فريق منصة دمشق الإخبارية
تتجه دمشق القديمة إلى مرحلة ترميم واسعة، تبدأ من الجامع الأموي الكبير وتمتد إلى محيطه العمراني والروحي والتجاري. المبادرة الإماراتية المدعومة من سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، “أم الإمارات”، تفتح بابًا جديدًا أمام واحد من أهم مشاريع إحياء التراث الإسلامي في المنطقة، حيث يتحول الجامع الأموي من معلم تاريخي قائم إلى مركز مشروع حضري شامل يعيد ترتيب قلب المدينة القديمة حول ذاكرته الكبرى.
الجامع الأموي في دمشق يحمل مكانة خاصة في الوعي الإسلامي والعربي. فهو أحد أقدم المساجد الجامعة في العالم، ومركز من مراكز العمارة الأموية، وملتقى طبقات تاريخية متتابعة: المعبد القديم، والفضاء الروماني، والمرحلة البيزنطية، ثم المشروع الأموي الذي منح دمشق صورتها الكبرى بوصفها عاصمة للخلافة ومركزًا للحضارة والفن والسلطة.
وفق المعلومات المتداولة، سيشمل المشروع ترميمًا كاملًا لبنية الجامع وعناصره الداخلية والخارجية، بدءًا من الجدران والسقوف، وصولًا إلى الرخام والسجاد والفسيفساء والمنارات والمشاهد والقاعات. وتطرح التصورات التنفيذية مشروعًا يعيد المسجد إلى أقصى بهائه، وفق رؤية يشرف عليها مؤرخون وخبراء آثار وترميم، وبما يستند إلى الصورة التي بلغها الجامع بعد أعمال العناية الكبرى المرتبطة بالعصر الأموي، وخصوصًا المرحلة المنسوبة إلى الخليفة هشام بن عبد الملك.
العنصر الأبرز في المشروع هو استكمال الفسيفساء الأموية على مدار المسجد. هذه الفسيفساء تمثل هوية بصرية نادرة للجامع، وتمتاز بطابعها الأموي الخاص، حيث تتحول الجدران إلى عالم من الحدائق والمدن والذهب والزجاج والحجر الملون. استعادة هذه الفسيفساء ستمنح الجامع صورة أقرب إلى ذاكرته الأولى، وستعيد إلى الزائر الإحساس بذلك الفن الذي جمع بين الفخامة الإمبراطورية والروح الإسلامية المبكرة.
ويطرح المشروع أيضًا استبدال الرخام القديم في باحة الجامع برخام أبيض خاص، قريب في مواصفاته من رخام الحرم المكي الشريف. وتشير المعلومات المتداولة إلى أن هذا الرخام يجلب من جبل خاص في اليونان، ويمتاز ببياضه الشديد، ولمعانه، وصقالته، وقدرته على التعامل مع الحرارة بطريقة تمنح الأرضية برودة في الصيف ودفئًا ألطف في الشتاء. إدخال هذا النوع من الرخام إلى باحة الجامع سيمنح المصلين والزوار راحة حسية، وسيضيف إلى المكان إشراقًا بصريًا ينسجم مع مكانته الكبرى.
وسيشمل الترميم، بحسب التصورات المتداولة، استبدال السجاد كاملًا، وترميم الجدران الداخلية، ومعالجة الأجزاء المتضررة من الحجر والخشب والزخرفة، وإعادة ترتيب الإنارة بما يحفظ وقار المكان ويبرز تفاصيله. كما سيطال العمل قاعة أبي بكر الصديق، وقاعة عمر بن الخطاب، والمشهد الحسيني، بوصفها فضاءات روحية وتاريخية ذات حساسية خاصة داخل نسيج الجامع.
وتحظى المنارات الثلاث بموقع رئيسي ضمن المشروع. فالمنارات هي علامات دمشقية كبرى تحدد صورة الجامع في أفق المدينة. ترميمها سيعيد حضورها البصري والروحي، وسيمنح واجهات الجامع وسقفه وحجره انسجامًا جديدًا بين الماضي والحاضر.
وتمتد الرؤية إلى بوابات الجامع جميعها، حيث تطرح المعلومات المتداولة خطة لترميمها وفتحها وتنظيم الحركة حولها. البوابات في الجامع الأموي تحمل معنى يتجاوز الدخول والخروج، لأنها تربط المسجد بأسواقه ومحيطه التاريخي: باب جيرون، محيط الحميدية، المسكية، النوفرة، والبزورية. إعادة الاعتبار إلى هذه البوابات تعني إعادة تنظيم العلاقة بين الجامع والمدينة، وبين العبادة والحياة اليومية.
وفي محيط الجامع، يتسع المشروع ليشمل مواقع ذات ثقل تاريخي كبير: ضريح السلطان صلاح الدين الأيوبي، ضريح السلطان الظاهر بيبرس، مواقع مرتبطة بالسلطان العادل ومدارسه، المكتبة الظاهرية، المكتبة الجقمقية، سوق المسكية، سوق البزورية، قصر أسعد باشا العظم الكبير، خان أسعد باشا، زقاق الحمراوي، حي النوفرة، ومنزل الخليفة عمر بن عبد العزيز، إضافة إلى كل ما يتصل بالمسجد من ممرات وساحات وأبنية تاريخية.
