توفي اليوم الأحد صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أمير دولة قطر السابق، عن عمر ناهز 74 عاماً، بعد مسيرة حافلة بالإنجازات التي نقلت قطر من دولة صغيرة تعتمد على النفط إلى قوة اقتصادية وسياسية وإعلامية بارزة على الساحة الدولية.
أعلن الديوان الأميري في بيان رسمي وفاته صباح اليوم، معبراً عن الحزن العميق لفقدان “فقيد الوطن الكبير”، وداعياً إلى الدعاء له بالرحمة والمغفرة.
من الخلفية العسكرية إلى قيادة الدولة
ولد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في 1 يناير 1952 بالدوحة. تلقى تعليمه العسكري في أكاديمية ساندهيرست الملكية البريطانية، وتخرج فيها عام 1971. شغل مناصب عسكرية رفيعة، منها قائد اللواء المتنقل، رئيس أركان الجيش، وقائد القوات المسلحة، قبل أن يُعين وزيراً للدفاع وولياً للعهد عام 1977.
في 27 يونيو 1995، تولى السلطة في انقلاب أبيض سلمي أثناء وجود والده الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني خارج البلاد، ليصبح أميراً لقطر حتى تنازله عن الحكم لابنه الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في 25 يونيو 2013، ليُلقب بعد ذلك بـ”الأمير الوالد”.
الدور التنموي: بناء دولة حديثة ومستدامة
شهدت فترة حكمه (1995-2013) تحولاً جذرياً في الاقتصاد والمجتمع القطري:
الاقتصاد والطاقة**: استغل احتياطيات الغاز الطبيعي الهائلة (ثالث أكبر احتياطي عالمي)، فأصبحت قطر أغنى دولة في العالم من حيث نصيب الفرد من الدخل. ارتفع الناتج المحلي الإجمالي بشكل كبير، وأُسست هيئة الاستثمار القطرية (QIA) عام 2005، التي استثمرت أكثر من 100 مليار دولار في أصول عالمية مرموقة (مثل ذا شارد في لندن، وهارودز، وباركليز، ونادي باريس سان جيرمان).
البنية التحتية والرياضة**: استضافت قطر دورة الألعاب الآسيوية 2006، وفازت بحق استضافة كأس العالم لكرة القدم 2022 (أول بطولة في الشرق الأوسط). شهدت الدوحة مشاريع ضخمة في الطرق والمطارات والموانئ والمدن الجديدة.
التعليم والمعرفة**: أسست الشيخة موزا بنت ناصر (زوجته) مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع عام 1995، التي أطلقت “مدينة التعليم” واستقطبت فروع جامعات عالمية مرموقة مثل كورنيل، جورجتاون، كارنيغي ميلون، وتكساس إيه آند إم. جُعل التعليم إلزامياً، وأُطلقت رؤية قطر الوطنية 2030 التي تهدف إلى اقتصاد معرفي مستدام.
الثقافة والصحة**: أُنشئت متاحف قطر، ومنها متحف الفن الإسلامي، مع اقتناء أعمال فنية عالمية. كما تطورت الخدمات الصحية بشكل ملحوظ.
الدور السياسي: تعزيز المكانة الدولية والإصلاحات الداخلية
على الصعيد السياسي، لعب الشيخ حمد دوراً محورياً في رفع صوت قطر عالمياً:
الإصلاحات الداخلية**: أقر الدستور الدائم لدولة قطر عام 2004 بعد استفتاء شعبي، وأجرى أول انتخابات للمجلس البلدي المركزي. ألغى وزارة الإعلام، مما فتح الباب لحرية أكبر في التعبير والصحافة.
الإعلام العالمي: أطلق قناة **الجزيرة عام 1996، التي أصبحت من أبرز الشبكات الإخبارية العالمية، وساهمت في تشكيل الرأي العام العربي والدولي، خاصة خلال أحداث الربيع العربي.
السياسة الخارجية النشطة**:
عزز التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة (استضافة قاعدة العديد الجوية، أكبر قاعدة أمريكية في المنطقة).
لعب دور الوسيط في عدة نزاعات: اتفاق الدوحة 2008 للمصالحة اللبنانية، وثيقة الدوحة للسلام في دارفور 2011، ومفاوضات بين الولايات المتحدة وطالبان.
دعم القضية الفلسطينية، وزار غزة عام 2012، وقطع العلاقات مع إسرائيل عام 2009 احتجاجاً على العدوان على غزة.
حافظ على علاقات متوازنة مع إيران رغم الضغوط الدولية.
ساهمت هذه السياسات في جعل قطر لاعباً مؤثراً في المنطقة والعالم، رغم حجمها الصغير.
الإرث الخالد
بعد تنازله عن الحكم عام 2013، استمر الشيخ حمد كـ”أمير والد” يقدم المشورة ويحظى باحترام واسع داخل قطر وخارجها. حصل على العديد من الأوسمة والتكريمات من دول عربية وأجنبية تقديراً لجهوده.
يُجمع المراقبون على أن عهده شهد “قفزة نوعية” في كافة المجالات، جعلت قطر نموذجاً للتنمية السريعة والمستدامة في الخليج والعالم العربي.







