spot_img

ذات صلة

الأكثر مشاهدة

ترامب يواجه تصعيداً مع إيران وتحركاً جديداً بشأن الانتخابات الأميركية

منصة دمشق الإخبارية   تتصاعد الضغوط على إدارة الرئيس الأميركي دونالد...

تصعيد عسكري واسع في اليمن.. أكثر من 300 قتيل خلال أيام

منصة دمشق الإخبارية   تشهد عدة جبهات في اليمن تصعيداً عسكرياً...

موقع نووي قرب دمشق جريمة جديدة للأسد

تقرير يكشف موقع منشأة مرتبطة بالبرنامج النووي السوري قرب...

»العرب واللسان العربي في مطالعة للبحث التاريخي«

منصة دمشق الإخبارية نقلاً عن مركز حسن بن محمد...

وزير الثقافة يبحث مع محافظ حلب سبل تعزيز الواقع الثقافي في المحافظة

منصة دمشق الإخبارية بحث وزير الثقافة محمد ياسين الصالح، خلال...

»العرب واللسان العربي في مطالعة للبحث التاريخي«

منصة دمشق الإخبارية نقلاً عن مركز حسن بن محمد للدراسات التاريخية في الدوحة

 

محاضرة للأستاذ الدكتور محمد حرب فرزات

 

أقام مركز حسن بن محمد للدراسات التاريخية مساء يوم السبت الموافق 5 سبتمبر 2026 محاضرة للأستاذ الدكتور محمد حرب فرزات، أستاذ التاريخ القديم سابقا في جامعتي دمشق وقطر، بعنوان »العرب واللسان العربي في مطالعة للبحث التاريخي«

 

وجاءت المحاضرة في صورة رحلة فكرية وتاريخية واسعة وممتدة، حاول من خلالها الدكتور محمد حرب فرزات إعادة النظر في تاريخ العرب من منظور لا يقتصر على الأحداث السياسية وتعاقب الدول، وإنما يجمع بين الجغرافيا والتاريخ والحضارة والإنسان واللغة، ويجعل من الكتابات والنقوش والمفردات القديمة أدوات يمكن الاستعانة بها في فهم التاريخ وإعادة قراءته.

 

انطلق المحاضر من قاعدة أساسية عبر عنها بقوله»: الجغرافيا أولا: الأرض ساحة التاريخ«، موضحا أن موقع بلاد العرب وطبيعة أرضها وممراتها البحرية والبرية كان لها أثر أساسي في حركة الإنسان والتجارة والتواصل بين الحضارات.

 

وتوقف عند خطين رئيسيين شكلا حركة المنطقة عبر التاريخ: خط شرقي يصل بلاد الرافدين بالبحرين وعمان وقطر، ثم يمتد عبر سواحل شبه الجزيرة إلى المحيط الهندي؛ وخط غربي ينطلق من مصر باتجاه بلاد الشام والبحر الأحمر وشرق أفريقيا، إلى جانب الطرق الداخلية التي ربطت سواحل شرقي المتوسط بالخليج العربي. ومن هنا أكد أهمية الجغرافيا والخرائط في دراسة التاريخ والحرب والدبلوماسية وحركة المجتمعات.

 

وانتقل الدكتور فرزات بعد ذلك إلى سؤال منهجي: لماذا نحتاج إلى مطالعة التاريخ ومراجعته؟

وأكد أن البحث التاريخي يفتح باستمرار أبوابا لبحوث جديدة، وأن معرفتنا بالماضي تتجدد مع اكتشاف مصادر ووثائق جديدة وتطور مناهج البحث. وميز بين التاريخ بخصائصه المطلقة، أي جملة الوقائع والأحداث والتطورات التي وقعت، وبين معرفتنا النسبية بالتاريخ؛ إذ يعمل الباحث على جمع المادة التاريخية وتحليلها وتفكيكها وفهمها وإعادة صياغتها وفقا لما تتيحه المصادر والمعرفة المتاحة.

