إبراهيم الجبين
يستكثر البعض على السوريين أن يؤسّسوا لوعيٍ جديدٍ يمكّنهم من إبقاء مسافةٍ ضرورية لحرية التفكير والمساءلة مع “السلطة”، أي سلطة، سواء كانت سلطة تحكم أو سلطة اجتماعية أو سلطة رأي عام أو سلطة تيارات فكرية قد تمارس ترهيباً فكرياً على الناس وتكفّر هذا وتجرّم ذاك لمجرّد أنه يفكّر بطريقة لا تروق لها. تلك المسافة الذهبية التي نسمّيها بـ “المسافة النقدية”.
ويظن آخرون أن القول بضرورة وجود مسافة نقدية يتنافى مع التفاعل الحيوي مع كل ما يحيط بالمرء من ظواهر وبشر، بما في ذلك السلطة ومسؤوليها، فعليك إذاً أن تلتصق بالسلطة وتواليها على طول الخط.
فيما يتصوّر غيرهم أن الاختلاف في زوايا النظر حيال قضية ما، يوجب حتمية القطيعة والعداء الشرس، وهي نزعة أقرب إلى العصبية أكثر منها قرباً من الموقف المتوازن المستقر.
وحتى تشعر بوجود تلك المسافة فإن كل شيء يبدأ من الوعي بوجودك، وتالياً بالظرف الموضوعي المحيط بك، ومن دون هذا الوعي وما يترتّب عليه، لا يمكن الحديث عن “مسافة نقدية”، بل عن مناوشات وصراخ وعنف لن يؤدي إلى شيء.
لا أحد ينطلق من ذاته وحده، وإلا أصبح المجتمع مجرّد جبل من الأوهام الذاتية. حتى إن اعتقد الفرد أنه ينطلق من ثقافته الخاصة، فهو في واقع الأمر، ينجرف خلف اكتظاظ هائل بالآخرين الساكنين داخله من الذين يتوافق معهم وأولئك الذين يخالفهم الرأي.
ومنذ أن تم إسقاط النظام البائد في الثامن من كانون الأول 2024 وحتى هذه اللحظة، والعجز عن فهم هذه الأساسيات يبرز أكثر من أي شيء آخر في تفاعلات السوريين متعدّدة الأشكال، من الحوار الهادئ إلى ذاك المستعر العدمي البربري.
يرث المثقفون -كحال بقية السوريين- تركة ضخمة، ليس عن النظام السياسي الذي كان مهيمناً فوق رؤوسهم وحسب، بل أيضاً عن النظم الفكرية التي طغت على حياتهم العامة، والتي باتت اليوم من الماضي، ولم يطرأ عليها تحديث يجعلها ابنة هذه اللحظة بجدارة. هذا الإرث يجلب معه خشية المثقف مما يدعى بـ“الإجماع” الذي يعتبره خطيئة ودنساً، لأنه تدرّب طويلاً على التفكير المناقض لسحابة الجماعة.
كانت السلطة تسحق الصوت المتفرّد، تشتغل كل لحظة على إخراسه وكتمه ومحو صاحبه، وكان المناخ مفتوحاً للجماعات، تيارات سياسية وأحزاباً وجماعات مختلفة طائفية وقومية وغيرها، فيما ظل الصوت الخاص منبوذاً حبيس السجون أو طريداً في المنافي.
ويحضر في هذا المقام الفيلسوف الفرنسي جوليان بيندا صاحب كتاب “خيانة المثقفين” الصادر بعد سنوات قليلة على وضع الحرب العالمية الأولى لأوزارها، تحديداً قبل 99 سنة من هذه اللحظة. أراد بيندا تقديم وصف للمثقفين يفارق ما عرف عنهم في الماضي، واضعاً صورة لأولئك الذين تغويهم السلطة وتدفعهم إلى الالتصاق بالاستبداد، الذين يخونون فكرهم وأخلاقياتهم بدلاً من بذل جهودهم من أجل العدالة والحقيقة.
على المثقفين، حسب بيندا، أن يتحدّوا القوة، لا أن يخدموها ويبرّروا كل ما تصدره من قرارات. لأن هذا الدور هو الدور المنتظر منهم.
