بقلم بثينة الخليل – مؤسسة جولان الإعلامية
أطلّ الشاعر والرسام السوري منذر المصري في حلقة جديدة من برنامج “شهادة للتاريخ” الذي يقدّمه الإعلامي والروائي إبراهيم الجبين عبر شاشة تلفزيون سوريا، ليقدّم شهادة تمتد بين الذاكرة الشخصية والتحولات الثقافية والسياسية، مستعيداً ملامح مدينة اللاذقية كما تشكّلت في وعيه، لا كمكان للعيش فحسب، بل كفضاء مثقل بالتاريخ والأسئلة والقيود المؤجلة.
منذ اللحظات الأولى للحوار، يرسم المصري ملامح علاقة ملتبسة مع مدينته، واصفاً إياها بأنها “مدينة بحرية ليست كذلك”. فالبحر، الذي يُفترض أن يكون نافذتها الطبيعية، تحوّل وفق روايته إلى مساحة محجوبة عن سكانها، بعدما أصبح الوصول إلى الواجهة البحرية محاطاً بالقيود والإجراءات، ما جعل أهل المدينة يعيشون حالة من الانفصال عن شاطئهم، وكأنهم يقفون على تخومه دون أن يلمسوه.
ولا تتوقف الشهادة عند الجغرافيا، بل تمتد إلى البنية الاجتماعية والهوية الشخصية. يستعيد المصري جذوراً عائلية ممتدة بين طرابلس وطرطوس واللاذقية، ويقدّمها بوصفها تكويناً مفتوحاً على التعدد، ساهم في تشكيل رؤيته للعالم بعيداً عن الاصطفافات الجاهزة، ليصف نفسه بأنه أقرب إلى “الناس” من أي تعريف آخر.
في سياق آخر من الحوار، يعود المصري إلى سنواته الأولى في التعليم، متحدثاً عن تجربة مدرسية لم تكن كافية لتأسيس علاقة قوية مع اللغة، وهو ما يقرّ بأنه شكّل تحدياً مبكراً في حياته. إلا أن هذا النقص، كما يظهر في شهادته، لم يكن عائقاً بقدر ما كان دافعاً لإعادة بناء علاقته باللغة عبر التجربة والقراءة والانفتاح على عوالم فنية وأدبية متعددة.
ومع انتقاله إلى الحديث عن الشعر، يقدّم المصري تصوراً مختلفاً عن الشاعر، بعيداً عن اللغة المتكلسة أو المعجمية الثقيلة. فهو يرى أن الشعر لا يقوم على امتلاك “عدة لغوية مكتملة”، بل على القدرة على تحويل اللغة اليومية إلى مساحة دلالية حيّة، حيث تكون الكلمات خادمة للتجربة لا متحكمة بها. ومن هنا، يضع نفسه في موقع الشاعر الذي جاء من الهامش اللغوي ليصنع صوته الخاص خارج القوالب الجاهزة.
الحوار يأخذ بعداً آخر حين ينتقل إلى تجربته مع الرسم، إذ يكشف المصري أنه بدأ حياته الفنية رساماً قبل أن ينجرف تدريجياً نحو الشعر. ويشير إلى أن طموحه في تلك المرحلة كان أن يواكب تجارب الفنانين التشكيليين السوريين الكبار، قبل أن يتحول مساره نحو الكتابة، دون أن ينفصل تماماً عن الحس البصري الذي ظل حاضراً في نصوصه.
وفي مقاربته للمشهد الثقافي، لا يتردد المصري في إبداء مواقف نقدية تجاه بعض رموز الحداثة الشعرية، كما في قراءته لأدونيس، الذي يراه منغمساً في اللغة التراثية أكثر مما هو منفتح على الحداثة بمعناها الحي. في المقابل، يستعيد جيله الشعري في السبعينيات بوصفه لحظة تحوّل أساسية نحو قصيدة أقل خطابية وأكثر التصاقاً بالتجربة اليومية.
أما على المستوى السياسي، فيستحضر المصري محطات مثيرة للجدل من مسيرته، من بينها مقالات كتبها خلال الحرب السورية، يصفها اليوم بأنها كانت أقرب إلى “صرخات وجدانية” فرضتها قسوة الواقع. كما يتحدث عن تجربة شخصية مع القضاء في دمشق، انتهت، وفق روايته، بتبرئة اسمه من اتهامات لاحقة.
ورغم كل ما مرّ به، يرفض المصري خيار المنفى، متمسكاً بالبقاء في سوريا، ومفسراً ذلك بعلاقته العميقة بالمكان، ولا سيما اللاذقية. فبالنسبة له، المدن السورية ليست مجرد فضاءات عمرانية، بل “مدن مجروحة” تحتاج إلى من يبقى فيها شاهداً لا غائباً.
وفي ختام شهادته، يقدّم المصري رؤية مشوبة بالأمل لمستقبل البلاد، قائلاً إن ما يتمسك به السوريون اليوم هو إمكانية العيش المشترك ضمن دولة تقوم على القانون والعدالة والكرامة، حتى وإن بدا هذا الأمل، كما يصفه، “مكبلًا بثقل الواقع”.
منذر المصري شاعر وفنان تشكيلي سوري بارز، وُلد في مدينة اللاذقية عام 1949. حصل على إجازة في العلوم الاقتصادية من جامعة حلب عام 1971، ثم نال دبلوم في التخطيط الإقليمي من بولندا عام 1979. يجمع بين الشعر والرسم، ويُعد من أبرز أصوات جيل السبعينيات في الشعر السوري والعربي الحديث.
له أكثر من عشرين كتاباً في الشعر والمقالة والسيرة، من أبرزها: آمال شاقة (1978)، بشر وتواريخ وأمكنة (1979)، أنذرتكِ بحمامة بيضاء (1984)، الشاي ليس بطيئاً (2004)، وتجارب ناقصة (2019). كما صدرت أعماله الشعرية الكاملة في ثلاثة أجزاء عام 2023، وتُرجمت مختارات من أعماله إلى لغات عدة منها الفرنسية والألمانية والسويدية. وهو شقيق الشاعرة السورية مرام المصري.