 

ومن هنا تصبح مراجعة التاريخ، في رؤيته، ضرورة علمية، وتصبح إعادة قراءة المصادر القديمة وطرح أسئلة جديدة عليها وسيلة للوصول إلى فهم أعمق للماضي.

 

ومن أبرز محاور المحاضرة انتقال الدكتور فرزات إلى الجذور الحضارية واللغوية القديمة للمنطقة، متتبعا تاريخ الكتابة واللغات منذ حضارات الشرق القديم، ومتوقفا عند الكتابات السومرية والأكادية وتطور نظم الكتابة والأبجديات.

 

وفي هذا السياق لم ينظر إلى الكتابة باعتبارها مجرد وسيلة لتسجيل الأحداث، وإنما بوصفها تحولا حضاريا كبيرا مكّن الإنسان من حفظ ذاكرته ونقل معرفته. وأشار في مساره التاريخي إلى اختراع الكتابة في بلاد الرافدين نحو 3200 ق.م.، وإلى تعدد أنظمة الكتابة القديمة، ومنها المسمارية والمقطعية والأبجدية، وربط ذلك بنشوء المدن والمجتمعات المنظمة وتطور الحضارة.

 

وشكلت اللغة واحدا من أهم محاور المحاضرة. فقد تعامل معها الدكتور فرزات باعتبارها أكثر من وسيلة للتخاطب؛ فهي في الوقت نفسه مستودع للذاكرة وشاهد على التاريخ.

 

وتناول اللغات القديمة وصلاتها بعضها ببعض، وانتقل إلى اللغات العربية القديمة واللسان العربي، مستعينا بمخططات تبين تفرعات عدد من اللغات والكتابات القديمة، ومنها الأوغاريتية والفينيقية والآرامية والعربية الجنوبية وغيرها، وما بينها من صلات في الإطار اللغوي الأوسع للمنطقة.

 

وكان من الجوانب اللافتة في عرضه أنه لم يكتف بالشجرة النظرية للغات، وإنما انتقل إلى مقارنة مفردات من اللغات القديمة بمفردات عربية، مبينا ما بينها من تقارب في بعض الجذور والأصوات والدلالات، واستدل في أثناء المحاضرة بنص آرامي قارن بعض مفرداته بالعربية، ليبين للحضور كيف يمكن للجذر اللغوي أن يحتفظ بآثاره عبر أزمنة طويلة.

 

وبذلك نقل المحاضر النقاش من مجرد تاريخ اللغة إلى فكرة أعمق، هي إمكانية استخدام اللغة نفسها مصدرا من مصادر التاريخ؛ فالنقش والكلمة والجذر واسم المكان قد تحمل جميعها شواهد تساعد الباحث في تتبع الاتصال والتفاعل بين المجتمعات والحضارات.

 

ومن هذه المقارنات انتقل المحاضر إلى قضية اللغات العربية القديمة واللسان العربي الأصيل، وربطها بالسؤال عن العرب ووجودهم في موطنهم، ومعرفتهم بأنفسهم وبأرضهم ولسانهم.

وتشير خلاصة المحاضرة إلى تصوره لوجود مجموعة من الفروع اللغوية في شبه الجزيرة العربية، ومنها اللغات العربية الشمالية القديمة، واللغات العربية الجنوبية اليمنية، إلى جانب لغات أخرى عرفتها الجزيرة، قبل أن تكتسب العربية مكانتها الواسعة مع الإسلام وما حملته من ثقافة دينية ولغوية وحضارية.

 

وتتبع الدكتور فرزات بعد ذلك مجموعة من المحطات التي رأى أنها أساسية في قراءة التاريخ العربي، فتحدث عن وجود العرب واستقرارهم على أرضهم، وعن تكوين الجماعات والقبائل والقرى والمدن والدول، وعن حضورهم في الذاكرة التاريخية والمصادر القديمة.

 

كما تناول نشأة العمران والاستقرار والزراعة وتدجين الحيوان وتطور المجتمعات منذ عصور ما قبل التاريخ، وصولا إلى ظهور القرى والمدن واختراع الكتابة، ثم ورود اسم العرب في بعض المصادر القديمة.