أما العامة عنده، فهم الإجماع، وهم الذين يهتمون بالمكافآت المادية، تحرّكهم الغرائز القومية والدينية والطبقية، بمقابل فئة المثقفين الرفيعة التي تتسلّح بالمعرفة وتقدّم الحقائق لا المصالح. وبين الطبقتين تلعب السلطة لعبتها بجذب بعض المثقفين وإغوائهم.
لكن المفكر العربي الراحل إدوارد سعيد، اعتبر أن الصورة الشخصية الأخلاقية التي قدّمها بيندا عن المثقفين صورة مبالغ فيها، فالمثقف الذي يتخيّله بيندا إنسان مستعد لتقديم نفسه إلى مذبح الحقيقة ولا مشكلة لديه في أن يكون منبوذاً أو حتى مصلوباً.
إلا أن إدوارد سعيد قدّم في كتابه “صور المثقف” الصادر في بيروت عن دار النهار عام 1997 ملامح مختلفة للمثقف، فهو يعتبره ضميراً جماعياً يمتلك المعرفة ويقاتل مراكز القوة أينما واجهته. ويتابع في وصفه: “المثقف متمرّد مشاكس غير منساق مع جماعة قومية أو حزب”.
ومما قرأته لمن ناقشوا فكرة إدوارد سعيد تلك حول صورة المثقف والأسئلة التي واجهته، ما كتبه الأكاديمي الفلسطيني رائف زريق في مقال نشرته مجلة الدراسات الفلسطينية (العدد 19 – ربيع العام 2019) وفيها تساءل مع سعيد: ما قيمة هذه المشاكسة والإحراج؟ ولماذا يكون التمرّد والخروج عن المألوف وتحدي الجماعة أموراً مرغوباً فيها؟ وهل الوقوف في وجه القوة شيء إيجابي دائماً؟ نحن بحاجة إلى القوة وإلى الجماعة أحياناً كثيرة، لكن ألا تحتاج مشاريع التحرّر وبناء المجتمعات الجديدة إلى قوة مركزية تدير الأمور؟”.
وعلى الرغم من أن ما سينتجه هذا التفكير الذي مضى فيه إدوارد سعيد هو إثبات حاجة المثقف إلى الاستمرار في مساءلة “الجماعة” ومراكز القوة،” إلا أنه في النهاية يقول إن دور المثقف الإبقاء على مساحة ومسافة من دونها يصبح النقد مستحيلاً. لكن هذا في الحالة السورية لا يجوز أن يقتصر على سلطة حاكمة، وإنما على كل ما يمكن وصفه بالجماعة ومراكز القوة.
لن أفارق إدوار سعيد في معادلاته التي ستقوده إلى اعتبار أن المثقف لا يجب عليه أن يشارك مراكز القوة قوتها، مهما كانت، حكومية أم إعلامية أم مالية. لكن “تعمّد عدم الانتماء إلى هذه السلطات يعني، من أوجه عدّة، عدم القدرة على إحداث تغيير مباشر، لا بل الاقتصار على دور شاهد يشهد على أمر مرعب لم يكن ليسجَّل لولاه”. وهنا يتحوّل المثقف من لعب دور الفاعل إلى لعب دور الشاهد. فهل هذا الدور يمكّنه من إحداث التغيير المطلوب؟
الانطلاق من تأملات فكرية كهذه ضروري للمشتغلين في الشأن السوري في هذا التوقيت، من الذين لا يودّون رؤية استقطاب حادّ في اللحظة السورية قد يولّد تصدعات في المجتمع لا مبرّرات حقيقية لها. ويكفي أن يتحكّم كلٌّ منهم بمسافته النقدية المرنة، لا العنيدة والجامدة والمشوّشة، ليضمن استمرار قدرته على خدمة الحقيقة والناس والبلاد. إن لم يفعل ذلك كلّه، فهو إذاً منشغلٌ وبأنانية بالحفاظ على صورته الشخصية التي اعتاد عليها على حساب الجميع.
عن صحيفة الثورة







