو تُرسم خريطة تُظهر حدودها، كنتم قد بدأتم تدركون الأدوات التي يتقدم بها المشروع الصهيوني.

لقد فهمتم أن وراء ما كان يبدو مجرد أفواج قليلة من المهاجرين، أو مستعمرات زراعية متناثرة، أو حلماً بعيداً عسير التحقق، نظاماً بالغ الصبر، محكم التنظيم، متعدد الطبقات والأذرع.

في عام 1912، كتبتم في مجلة المقتبس مقالاً بعنوان «النهضة الفكرية في سورية»، وصفتم فيه التحولات الجارية في طبريا وحيفا ويافا والقدس، وقلتم إن فلسطين أخذت تكتسب شيئاً فشيئاً مظهر «ولاية إسرائيلية». ولفتّم الانتباه إلى المدارس التي أنشأها القادمون من أوروبا وروسيا، وإلى إقصاء اللغة العربية منها، وتحويل العبرية إلى لغة للتعليم والتواصل اليومي، وإلى الصحف والكتب التي كانت تُنشر.

بل إنكم كتبتم بوضوح أن الغاية الكامنة وراء كل ذلك هي إقامة مملكة لليهود في فلسطين مع مرور الزمن. قلتم هذا قبل وعد بلفور بخمس سنوات، وقبل إعلان دولة إسرائيل بستة وثلاثين عاماً.

ولهذا لم تكن بصيرتكم مقصورة على توقع إمكان قيام دولة يهودية في المستقبل. الأهم من ذلك أنكم أدركتم، في وقت مبكر جداً، الطرق التي ستُقام بها هذه الدولة. لقد رأيتم أن الصهيونية لا تتكون فقط من جماعات مسلحة، أو مفاوضات دبلوماسية، أو مؤتمرات تُعقد في العواصم الأوروبية.

لقد فهمتم أن البلاد تُبنى أولاً في الفصول الدراسية، وفي الكتب المدرسية، وفي الصحف، وفي المصارف، وفي عقول البشر. وقبل أن يظهر علم للدولة، رأيتم المدارس التي تربي المجتمع الذي سيرفع ذلك العلم. وقبل أن يوجد برلمان، أدركتم الأسس التي تقوم عليها المؤسسات التي ستنفذ قراراته. وقبل أن يظهر جيش نظامي إلى العلن، شخّصتم النظام الاقتصادي والثقافي والاجتماعي الذي سيقف خلف ذلك الجيش.

ولهذا فتحتم صفحات المقتبس للمقالات التي تشرح أهداف الصهيونية والأخطار التي تمثلها على العالم العربي. وفي هذا الفضاء الفكري الذي أتحتموه، ناقش عبد الله مخلص، وعمر صالح البرغوثي، ونجيب نصار، وشكري العسلي، النشاط الصهيوني، وعمليات شراء الأراضي، وأساليب التنظيم.

غير أن تشخيصكم الأكبر والأشد وضوحاً ظهر في مؤلفكم الذي عملتم عليه سنوات طويلة، خطط الشام. فلم تكتفوا فيه ببضع جمل غاضبة عن الصهيونية ثم تمضوا. بل أفردتم عناوين من قبيل: «تاريخ الصهيونية وأعمالها الأخيرة»، و«المنظمات الصهيونية»، و«الصهيونية في أثناء الحرب»، و«الصهيونية بعد الحرب»، و«الهجرة»، و«التعليم والمصارف والصحافة والمشروعات الاقتصادية»، وفككتم الحركة إلى عناصرها كأنكم تضعونها تحت عدسة فاحصة.

ودرستم، بدقة المؤرخ، البنية الممتدة من أفكار تيودور هرتسل إلى المؤتمرات الدولية، ومن المصارف إلى المدارس، ومن مؤسسات الهجرة إلى الدعم البريطاني.

