منصة دمشق الإخبارية
في كتابه الجديد “أورغانون المسرح السوري الجديد” المتضمّن، إلى ذلك، نصّه المسرحي “بروفة يوم الحساب” والذي تحوّل إلى عرضٍ منصيٍّ قُدِّم في دمشق وحلب الجديدتيْن من إخراج ماهر صليبي وتمثيل يارا صبري وروبين عيسى وجابر جوخدار، يعاين الكاتب المسرحي السوري المقيم في فرنسا فارس الذهبي فرص إعادة صياغةِ أداةٍ نظرية تمنح المسرح السوري ما بعد زمن الطغيان، قدرته على الفضح والسؤال.
تنطلق مساعي فارس الذهبي في كتابه هذا، الصادر حديثًا (2026) في (155) صفحة من القطع المتوسط، عن وزارة الثقافة السورية، ومؤسسة دمشق للثقافة والفكر والفنون والتنمية، من خلال معاينات تأمّلية نقدية لمحاولات تحرير النص من أزماته القديمة التي مرّ عليها الماء، وعبْر طرْح سـؤالٍ تأسيسيٍّ حول مدى تمثيل النص المسرحي السوري، مقارنة بالمسرح الأوروبي، لمجتمعه.
في مقدمته التي “لا بد منها” يوضح الذهبي، صاحب “الريح والملح” مجموعته القصصية الصادرة في عام 2003 عن دار كنعان الدمشقية، دلالات مصطلح “أورغانون” organon، الذي جعله عنوانًا لكتابه الجديد، وفي سياق توضيحه يقول في الصفحة التاسعة من الكتاب إن المصطلح “يرتبط بالمنطق الأرسطي بوصفه أداة القياس التي يعمل عبرها العقل لتمييز الحقيقة من الوهم، وترتيب القول، وفحص العلاقة بين المقدمات والنتائج”، ذاهبًا، بعد تعريفه المختصر للمصطلح، إلى أن كتابات أرسطو وكتبه المنطقية حملت، لاحقًا، تسمية “أورغانون”، وهو ما حدث، بحسب الذهبي، عندما جمع أندرونيقوس الرودسي كتب المنطق الأرسطي (“المقولات” و”العبارة” و”التحليلات” و”الجدل” و”السفسطة” و”الشعر” و”الخطابة”) في القرن الأول قبل الميلاد، ناظرًا إليها (أي أندرونيقوس) بوصفها “أداةَ فكر”.
المنطق، إذًا، أداة، كما يريد أرسطو أن يقول، وكما التقط الذهبي فجعل هذه المرجعية أساسًا خلال معاينته في كتابه الجديد، النصوص المسرحية السورية، مضيفًا إليها فكرة أن الأورغانون هو، من مقلب آخر (متصل ومنفصل)، “لغة العقل نفسه” (صفحة 9)، مقتبسًا من الفارابي مقولته “المنطق هو الصناعة التي يُعرف، عبر استخدام أدواته، الصحيح من الفاسد من القول”.
مواصلًا المقدمة التي “لا بد منها”، (قد يكون الذهبي أضاف عبارة “لا بد منها” لمقدمته لاعتقاده أن مصطلحًا من قبيل “أورغانون” هو من المصطلحات التي لا نقع عليها كل يوم ونحن نطالع كتبًا في النقد المسرحي، وفي عموم علوم الأخلاق والجمال)، يخلص الكاتب إلى أن مصطلح “أورغانون” قد يتحوّل إلى دليل عمل، أو إلى “أداة صغيرة تضبط الممارسة المسرحية على أساسٍ عقلانيٍّ نقديٍّ، وعلى أساسِ وعيٍ يشتغل في مواجهة الانفعال الخالص والتطهير الحالم” (ص 11).
يقول الذهبي في المقدمة التي يبدو أنه كان مضطرًا إلى خوض غمارها بسبب عدم شيوع عنوان كتابه: “حين نستعير اليوم كلمة ’أورغانون’ في عنوان من مثل ’أورغانون المسرح السوري’، فإنها تستعاد بوصفها اقتراحًا معرفيًا واضح المعنى، إذ نحن بحاجة إلى مقياس لفهم المسرح السوري عبر تجاوز تراكم العروض والأسماء، على أنه نظام لفهم المجتمع السوريِّ نفسه، وتشريح بنياتِه، وقياس درجة وعيهِ وتشوّههِ بفعل عقود من الممارسات الثقافية المسيّسة” (ص 11).
