spot_img

ذات صلة

جمع

وزارة الاتصالات: خطوات تنظيمية وقانونية تسبق عودة الخدمات الرقمية العالمية إلى سوريا

منصة دمشق الإخبارية     قالت وزارة الاتصالات إن عودة الخدمات والمنصات...

محافظ السويداء يدعو لفتح الطرق أمام الطلبة وتأمين وصولهم إلى الامتحانات

منصة دمشق الإخبارية     دعا محافظ السويداء مصطفى البكور الوجهاء والفعاليات...

تركيا تدعو لوقف الهجمات الإسرائيلية على سوريا

منصة دمشق الإخبارية     أكدت وزارة الدفاع التركية أنها تتابع عن...

إغلاق الأبواب الخلفية لإيران التي تتيح لإيران الوصول إلى سلاسل التوريد والبنوك الغربية

ماثيو ليفيت،  مايا تشاوفات   مع إطلاق إدارة ترامب لعمليتها المعلنة...

عام على تأسيسها.. من بناء هيئة العدالة الانتقالية إلى ترسيخ سيادة القانون

عبد الباسط عبد اللطيف لصحيفة الثورة السورية

رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية

 

 

 

 

الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية تشارك في دورة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي

مرّ عام على تشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، وتعيين أعضائها بموجب المرسوم الرئاسي رقم 149، استناداً إلى المادة 49 من الإعلان الدستوري، وهو عامٌ وإن بدا يمثل مرحلة زمنية في عمر مؤسسة وطنية جديدة، بيدَ أنه كان عاما لتأسيس مسار وطني يُعنى بمعالجة أحد أكثر الملفات تعقيداً في تاريخ سوريا الحديث.

 

إذ أنشئت الهيئة استجابة لحاجة وطنية ملحّة، بعد عقود من الانتهاكات الجسيمة، والاعتقالات التعسفية التي خلّفت ضحايا ومختفين قسراً ومهجّرين، وأثقلت كاهل السوريين والسوريات، وكاهل الدولة والمجتمع بإرث كبير من الألم وفقدان الثقة. فمنذ اليوم الأول، كان واضحاً أن العدالة الانتقالية ليست مشروعاً قضائياً فحسب، بل مشروع دولة، يهدف إلى إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وترسيخ سيادة القانون، وتهيئة البيئة اللازمة لتحقيق سلام مستدام.

 

خلال هذا العام، انطلقت الهيئة من مبدأ أن العدالة لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالمؤسسات، ولذلك كان بناء الهيكل المؤسسي، وإعداد السياسات، ووضع الأطر القانونية والإدارية، بمثابة الخطوة الأولى لضمان عمل احترافي ومستدام.

 

إذ عملت الهيئة على تطوير ستة مسارات، تشكل بمجملها منظومة متكاملة للعدالة الانتقالية. حيث باشرت إدارة كشف الحقيقة وتوثيق الجرائم الجسيمة، أعمال توثيق عدد من المجازر والانتهاكات الجسيمة، والتحقق من الوقائع، وجمع الأدلة، وتوثيقها وفق الأصول المعتمدة.

 

في الوقت ذاته، تابعت إدارة المساءلة والمحاسبة دعم المسار القضائي، والإسهام في إعداد ومتابعة ملفات الجرائم الجسيمة، بما يضمن أن تكون المحاسبة قائمة على الأدلة، وتحترم الضمانات القانونية، وتؤكد أن الإفلات من العقاب لم يعد خياراً.

 

أما إدارة جبر الضرر وتعويض الضحايا، فقد عملت على إعداد الأسس اللازمة لبناء السجل الوطني للضحايا، وإنشاء مراكز للتعافي، انطلاقاً من أن العدالة لا تكتمل بالمحاسبة وحدها، بل بإنصاف الضحايا ورد الاعتبار إليهم.

 

في موازاة ذلك، واصلت إدارة الإصلاح المؤسسي إعداد الرؤى اللازمة لتعزيز كفاءة المؤسسات، وترسيخ مبادئ الحوكمة، وسيادة القانون، بما يضمن عدم تكرار الجرائم مستقبلاً.

 

كما عملت إدارة المصالحة الوطنية على إطلاق الحوارات المجتمعية في المحافظات السورية، لإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع، وترسيخ السلم الأهلي باعتباره ركناً أساسياً في استقرار الدولة.

 

في المقابل، أولت إدارة حفظ الذاكرة الوطنية اهتماماً خاصاً بتوثيق الذاكرة السورية وصونها، لأن المجتمعات التي تحفظ ذاكرتها تكون أكثر قدرة على حماية مستقبلها، وأكثر مناعة في مواجهة عودة الاستبداد أو خطاب الكراهية.

 

خلال العام الأول، لم يقتصر عمل الهيئة على بنيتها الداخلية فحسب بل امتد إلى توسيع قنوات التعاون والتواصل مع المؤسسات الوطنية، والجامعات، والنقابات، ومنظمات المجتمع المدني، إضافةً للمنظمات الدولية، والأمم المتحدة ووكالتها المختلفة، انطلاقاً من مبدأ أن العدالة الانتقالية مسؤولية وطنية، لكنها تستفيد من الخبرات الدولية دون أن تتخلى عن ملكيتها الوطنية.

 

كما أنجزت الهيئة مسودة مشروع قانون العدالة الانتقالية، بعد مشاورات موسعة مع الضحايا، ومنظمات المجتمع المدني، والجهات المختصة، ليكون الإطار التشريعي الذي ينظم هذا المسار، ويضمن استدامته وفق المعايير الوطنية والدولية.

 

ورغم ما تحقق، فإن الطريق ما يزال طويلاً. فالعدالة الانتقالية ليست إجراءً سريعاً، ولا تنتهي بمحاكمة أو قانون، بل هي عملية وطنية متكاملة تتطلب صبراً، وإرادة سياسية، ومشاركة مجتمعية واسعة، ودعماً مؤسسياً مستمراً.

 

إن التجربة السورية اليوم تقف أمام فرصة تاريخية لتحويل العدالة من مطلب إلى واقع، ومن ذاكرة للألم إلى مشروع لبناء المستقبل، ولن يتحقق ذلك إلا من خلال دولة قوية مؤسساتها، مستقلة بقضائها، عادلة بقوانينها، ومنصفة لمواطنيها.

 

بعد عام من العمل، يمكن القول إن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية وضعت الأساس المؤسسي لهذا المسار، لكن الإنجاز الحقيقي سيقاس بما يحققه من أثر ملموس في حياة الضحايا والمجتمع، وإنصافهم، وبقدرته على إعادة الثقة، وترسيخ سيادة القانون، وضمان عدم تكرار الانتهاكات. فهذا هو جوهر العدالة الانتقالية، وهذه هي الرسالة التي نحملها للمستقبل.

 

spot_imgspot_img