حل الأمانة العامة للشؤون السياسية: ماذا عن إعادة الهيكلة؟
المدن
بعد أقل من أربعة عشر شهراً على إنشائها وسط جدل واسع، تلقّت الأمانة العامة للشؤون السياسية في وزارة الخارجية السورية إبلاغاً داخلياً بقرار لحلّها صادر عن وزير الخارجية أسعد الشيباني، وفق معلومات خاصة حصلت عليها «المدن» من مصدر داخل الأمانة.
من قرار الإنشاء إلى قرار الحل
في 27 آذار 2025، أصدر الشيباني القرار رقم (53) القاضي بتشكيل الأمانة العامة للشؤون السياسية كجزء من الهيكل الإداري لوزارة الخارجية والمغتربين. وجاء توصيف مهامها في نص القرار بصياغة واسعة جامعة: الإشراف على إدارة النشاطات والفعاليات السياسية داخل سوريا، والمشاركة في رسم السياسات والخطط العامة المتعلقة بالشأن السياسي، غير أن ما لفت الانتباه أكثر من أي شيء آخر كان البند المتعلق بالأصول: إعادة توظيف أصول حزب البعث العربي الاشتراكي والأحزاب الوطنية بما يخدم المهام الوطنية والسياسية.
وقد كشف هذا البند منذ اللحظة الأولى عن طبيعة الملف الذي ستُشرف عليه الأمانة: ليس تنظيم الحياة السياسية فحسب، بل الإمساك بالإرث المادي والتنظيمي لحقبة البعث وإعادة توجيهه. وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول الفاصل بين إدارة انتقالية للموروث الحزبي وبين امتلاك أداة جديدة للسيطرة على الفضاء العام.
أكثر من مجرد إشكالية إدارية
أثار إنشاء الأمانة ضجة واسعة في الأوساط السياسية والمدنية والمجتمعية، وانقسم الناس بين منتقد لها مسبقاً خوفاً من تجارب الماضي وسيطرة السلطة على الحياة السياسية، وبين من رأى ضرورة إعطائها فرصة وعدم الحكم عليها قبل التجربة. بيد أن الأشهر التالية لم تُبدّد هذه المخاوف، بل راكمت شواهد عملية تصبّ في خانة المنتقدين.
في تموز 2025، عيّنت الأمانة مجلس نقابة المحامين السوريين المركزي، بعد أن أنهت عمل المجلس المؤقت. وهو إجراء استدعى مقارنات صريحة بآليات حزب البعث السابق في التحكم بالنقابات المهنية. بات من الواضح لكثيرين أن الأمانة تتولى دور جهاز الدولة الحزبي في سوريا الجديدة؛ فأولى خطواتها بعد الإعلان عنها كانت تسلّم مقار حزب البعث الذي جرى حله رسمياً.
الأكثر إثارة للجدل لم يكن ما فعلته الأمانة، بل ما لم تكشفه: لم تُفصح عن برنامجها وأهدافها ودورها ونظامها الداخلي، ولم تفتح باب الانتساب إليها، ولم تعقد اجتماعاً جماهيرياً واحداً في أي محافظة. كيان يمارس صلاحيات واسعة من داخل هيكل وزارة الخارجية دون أن يُعرّف عن نفسه للرأي العام هو، بحد ذاته، معضلة حوكمة لا توصيف قانوني دقيق لها.
وتكمن الخطورة في أن الأمانة ليست حزباً سياسياً معلناً يمكن محاسبته، بل كيان أُقحم داخل وزارة الخارجية ليتحوّل إلى كانتون سياسي خاص. وقد ظهر ذلك جليّاً حين امتدّ نفوذها نحو المؤسسات التعليمية؛ إذ تكشّف أن تعميم رئاسة جامعة اللاذقية الذي منع أي تجمع ذي طابع سياسي أو اجتماعي دون موافقة مسبقة لم يكن سوى حلقة من سلسلة أوامر انطلقت من الأمانة وجرى تعميمها عبر المحافظين.
سؤال التأسيس نفسه
ثمة إشكالية تسبق كل ما سبق، وتتعلق بالشرعية الإجرائية لإنشاء الأمانة أصلاً، ماذا يعني أن تُشرف مديرية في وزارة الخارجية على تنظيم الأنشطة السياسية داخل البلاد، في حين أن هذه الأنشطة مفترض أنها تجري في فضاء حر للعمل السياسي؟ والأمر لا يقتصر على التساؤل التجريدي؛ فمهمة «رسم السياسات والخطط العامة بالشأن السياسي» تنطوي على تجاوز ضمني لصلاحيات السلطة التنفيذية في علاقتها بالأحزاب والمجتمع المدني.
ماذا يعني القرار؟
لا يُفهم قرار الحل بمعزل عن السياق الذي وُجدت فيه الأمانة، فإن كان تأسيسها جاء استجابةً لمتطلبات المرحلة الانتقالية وإدارة الإرث البعثي، فإن حلّها المفاجئ يطرح سؤالاً معاكساً: هل أنجزت ما أُسّست من أجله؟ أم أن الانتقادات المتراكمة وضغط الرأي العام دفعا نحو تصفيتها قبل أن تتحوّل إلى عبء سياسي على الحكومة الانتقالية؟
والسؤال الأهم يبقى معلّقاً: إلى أين تذهب الملفات والصلاحيات التي كانت بيد الأمانة؟ ومن يرث أصول البعث التي تسلّمتها؟ الإجابة عن هذين السؤالين وحدهما ستُحدّد ما إذا كان هذا القرار تصحيحاً للمسار أم مجرد تغيير شكلي.