 

ومن هنا اتسعت دائرة المحاضرة لتشمل علاقة العرب بالحضارات والقوى المحيطة بهم، والصراع في حوض البحر الأبيض المتوسط، والاحتكاك باليونانيين والرومان، وما رافق ذلك من انتقال للأفكار والثقافات والتحولات الحضارية.

 

الإسلام وتحول التاريخ العربي

ثم توقف المحاضر عند المسيحية في الجزيرة العربية وجنوبها، قبل أن ينتقل إلى ظهور الإسلام بوصفه تحولا تاريخيا كبيرا، وكيف عبر العرب عن أنفسهم برسالة الإسلام وبناء الدولة، من دولة المدينة إلى الدولة الأوسع.

 

وتناول انتقال مركز الدولة وتعاقب أنظمتها، ثم الفتوحات وانتشار الدولة العربية الإسلامية في بلاد الشام ومصر وشمال أفريقيا والأندلس، وما صاحب ذلك من تحول سياسي وحضاري وثقافي واسع.

 

وامتدت القراءة التاريخية إلى مراحل المواجهة والاحتكاك بين الشرق والغرب، من الحروب الصليبية إلى صعود القوى الأوروبية والمشروع الاستعماري، وتحول طرق التجارة العالمية بعد خروج الأوروبيين إلى البحار.

 

وتوقف الدكتور فرزات عند انتقال المبادرة إلى العثمانيين، وسقوط القسطنطينية سنة 1453، ثم استمرار الصراع على طرق التجارة والممرات البحرية، وصولا إلى حملة نابليون بونابرت على مصر والمشرق سنة 1798، باعتبارها إحدى المحطات التي فتحت مرحلة جديدة في علاقة المنطقة بالغرب.

 

وهنا تبرز قيمة المقارنة التي قدمها المحاضر بين بعض اللغات القديمة والعربية؛ لأنها تذكرنا بأن التاريخ ليس موجودا في كتب المؤرخين وحدها، وإنما قد يكون محفوظا أيضا في كلمة بقي جذرها حيا آلاف السنين، أو في نقش قديم، أو في أبجدية، أو في اسم مكان انتقل من جيل إلى آخر.

 

ويمكن تلخيص المسار الذي قدمه الدكتور فرزات في علاقة متكاملة: الأرض تمنح الإنسان مجال حركته، والإنسان يصنع الحضارة، والكتابة تحفظ ذاكرتها، واللغة تحمل جانبا من هذه الذاكرة عبر الأجيال.

 

ولهذا كان من الطبيعي أن تنتهي المحاضرة عند ما بدأت تبحث عنه: الإنسان العربي ولسانه وهويته. وقد أكد المحاضر في خاتمته أهمية تمسك العرب بلسانهم، والعمل على خدمته ودراسته والعناية بعلومه ومصطلحاته، بوصف ذلك سبيلا للمحافظة على هويتهم وتواصلهم الحضاري بين الأمم.

 

واختتم الأستاذ محمد همام بالتأكيد على أن مركز حسن بن محمد للدراسات التاريخية سعد باستضافة عالم أمضى عقودا طويلة في تدريس التاريخ والبحث فيه، وأن قيمة هذه المحاضرة لم تكن في اتساع المدى الزمني الذي تناولته فحسب، وإنما في الدعوة إلى إعادة التفكير في أدوات كتابة التاريخ نفسه؛ من الجغرافيا والخريطة إلى الأثر والنقش، ومن النص القديم إلى اللغة والكلمة.

 

وتقدم باسم مركز حسن بن محمد للدراسات التاريخية بالشكر والتقدير للأستاذ الدكتور محمد حرب فرزات على هذه الرحلة العلمية والفكرية، التي بدأت من الأرض، وعبرت الحضارات واللغات والأبجديات، وانتهت إلى اللسان العربي باعتباره أحد أهم أوعية الذاكرة والهوية الحضارية.

محمد همام فكري

 

spot_imgspot_img