بهذا الاتساع، يتحول ترميم الجامع الأموي إلى مشروع لإحياء دمشق القديمة نفسها. فالمدينة المحيطة بالجامع تحتاج إلى صيانة كبيرة تشمل الشوارع، البيوت، الواجهات، البنية التحتية، الأسواق، الإنارة، شبكات المياه والصرف، والأرصفة الحجرية. وقيمة المشروع تكمن في قدرته على النظر إلى الجامع بوصفه قلبًا نابضًا داخل نسيج كامل، لا بوصفه مبنى منفصلًا عن محيطه.
وتتزامن هذه الرؤية مع مشروع قرار تناقشه محافظة دمشق، بحسب المعلومات المتداولة، يقضي بمنع دخول السيارات التقليدية إلى المدينة القديمة، والاكتفاء بسيارات كهربائية صغيرة مخصصة للخدمة والتنقل الضروري. هذا القرار، إذا دخل حيّز التنفيذ، سيغيّر طبيعة الحركة داخل دمشق القديمة، وسيعيد للشوارع الضيقة قدرتها على استقبال المشاة والزوار والحرفيين والسكان بطريقة أكثر هدوءًا وأمانًا.
السيارات الكهربائية الصغيرة يمكن أن تؤدي دورًا عمليًا في نقل كبار السن، وخدمة السكان، وتأمين الحركة اللوجستية الخفيفة، من دون ضغط المرور التقليدي. ومع ترميم الشوارع والواجهات، يمكن للمدينة القديمة أن تستعيد إيقاعها الطبيعي: المشي، الأسواق، النداء، الحجر، القناطر، الإنارة الدافئة، والواجهات التي تعود إلى الحياة بعد سنوات من التعب والإهمال.
ومن بين الأسواق التي تبرز في التصورات المتداولة سوق الطويل وسوق الصوف. ترميم هذين السوقين والاهتمام بإنارتهما وتنظيم حركة الزوار فيهما سيمنح المنطقة المحيطة بالجامع مسارًا تجاريًا وسياحيًا متكاملًا. فالسوق في دمشق القديمة جزء من ذاكرة الجامع، والجامع جزء من ذاكرة السوق. وحين يعود الضوء إلى الدكاكين والواجهات والحجر، تعود الحركة الاقتصادية والثقافية معًا.
وتشير المعلومات المتداولة أيضًا إلى أن مبادرة “أم الإمارات” ستفتح بابًا لترميم مساجد سوريا التاريخية، بما يمنح المشروع بعدًا وطنيًا واسعًا. فإذا بدأ العمل من الجامع الأموي الكبير، فإن الامتداد إلى المساجد السورية الأخرى سيجعل المبادرة برنامجًا شاملًا لحماية الذاكرة الدينية والمعمارية في البلاد، من دمشق إلى المدن التاريخية الأخرى.
الأثر المتوقع لهذا المشروع يتجاوز الترميم الجمالي. فهو سيمنح دمشق القديمة فرصة لاستعادة مركزها السياحي والديني، وسيعيد تشغيل حرف الترميم التقليدية، من الحجر إلى الخشب، ومن النحاس إلى الزجاج والفسيفساء، ومن الرخام إلى الإنارة. كما سيمنح سكان المدينة القديمة فرصة جديدة للعيش داخل بيئة أجمل وأكثر تنظيمًا، ويعيد للزائر تجربة الدخول إلى دمشق بوصفها مدينة تاريخية حية.
الدور الإماراتي في هذا السياق يحمل قيمة رمزية كبيرة. فترميم الجامع الأموي ومحيطه يعني دخول الإمارات إلى دمشق من بوابة التراث والذاكرة والعمارة، ويمثل صورة من صور الدبلوماسية الثقافية التي تترك أثرًا طويلًا في حياة المدن. وحين يرتبط هذا الدور باسم الشيخة فاطمة بنت مبارك، “أم الإمارات”، يكتسب المشروع بعدًا إنسانيًا وأموميًا، يقوم على الرعاية والحماية وإعادة النور إلى الأماكن الجامعة.
نجاح المشروع يحتاج إلى إدارة دقيقة تجمع بين الخبرة الأثرية والقدرة التنفيذية واحترام حياة السكان والأسواق. فالترميم الحقيقي يحفظ طبقات الزمن، ويعيد إظهار الجمال الكامن في الحجر والخشب والفسيفساء، ويجعل المدينة أكثر قدرة على استقبال أهلها وزوارها. ومن هنا تأتي أهمية إشراف المديرية العامة للآثار والمتاحف، والخبراء المختصين، والجهات الدولية ذات الصلة، إلى جانب الرعاية الإماراتية.
إذا سارت الخطة وفق هذه الرؤية، فإن الجامع الأموي سيعود إلى قلب المشهد الإسلامي والعالمي بوصفه أحد أعظم مساجد الأرض، وستعود المنطقة المحيطة به إلى ألقها الدمشقي الكبير. وسيتحول ترميم المسجد وما حوله إلى لحظة مفصلية في تاريخ دمشق الحديثة: لحظة تعيد للمدينة القديمة بهاءها، وللأسواق حياتها، وللحجر صوته، وللمسجد مكانته بوصفه قلب دمشق وروحها الكبرى.







