منصة دمشق الإخبارية ـ أخبار ـ دمشق
فارس الذهبي
كثيرا ما نُظر إلى اللواء محمد محمد رئيس شعبة المخابرات العسكرية السورية الذي أقيل من منصبه مؤخرا، على أنه واحد من أبرز الضباط المتحمسين للمشروع الإيراني، حيث أقام علاقات وطيدة مع القادة العسكريين الإيرانيين أثناء خدمته الطويلة في ملاك الحرس الجمهوري، وفي شعبة الأمن السياسي، واستمر ذلك طويلا، حتى عمد محلا، ومن دون سابق إنذار، إلى قلب ولائه السياسي والتنظيمي من المعسكر الإيراني ليصبح إحدى أبرز أوراق اللعب الروسية في الميدان السوري.
يحدث هذا وسط الغليان الذي تشهده الأراضي السورية منذ سنوات، في ظل صراع معقد على النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية داخل سوريا، بعد تراجع سيطرة فصائل المعارضة المسلحة وعودة مناطق واسعة إلى سيطرة النظام السوري. وبينما ظن كثيرون أن الحرب قد انتهت، بقيت البلاد تعيش حالة من التوتر والانقسام والصراعات الخفية بين الحلفاء أنفسهم.
تقاسم الكعكة الشرس
ما جرى بعد اتفاقات وقف إطلاق النار لم يكن نهاية للصراع، بل بداية مرحلة جديدة عنوانها “تقاسم الكعكة السورية”. فالدول الحليفة للنظام السوري، وعلى رأسها روسيا وإيران، بدأت تتنافس بشكل علني على النفوذ داخل مؤسسات الدولة السورية، من الجيش والأمن وحتى الاقتصاد وإعادة الإعمار.
هذا التنافس لم يعد يقتصر على السيطرة على الأرض أو الموانئ والمطارات، بل امتد إلى التحكم بالأجهزة الأمنية والعسكرية. فمنذ عقود عمل الاتحاد السوفييتي سابقا على بناء نفوذ داخل الجيش السوري عبر الاتفاقيات العسكرية والتعليمية، بينما دخلت إيران لاحقا على الخط بقوة، خاصة بعد عام 1994، مع بدء التحضير لتوريث الحكم لبشار الأسد.
ومع مرور السنوات، توسع النفوذ الإيراني داخل مؤسسات الدولة السورية، مستفيدا من ظروف الحرب، بينما بدأت روسيا لاحقا بمحاولة تقليص هذا النفوذ وإعادة ترتيب موازين القوى داخل النظام السوري.
الصراع الروسي الإيراني داخل سوريا
تشير المعلومات الواردة من الداخل السوري إلى وجود صراع حاد بين الضابط الروسي ألكسندر زورين، الذي يعد أحد أبرز مهندسي اتفاقات التسوية في سوريا، وبين قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني، حيث سعى كل طرف إلى توسيع نفوذه داخل الجيش والأجهزة الأمنية السورية.
في هذا المشهد، برز اسم اللواء محمد محلا بقوة، خاصة بعد أن انتقل من المعسكر الإيراني إلى المعسكر الروسي، ليصبح أحد أبرز الشخصيات الأمنية المدعومة من موسكو.
وكان محلا قد خاض سابقا معارك إلى جانب الميليشيات المدعومة من إيران، وارتبط اسمه بانتهاكات وعمليات وصفت بأنها مجازر، ما أدى إلى إدراجه على قوائم العقوبات الأميركية والبريطانية والكندية.
استهداف رجال ماهر الأسد
بعد تعيينه رئيسا لشعبة المخابرات العسكرية، بدأ محلا العمل بشكل مباشر مع الروس لإضعاف النفوذ الإيراني في الجنوب السوري، خاصة في المناطق القريبة من الحدود مع الأردن وإسرائيل.
وسعى محلا، بدعم روسي، إلى تقليص نفوذ الفرقة الرابعة المرتبطة بماهر الأسد والميليشيات الإيرانية، عبر تغييرات أمنية وتحركات ميدانية في محافظة درعا ومناطق حوران.
وفي إطار هذه التحركات، أجرى محلا زيارة لافتة إلى الجنوب السوري، التقى خلالها وجهاء وشخصيات محلية وقادة فصائل سابقة، مقدما وعودا بالإفراج عن معتقلين وتحسين بعض الأوضاع الخدمية، مقابل التعاون في الحد من النفوذ الإيراني.
كما دعم الروس عبر محلا فكرة إنشاء “الفيلق السادس” لمواجهة التمدد الإيراني في الجنوب، وهو ما أثار غضب الميليشيات الإيرانية وحلفائها داخل النظام السوري.
الاغتيالات والفوضى الأمنية
تزامنا مع تحركات محلا، شهد الجنوب السوري موجة من الاغتيالات وحملات الاعتقال، استهدفت قضاة وناشطين وقيادات محلية وشخصيات عشائرية، في ظل اتهامات متبادلة بين الروس والإيرانيين حول المسؤولية عن الفوضى الأمنية.
ومع تصاعد الصراع بين الطرفين، تعرض محلا لضغوط كبيرة انتهت بإقالته بشكل مفاجئ، واستبداله باللواء كفاح ملحم، وسط مؤشرات على ارتياح التيار المقرب من إيران لهذا التغيير.
السيادة الهشة
يكشف ملف اللواء محمد محلا حجم الصراع المعقد داخل سوريا، حيث تحولت البلاد إلى ساحة تنافس مفتوحة بين القوى الخارجية، في ظل غياب السيادة الحقيقية وتعدد مراكز النفوذ داخل مؤسسات الدولة.
وبين النفوذ الروسي والإيراني، بقيت الأجهزة الأمنية والعسكرية السورية ساحة لتصفية الحسابات وتبادل المصالح، فيما تستمر تداعيات هذا الصراع على مستقبل الجنوب السوري ومجمل المشهد في البلاد.