بل إنكم استخدمتم في كتابكم عنواناً يفيد معنى «أعمال حكومة العرب وحكومة الصهيونيين». وكان وصفكم للبنية الصهيونية بأنها «حكومة»، قبل سنوات طويلة من قيام إسرائيل، بالغ الأهمية. ذلك أنكم لم تنتظروا إعلان الدولة رسمياً. لقد أدركتم أن البنية لا تحتاج، حتى تُعَدّ حكومة، إلى إصدار إعلان استقلال أو رفع علم فوق المعابر الحدودية.

فإذا كانت تُوطّن الناس، وتدير التعليم، وتجمع الأموال، وتقيم العلاقات الخارجية، وتحصل على الامتيازات الاقتصادية، وتتخذ القرارات المتعلقة بالمستقبل، فإنها تكون قد بدأت بالفعل تعمل عمل الدولة.

وكتبتم أن أهداف المصرف الاستعماري الصهيوني لم تكن مالية فحسب، بل كانت سياسية أيضاً. وسجلتم الفروع التي افتتحتها الشركة الأنغلو-فلسطينية في القدس ويافا وحيفا والناصرة، وشرحتم الصناديق المالية التي أُنشئت لشراء الأراضي، وشبكات التبرعات، وعمليات تراكم رأس المال.

وأدركتم أن المصارف كانت تمنح المستوطنين اليهود قروضاً بفوائد أقل، وأن الحياة الاقتصادية كانت تُنظَّم بذلك في خدمة هدف سياسي محدد.

وأوليتم المدارس اهتماماً خاصاً. لأنكم كنتم تعرفون أن الأمة لا تُبنى بمجرد توطين الناس على الأرض، بل بتعليمهم لغة مشتركة، وتاريخاً مشتركاً، وفكرة مشتركة عن المستقبل.

وقد كتبتم بالتفصيل أن إدارة التعليم الصهيونية كانت تعمل بصورة مستقلة عن الحكومة، وأنها أخذت تتوسع بمئات المعلمين وآلاف الطلاب، وأن التعليم كان يُقدَّم باللغة العبرية، وأن الأطفال كانوا يتلقون تعليماً مكثفاً في جغرافية فلسطين والتاريخ اليهودي.

وسجلتم مدارس البنات، ودور إعداد المعلمين، والمؤسسات الزراعية والفنية، بل حتى فكرة إنشاء جامعة عبرية.

ولم تستهينوا بقوة الصحافة أيضاً. فذكرتم، واحدة واحدة، الصحف التي كانت تصدر بالعبرية والإنجليزية. فقد كنتم أنتم أيضاً صحفياً، وكنتم تعرفون أكثر من غيركم أن الصحيفة لا تنقل الأخبار فحسب، بل تصوغ كلمات المجتمع الجديد، وأعداءه، وأبطاله، وذاكرته.

كانت الصحافة الصهيونية تعلم مواطني دولة لم تولد بعد كيف ينبغي لهم أن يفكروا. وكانت الرواية التي تمحو الشعب العربي الفلسطيني من المشهد تُبنى أولاً بالكلمات، لا بالسلاح. وقد رأيتم ذلك أيضاً.

ولم تنظروا إلى العلاقة بين الانتداب البريطاني والحركة الصهيونية على أنها لا تتجاوز بضع جمل وردت في وعد بلفور. فقد شرحتم الصلاحيات الواسعة التي مُنحت للجنة الصهيونية برئاسة وايزمان، وكيف كانت هذه اللجنة تعمل كجهاز اتصال بين السلطات البريطانية والمجتمع اليهودي، وكيف أُسندت إليها مهمة تطوير المستوطنات وتنظيم السكان اليهود.

وأدركتم أن البريطانيين لم يقدموا للحركة الصهيونية وعداً سياسياً فحسب، بل هيّأوا لها فضاء محمياً تستطيع فيه أن تعمل، وتجمع الأموال، وتوطّن الناس، وتنشئ المؤسسات.

وتناولتم بالتفصيل حتى الامتياز الذي منح بنحاس روتنبرغ حق توليد الكهرباء من مياه نهري الأردن واليرموك. وفهمتم أن الصلاحيات التي امتدت من استخدام بحيرة طبريا خزّاناً للمياه، إلى تغيير مجاري الأنهار، ومصادرة الأراضي التي تُعَدّ ضرورية، لم تكن مجرد استثمار اقتصادي عادي.