إلى أن يخلُص إلى أن المسرح يغدو، وفق آليات الأورغانون، “فعلًا جماليًا وضرورةً معرفيةً في آن واحد، ويغدو الأورغانون الاسم الذي يمنح هذه الضرورة صيغتها النظرية” (ص 13). ثم ينهي المقدمة التي بدا كما لو أنه يريد إقفال دواعيها للشروع بالإبحار في فصول الكتاب وضفاف مراميه: “المقصود بالأورغانون هنا أنه محاولة لصوغ أداة قراءة تستطيع أن تردّ العناصر المتفرقة في التجربة المسرحية السورية إلى منطق داخلي يكشف وجوه قوّتها ومواضع اختلالها معًا.
من هذا المنطلق، سيتعامل الكتاب مع المسرح السوري بوصفه أثرًا من آثار تشكّله التاريخيّ، بما فيه من أيديولوجيا وخوف، ورغبة في الحرية، وانْكسارات جمالية، ومحاولات متكررة للبحث عن لغة تقول الحقيقة، أو تقترب منها، فوق الخشبة” (ص 13).
تاليًا، وعبر عشرة فصول، يتبعها فرْدُ مساحةٍ لنص مسرحية “بروفة يوم الحساب” كاملًا، وهو النص الذي نشر في الكتاب بوصفه نموذجًا من نماذج “مسرح العنف الفني” الذي خُصص له الفصل العاشر من الكتاب لبحثه وقراءة أطره النظرية الضابطة وخرائطهِ ومنظوماتِه، يخوض الكاتب في متاهات النص المسرحي السوري وما يعانيه من أزمات جمالية واقتصادية وسياسية (آليات الإقصاء) وإدارية، وصولًا إلى أزمة علاقة النص المسرحي السوري مع فرص التلقي وفضاءات التأويل.
مسرح القباني بدمشق
في الفصل الأول، “أزمة النص المسرحي السوري”، يطرح الذهبي سؤالًا تأسيسيًا (وقد يكون مرجعيًا): إلى أي حدٍّ مثّل النص المسرحي السوري مجتمعه؟ أم أنه بقي في هوامش الحياة “يكتب لغة كائنٍ معزولٍ، متعالٍ، يريد أن يلقّن شعبه الدرس، عوض الإصغاء إلى نبضه العميق؟” (ص 15).
ولأن الذهبي جعل من أوروبا والتجربة المسرحية الأوروبيّة مرجعية أساسية له وهو يعاين أزمات المسرح السوري ويتأمّلها وينْقدها، فإن ما يخلص له حول “أزمة النص المسرحي السوري”، مستفيدًا في الوصول إليه من نصوص غوته وراسين وموليير وبريشت وبيكيت المسرحية، ومن كتاب فرويد “الطوطم والتابو”، وبعد أن يقر بضرورة “قْتل الأب” المسرحي في التجربة السورية (الذي يمثّل القانون والمنع والهيمنة)، ولكن بوصفه “واجبًا واعيًا” لا كصيرورة حتمية فقط لا غير، يخلُص صاحب مجموعة “تفسير الأحلام” القصصية، إلى أن “استعادة العلاقة بين النص المسرحي السوري ومجتمعه تمرّ”، كما يرى، من خلال “إعادة تعريف وظيفة الكتابة نفسها من موقع الأستاذ إلى موقع الشاهد، من منطق القيادة إلى وعي المشاركة، من وهم امتلاك الحقيقة إلى شجاعة طرح السؤال في أذهان الناس. عندها يمكن للغة المسرحية أن تستعيد توترها الحيّ، وأن تتحوّل الخشبة مجددًا إلى مساحة اشتباكٍ حقيقيّ، بدل أن تبقى منصّة خطاب ثقافي، أو صالة عرض لتمارين جمالية معزولة” (ص 28).
ورغم (الأستاذية) التي ينهي عبرها الذهبي حروف الفصل الأول من كتابه، إلا أنها، برأيي، الأستاذية التي منحها لنفسه ولوجهة نظره حول سبل معالجة أزمة النص المسرحي السوري، بعد أن خاض بنا وأخذنا معه في صفحات الفصل الأول لمعاينةِ جملةً من الإشكاليات القائمة في المشهد المسرحي السوري؛ مثل قصة إصرار المخرجين على كتابة نصوصهم بأنفسهم رغم وفرة النصوص المنجزة من أصحاب الاختصاص بالكتابة المسرحية، وإصرار عدد آخر كبير منهم على نصوص أجنبية مستوردة، رائيًا أن تطوّر المسرح السوري “يحتاج إلى النص المسرحي السوري، وإلى أولوية ومساحة حقيقية لهذا النص فوق خشبات المسارح المحلية” (ص 24).
