جمال الأتاسي
لا يبدو الهجوم على وزير الثقافة السوري محمد ياسين الصالح، ومعه استهداف وزراء ومسؤولين في الحكومة السورية في عهد ما بعد الأسد، مجرد مسألة عابرة، بل هو تعبير عن جملة من التحديات الفكرية والاعتقادات التي لطالما كانت متجذرة في الذهنية العامة لبعض الفئات. ربما يكون الأمر الأكثر إثارة للدهشة أن هؤلاء الذين يهاجمون الوزير أو ذاك، اعتادوا على أن تكون ثقافة الجمهورية العربية السورية محكومة بالهيمنة التقليدية التي وضعها البعث والفكر القومي العربي والسوري اللذان سادا قبل عشرات السنين.
في تصورهم، المثقف هو ذلك الشخص الذي يعادي القيم الدينية ويشرب الخمر في العلن، ويعبّر في كل لحظة عن رفضه للقيم التقليدية، حتى أصبحوا يعتقدون أن الثقافة لا بد أن ترتبط بهذه الصورة تحديداً. أما إذا كان وزير الثقافة شخصًا يصلي ويصوم ويعمل من أجل رفعة الأمة، فإن ذلك يعد بالنسبة لهم مصيبة.
أما السبب الآخر للهجوم فهو موقف الوزير الصالح، الواضح جداً ضد المشروع الإيراني في المنطقة، والذي عبَّر عنه بأبيات شعرية قاسية كانت بمثابة إعلان حاسم للموقف السوري. بما يخالف الدبلوماسية المائعة لدى البعض ممن يعتقدون أن من شطار السياسة.
ثم يأتي السبب الثالث، وهو أن الوزير ببساطة يعمل بجد، ويضع بصماته في كل زاوية من مجالات الثقافة والفنون. فهذه الفئة التي تهاجمه لا تدرك أن ما تحقق تحت إشرافه كان نتيجة لجهد كبير وعمل دؤوب.
وللأسف، هذه الهجمات تتغذى على دعم إعلاميي “الترندات” الذين يعشقون الشهرة السريعة على حساب العمق الفكري. هؤلاء لا يكلفون أنفسهم عناء السؤال عن كم الندوات والفعاليات التي أنجزتها المكتبة الوطنية؟ أو كيف تم إقناع الأستاذ سعيد حجازي بترك اسطنبول ليتولى مسؤولية المكتبة؟ أو لماذا اختار الوزير الدكتور إياد الطباع لقيادة مشروع “الموسوعة العربية” وكيف كان هذا الاختيار استراتيجية هامة؟ هؤلاء لا يرون الإنجازات الكبيرة التي تحققها المؤسسات الثقافية، ولا يلقون بالاً لعدد الفعاليات التي تُنظم في مختلف المحافظات.
هل اطلعوا على مشروع “نادي صناع الأثر”؟ هل شاهدوا الحافلة الثقافية التي جابت أكثر من سبعين قرية في سوريا؟ هل يدركون حجم التحول الذي أحدثه الوزير في مجال معرض دمشق الدولي للكتاب الذي يعتبر الأهم في المنطقة منذ سبعين سنة؟ وما هو حجم الإنجازات التي حققتها الهيئة العامة السورية للكتاب والمطبوعات التي عادت ترى الضوء؟
هذه الإنجازات، مهما كانت واسعة وطموحة، لا تجد مكانًا في عقول هؤلاء الذين يعكفون فقط على انتقاد الوزير دون دراية بما يقوم به في الواقع. والمثير للسخرية أن بعض الشباب الذين يُفترض أن يكونوا حجر الزاوية في بناء المستقبل، يتبعون هذا النهج المتسرع في إطلاق الأحكام الجائرة، متجاهلين كل ما تحقق.
في النهاية، هناك فرق شاسع بين الواقع والافتراء، وبين الأعمال الملموسة التي يعجزون عن رؤيتها، والادعاءات الجوفاء التي يروج لها الإعلام السطحي
امس اجتزأوا مقطعا من مقابلة وقالوا الوزير يضحك على سرقة المتحف، وقبلها عابوا عليه أنه سأل طفلاً عن المعري. نعم لقد كنا معه في تلك الجولة. كنا في منتهى التعب عائدين من المخيمات، ووجدنا الطفل عند قبر المعري، فهل يسأله عن نجوى كرم؟
وبعدها اتهموه بشراء بيت في مشروع دمر وهو الذي يستطيع لو اراد ان يشتري قصرا في باريس ولكنها محاولات الشيطنة المسعورة التي زادت سعارا بعد نجاح معرض دمشق الدولي للكتاب.
ثم قالوا مبروك زواجه من فلانة.. ونحن نعرفهم ونعرف من يمولهم.. ولكننا نأسف لإعلام الوطن الذي يقف متفرجا ويترك الساحة للمرجفين والفلول.