ذلك أنكم كنتم تعلمون أن السيطرة على المياه والطاقة والإنتاج تشكل، بقدر السيطرة على الأرض، أساس السيادة المستقبلية.

وحين نجمع كل ذلك، ندرك على نحو أوضح كم كان فهمكم للصهيونية مبكراً وعميقاً. لم تروا أمامكم مجرد حركة هجرة. بل رأيتم منظومة تعليمية، وبنية مالية، ونظاماً صحفياً، وشبكة دبلوماسية، وتنظيماً زراعياً، ومركزاً سياسياً، تعمل كلها في ترابط وثيق.

وسجلتم كيف كانت البنية التي يمكن أن نسميها اليوم «دولة موازية» أو «دولة داخل الدولة» تُبنى في فلسطين خطوة خطوة، قبل أن يُطلَق على الدولة اسمها.

أستاذي الحبيب،

كان لنا أستاذ في كلية التاريخ، اعتاد أن يقول في أحد دروسه الأولى:

«بعض الناس في التاريخ لا يكونون شهوداً على عصرهم فحسب، بل يلمحون أيضاً آثار مستقبل لا يستطيع رؤيته إلا عدد قليل من الناس. إنهم يسمعون صوت الخطر الصاعد قبل الجميع».

حين قرأت قصة حياتكم، تذكرت كلمات ذلك الأستاذ.

ثم فكرت في أنكم، حين وقفتم أمام الميكروفون في القدس عام 1940، كنتم تحملون على أكتافكم ثقل كل تلك الكتابات القديمة. كنتم ترون الجمل التي كتبتموها قبل نحو ثلاثين عاماً على سبيل التحذير، وقد اتخذت الآن لحماً ودماً في الشوارع والمحطات والمدارس والمعسكرات.

كانت المدارس العبرية التي تحدثتم عنها ذات يوم قد تكاثرت، والمصارف قد كبرت، والمستوطنات قد اتسعت، والتنظيمات السياسية قد ازدادت قوة. والخطوط التي كنتم تتعقبونها على الورق تحولت إلى شقوق عميقة في أرض فلسطين.

ولعل هذا هو السبب في أن ابتسامتكم في تلك الصورة بدت لي حزينة. لأن أن يكون الإنسان مصيباً في توقع كارثة، هو أحد أثقل الأعباء التي يمكن أن يحملها. فبعض الحقائق لا تمنح الإنسان عزاءً، بل تتحول إلى ألم عميق يرافقه طوال حياته.

ليتكم كنتم مخطئين. ليت كل تلك السطور التي كتبتموها بقيت مجرد مخاوف زائدة لشيخ المجمع العلمي العربي في دمشق. ليت شيئاً من نبوءاتكم بشأن فلسطين لم يتحقق. ليت مخاوفكم نُسيت مع الزمن، وبقيت مدن فلسطين في أماكنها، وقراها بأهلها، وطرقاتها بأسمائها.

ليت القرى المدمرة وقوافل المنفيين لم تكن هي الدليل على صحة ما قلتم. وأنا على يقين من أنكم كنتم ستفضلون أن تتبدد كل مخاوفكم بشأن فلسطين، وأن يقرأ الناس كلماتكم بعد سنوات ثم يقولوا: «لقد بالغ الأستاذ الكبير هذه المرة في القلق».

لكن التاريخ لم يمنحكم هذه الرحمة. ليتَه فعل…

أستاذي الجليل،

لدينا شاعر تركي كبير توفي عام 1963، أي بعد رحيلكم بعشر سنوات. كان اسمه ناظم حكمت. وكان يؤمن، حتى في قلب أقسى الهزائم، بأن ثمة احتمالاً لم ينطفئ بعد، وكلمة لم تُقَل، وأياماً جميلة لم تُعَش.

ولهذا كنا في سنوات الدراسة الثانوية نكتب أبياته دائماً على هوامش دفاترنا.

قال في إحدى قصائده:

«أجمل البحار هو البحر الذي لم نذهب إليه بعد.