“ثمة حاجة إلى إعادة تعريف وظيفة الكتابة نفسها من موقع الأستاذ إلى موقع الشاهد، من منطق القيادة إلى وعي المشاركة، من وهم امتلاك الحقيقة إلى شجاعة طرح السؤال في أذهان الناس”
إن الاستعانة بمسرحية “النورس” لتشيخوف، على سبيل المثال، على أهمية النص ومتانته، وأهمية “عطيل” شكسبير و”حلم ليلة صيف” لشكسبير أيضًا، هي مجرد هروب، كما يرى الذهبي، من مواجهة الواقع، ومن حضور شهادات الفنانين “الحقيقيين” حوله فوق الخشبة: “إنها رفاهية لا تليق بجمهورنا المخضّب بالمشاكل والهموم”، يقول صاحب “مولانا” النص المسرحي الذي يكاد يسرقه بعضهم منه.
من الأسئلة التي يطرحها الذهبي في سياق مواجهة (الأزمة): كيف يمكن الحكم على نصٍّ مسرحيٍّ من دون معاينة تفاعل الجمهور معه؟ ثم يلحق هذا السؤال المهم بتساؤل ملح: لماذا يهرب المخرجون للنصوص المستوردة في حين أن مئات النصوص المحلية ما تزال حبيسة أدراج الكتب والإهمال والإحصاء الأنطولوجي غير القادر على تفعيل مخرجاته إلى ضغط ميدانيٍّ قادرٍ على إحراج صنّاع المسرح السوري وحثّهم على مراجعة هذه الأنطولوجيا والاطلاع عليها علّهم يجدون في مئات النصوص التي أحصتها أنطولوجيا دمشق عاصمة للثقافة العربية 2008، ما يليق بجمهور متعطشٍ لأن يرى معاني وجوده فوق الخشبة؟
في الفصل الثاني، “الأزمة الجمالية في النص المسرحي”، يرى الذهبي أن مشكلة المسرح السوري المركزية تتمثّل في “فقدان التجلّي الإبداعيّ داخل نسيج اللغة المسرحية”، حيث أن المسرح الحقيقي، برأيه، ليس مجرد وزن وإيقاع، ولا اجتهاد مضنٍ بتحديد النوع المسرحي، أو الشعري، ولا بإحلال التقنية محلّ التجلّي، أو التكرار مكان الخلق والابتكار والريادة.
تكرار الثِيَم، والأخذ بالنظريات الغربية، خصوصًا الأميركية الشبيهة بالوجبات السريعة، وما يعرف بـ”صناعة السيناريو” الذي حوّل الكتابة الإبداعية إلى ما يشبه الطابع الصناعيّ المستند إلى نماذج سابقة مضمونة جرى تناولها، وخطوات محددة، وخرائط زمنية صارمة، حوّلت الكتّاب المتدرّبين إلى متلقّين مسْلوبي الخصوصية، ومجرد حفظة ناقلين. تكرارٌ يحمل عليه الذهبي بشدّة مقتبسًا من ابن عربي قوله “التجلّي المُكرّر لا يعوّل عليه”، ومستخلصًا نتيجة دلالية للفصل الثاني مفادها أن مسرح (الفاست فود)، و(كاتالوغات السكريبت السريع) من شأنها أن تهدد البعد الجمالي في العملية الإبداعية، فالكتابة الحقيقية هي، كما يستنتج، تلك “المتحصّنة خلف أسوار عالية يبنيها الكتّاب الحقيقيون بهدوء، طوبةً… طوبَة، على مدار سنوات” (ص 38).
في الفصل الثالث، “ماذا نقصد بحمائيةِ النص المسرحي السوري؟”، يطالب صاحب “زفرة السوري الأخيرة” برفع أي التباس حول معنى “الحمائيّة” المقترحة منه، موضحًا أن المقصود بها أنها “إجراءٌ انتقاليٌّ محدد الغاية، يرمي إلى تصحيح اختلالٍ تاريخيٍّ في شروط الإنتاج والتلقي، بحيث يمنح النص المسرحي السوري فرصةً عادلةً للنموّ والاختبار والتراكم داخل فضائهَ الاجتماعيّ واللغويّ الطبيعيّ، قبل دخوله منافسةً متكافئةً مع نصوص وتقاليدٍ رسّختها مؤسّسات أخرى خارجية” (ص 46).