وأجمل الأطفال لم يكبر بعد.

وأجمل أيامنا هي الأيام التي لم نعشها بعد.

وأجمل كلمة أريد أن أقولها لكم، هي الكلمة التي لم أقلها بعد».

تذكّرني هذه الأبيات بكم أحياناً. لأنكم كنتم، من ناحية، تسجلون آثار عالم قديم آخذ في الانهيار، ومن ناحية أخرى تحاولون أن تتركوا للأجيال المقبلة كلمات لم تُقَل بعد.

لم يكن في كل سطر كتبتموه حزن على ما فُقد فحسب، بل كان فيه أيضاً نداء إلى الأمل في المستقبل. واليوم، حين أنظر إلى شوارع دمشق التي أحببتموها كثيراً، أرى كم كنتم محقين في ذلك النداء إلى الأمل.

لقد صمد الشعب السوري سنوات طويلة وهو يؤمن بأن أجمل أيامه لم تُعَش بعد. وعلى الرغم ممن فُقدوا في السجون، والمدن التي دمرها القصف، والأطفال الذين قُتلوا في الهجمات الكيميائية، وحفر الموت في حي التضامن، وملايين اللاجئين الذين تناثروا في أنحاء العالم، لم يتخلَّ عن الأمل قط.

ولهذا لم يكن فتح مدينتكم دمشق نتيجة تقدم عسكري فحسب. بل كان انتصاراً عظيماً لأمل مئات الآلاف من البشر الذين لا تُعرف حتى قبورهم، وللأمهات اللواتي انتظرن سنوات أمام أبواب السجون، وللآباء الذين حملوا صور أبنائهم على صدورهم، ولملايين اللاجئين الذين لم يفقدوا الأمل في العودة إلى وطنهم.

لقد أثبت الشعب السوري أنه لم يقبل بالهزيمة التي رُسمت له بين حسابات القوى الكبرى في العالم. وأثبت أن التاريخ لا يُكتب في القصور والمعسكرات والعواصم الأجنبية وحدها.

ولعل هذا هو ما كان ناظم حكمت يقصده حين قال: «أجمل أيامنا هي الأيام التي لم نعشها بعد». فقد أرانا الانتصار العظيم للشعب السوري أن أكثر ليالي التاريخ ظلمة لا تدوم إلى الأبد.

حتى في السنوات التي بدا فيها الإيمان بأن سورية ستنال حريتها ضرباً من المستحيل، ظل السوريون يحملون هذا الإيمان في قلوبهم. والفلسطينيون أيضاً يحملون العناد نفسه، على الرغم من قرابة مئة عام من المنافي والاحتلالات والمجازر والخيبات.

يتركون مفاتيح بيوتهم لأبنائهم، ويعلمونهم أسماء قراهم عن ظهر قلب، ويبقون في ذاكرتهم وطناً يراد لهم أن ينسوه. ولهذا لا أريد أن أكون يائسة من مستقبل فلسطين، يا أستاذي الجليل. كم كنت أتمنى أن تكونوا أمامي الآن، وأن تقولوا لي إن هذا الأمل ليس أملاً واهياً.

والآن، وأنا أختتم هذه الرسالة، أشعر بأن كل الكلمات التي أردت أن أقولها لكم قد بقيت ناقصة. لأن وداع بعض الناس لا يمكن أن يتم ببضع جمل فقط. فهم، حتى بعد موتهم، يواصلون السير بين الكتب، والعيش في ذاكرة المدن، ولمس أكتاف أناس وُلدوا بعدهم بزمن طويل، في صمت.

وأنتم من هؤلاء.

لقد خلا مكتبكم في دمشق منذ زمن طويل. ولم تعد خطواتكم تُسمع في ممرات المجمع العلمي العربي. واصفرّت الصفحات التي لامستها أيديكم، وغادر هذه الدنيا معظم الذين بلغهم صوتكم.

غير أن انتباهكم، ومخاوفكم، والتحذيرات التي تركتموها للمستقبل، ما تزال حية. وكلما قرأنا قلقاً أبديتموه من أجل دمشق، أو سطراً كتبتموه عن القدس، فهمناكم من جديد.

ما زلتم بيننا في ذاكرة دمشق، وفي أعماق اللغة العربية، وفي ذلك القلق الذي حملتموه من أجل فلسطين.

طابت روحكم، يا أستاذي الجليل.

لتظلّل ياسمينات دمشق قبركم. ولتحمل إليكم نسمات المدينة العتيقة في الصباح رائحة الأزقة التي بقيت في ذاكرتكم من طفولتكم وشبابكم.

ولتمرّ رياح القدس عبر ساحات المسجد الأقصى، فتحمل إليكم رائحة أشجار الزيتون، والحجارة القديمة، والدعوات التي لا تنقطع.

وحين تتحرر فلسطين يوماً، ليت ذلك الخبر الجميل يتجاوز كل جدران الزمن، ويصل إليكم أنتم أيضاً.

Author

  • دمشق
Tags: محمد كرد علي
Share on FacebookShare on Twitter

Related Posts

وزير الثقافة السوري يطّلع على الإرث الحضاري في جبل القلعة والقصر الأموي ومتحف الأردن خلال زيارته إلى عمّان
ثقافة

وزير الثقافة السوري يطّلع على الإرث الحضاري في جبل القلعة والقصر الأموي ومتحف الأردن خلال زيارته إلى عمّان

يوليو 24, 2026
“مهارات تصنع الأبطال”.. أطفال مصياف يستعرضون مواهبهم في فعالية ثقافية تفاعلية
ثقافة

“مهارات تصنع الأبطال”.. أطفال مصياف يستعرضون مواهبهم في فعالية ثقافية تفاعلية

يوليو 24, 2026
وزارة الثقافة تعيد الحضور السوري إلى مهرجان جرش بمشاركة فنية تحتفي بالتراث الشعبي
ثقافة

وزارة الثقافة تعيد الحضور السوري إلى مهرجان جرش بمشاركة فنية تحتفي بالتراث الشعبي

يوليو 24, 2026
ثقافة

وزارة الثقافة تطلق إعداد الدراسات الهندسية لإعادة تأهيل مسرحي القباني والحمراء في دمشق

يوليو 24, 2026
وزير الثقافة السوري يزور دارة الشعراء الأردنيين ويبحث تعزيز التعاون الثقافي بين البلدين
أخبار

وزير الثقافة السوري يزور دارة الشعراء الأردنيين ويبحث تعزيز التعاون الثقافي بين البلدين

يوليو 24, 2026
المزيد

منصة دمشق الإخبارية

دمشق

منصة دمشق الإخبارية
منصة ثقافية سياسية سورية متعددة
تصدر عن مؤسسة دمشق للثقافة والفكر الفنون والتنمية ومركز دمشق للأبحاث والدراسات

الأقسام

  • أخبار
  • اقتصاد
  • المكتبة
  • تراث
  • تكنولوجيا
  • ثقافة
  • رأي
  • رياضة
  • سلايد
  • مشاريع
  • ميديا

أخر الأخبار

رسالة مفتوحة إلى محمد كرد علي

رسالة مفتوحة إلى محمد كرد علي

يوليو 24, 2026
وزير الثقافة السوري يطّلع على الإرث الحضاري في جبل القلعة والقصر الأموي ومتحف الأردن خلال زيارته إلى عمّان

وزير الثقافة السوري يطّلع على الإرث الحضاري في جبل القلعة والقصر الأموي ومتحف الأردن خلال زيارته إلى عمّان

يوليو 24, 2026

© 2026 جميع الحقوق محفوظة - دمشق

  • en English
  • de Deutsch
  • ar العربية
  • الرئيسية
  • أخبار
  • اقتصاد
  • تكنولوجيا
  • رأي
  • ثقافة
  • تراث
  • ميديا
  • المكتبة
  • رياضة
  • أعداد مجلة دمشق
  • التواصل
  • تبرع
  • فريق المنظمة
  • سياسة الخصوصية
  • من نحن

© 2026 جميع الحقوق محفوظة - دمشق

⚡ أحدث الأخبار