الاستعانة بمسرحية “النورس” لتشيخوف هي مجرد هروب، كما يرى الذهبي، من مواجهة الواقع
يطالب الذهبي، الحاصل في عام 2001 على درجة أكاديمية في الفنون المسرحية من المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق، في فصل الكتاب الرابع بإنهاء عصر الممثلين، واعتماد توزيعٍ جديدٍ “عادل” للسلطات فوق الخشبة. هي مطالبة لا تنكر أهمية وجود ممثلين موهوبين، أو ذوي حضورٍ واسعٍ، ولا تقلّل من احتمالية أن يشكّل وجودهم مكسبًا للعمل الفني، وأن “اتساع دور بعضهم داخل المجال العام قد ينتج أثرًا إيجابيًا في لحظات بعينها”، لكنه، في المقابل، يوضح في هذا الفصل الخجول أن نقد “عصر الممثلين” يسعى إلى “حماية الممثل بوصفه فنانًا، وحماية النص والمخرج وبقية المهن بوصفها شركاء في المعنى”. إنه نقد، كما يختم صفحات الفصل، لِبُنيَةٍ ثقافية “أخلّت بالتوزيع الطبيعي للأدوار، ومنحت طرفًا واحدًا من أطراف العملية الفنية سلطةً تتجاوز اختصاصه، وبما يضرّ بالنص، ويربك الإخراج، ويضيّق المسافة الضرورية بين القيمة الفنية ومنطق الشهرة” (ص 56).
في الفصل الخامس، “إعادة إنتاج سوريا كفضاء فني”، يرى الكاتب أن مساعي هكذا إعادة تحتاج للعودة إلى جذوره “شبه المسرحية”، وإلى معاينة عميقة لإرثهِ الشفويّ السابق على خشبة المسرح بوصفها مؤسسة أوروبية وافدة. كما تحتاج إلى حفر معرفي في الظواهر الشعبية التي شكّلت الوعيّ الأدائيّ لدى المجتمع، قبل تعرفه على القواعد الكلاسيكية للمسرح الإغريقي والروماني. أمّا في الفصل السادس، “المسرح صناعة ربحية”، فيذهب الذهبي إلى أن مستقبل المسرح السوري، وفرص نهوضه، مرتبطة بتحوّله إلى “صناعة ربحية ذكية، تحترم الجمهور، وتستجيب لحاجاته، وتستثمر في طاقاته الذهنية” (ص 67).
في الفصول اللاحقة: “النقد والمنطق”، “المؤسسة المسرحية السورية: البنية، التعليم، الإدارة وآليات الفضاء”، “المتلقي بوصفه أفقًا نقديًا: من الجاحظ إلى شروط التلقي في المسرح السوري”، وصولًا إلى الفصل العاشر والأخير: “مسرح العنف الفني”، يواصل الذهبي، صاحب قصص “ضحك عابر في بلاد الحزن الدائم” الصادرة عن دار الفكر البيروتية في عام 2021، معاينة المشهد الفني المسرحي السوري وفق قراءة منحازة إلى حرية الرؤى، ترى في إصلاح المؤسسة الرسمية الراعية للمشهد شرطًا جوهريًا من أجل ولادة مسرح سوري جديد، لا بوصفه شأنًا إداريًا ممضًا، بل بوصفه فعلًا إبداعيًا قبل كل شيء، يقوم على احترام قوة التلقي، وتقلل نصوصه من مناطق العطب، موازِنةً بين الوضوح والعمق، والجرأة والحرفة، والودّ والصرامة، وبحيث يتجلى المتلقي بوصفه مقياسًا حيًّا لاختبار قدرة المسرح السوري على قول شيء يستحق أن يُسمع.
إنه كتاب عن مكامن الضرورة داخل تجليات النص المسرحي، تلك المكامن الكفيلة بأن نتعامل مع الكتابة بوصفها مسؤولية كبرى، ينتظر الناس مخرجاتها بتحفّزٍ وانتباهٍ كما يورد الجاحظ في مقدمة كتابه “الحيوان”: “ينبغي لمن يكتب كتابًا ألا يكتبه إلا على أن الناس كلهم له أعداء، وكلهم عالم بالأمور، وكلهم متفرغ له، ثم يرضى بذلك حتى يدع كتابه يغبّ ويختمر، ولا يثق بالرأي الفطير؛ فإنّ لابتداءِ الكتاب فتنة”







