منصة دمشق الإخبارية
د. نزار العاني
ظاهرة الإقبال الشديد لمشاهدة مسرحية (بروفة يوم الحساب)، التي عُرضت مؤخراً في دمشق، والتي كتبها الكاتب فارس الذهبي، الصديق وابن الصديق، وأخرجها المبدع ماهر صليبي، وقامت بتمثيلها النجمة يارا صبري، والنجمة روبين عيسى، والنجم جابر جوخدار، ملفتة حقاً للنظر. يومان مع الحشر والحشود والواسطة حتى حظيتُ بمقعد! وبعد غياب أربعين سنة عن حضور مسرحية في دمشق، بدواعي السفر طبعاً خارج القطر.
يُعزى الازدحام، باعتقادي، إلى أمرين اثنين: أولهما ندرة جوانب النشاط الثقافي حالياً، وتبنّي وزارة الثقافة للعمل، وبحث الناس عن الترفيه وكسر المألوف، وثانيهما فكرة المسرحية وما تثيره من أسئلة ملحّة حول جوهر فلسفة العدالة بعد سقوط النظام السابق!
امرأتان، سما وثريا، مغتصبتان في السجن لثلاث سنوات، ومثقلتان بالألم والدمار، كانتا في التنسيقيات. وتلتقي ثريا بمن كان السجان والمغتصب، فؤاد، فتخطفه وتخدّره وتحمله إلى قبو الخياطة، حيث تعمل المرأتان بمهنة الخياطة.
استخدم فارس الذهبي اللعبة الشكسبيرية القديمة في مسرحيات هاملت وماكبث وغيرها، بصراع مكشوف بين اليقين والشك، بين الحقيقة والوهم، بين الواقع والخيال، حول هوية فؤاد: هل هو السجان أم أنه رجل يشبهه؟ وقرينتهما في ذلك رائحة جسده الزنخة القابعة في ذاكرتيهما، وأسنانه الشرسة.
وماذا ستفعلان به: قتله والانتقام منه، أم محاكمته وتبرئته؟ والحوار المسرحي كله يتمحور حول جوهر فلسفة العدالة، كما أسلفت. وبوساطة هذه الحيرة والتردد يمسك الكاتب بتلابيب المشاهد، وتُستثار الأسئلة، وتتولد المتعة!
مرجعية الكاتب النظرية:
في كتاب فارس الذهبي (أورغانون)، يرى أن المسرح السوري مأزوم من حيث النصوص، والجماليات، وواقع التمثيل وآفاقه، وضرورة إعادة الإنتاج المسرحي من منظور جديد وحداثي، وتثوير المؤسسة المسرحية، وقضايا رديفة أخرى مصاحبة، مثل النقد والعائد الربحي في الصناعة المسرحية.
فماذا فعل في نص (بروفة يوم الحساب) كأنموذج لأطروحاته النظرية في الكتاب المذكور عنوانه أعلاه، والمقصود به الدليل الجديد الذكي للمسرح، وهي ذاتها أطروحة برنارد شو في أعماله النقدية وتجاربه المسرحية في عصره!
أنموذج فارس الذهبي التطبيقي الجديد كان مسرحية (بروفة يوم الحساب)، وفي العنوان عبارة تحمل مغزى دينياً مكشوفاً.
والسمات العامة للأنموذج، كما استنتجتها أنا شخصياً:
هي مسرحية تعالج الراهن الاجتماعي والسياسي، ومسرحية تتساءل ولا تنسخ، وقريبة من الحياة أو في قلبها، مدهشة ودينامية، ومحمولة على منصة الفكر والمواقف المبنية على القيم الوجدانية. وأظن أن فارس الذهبي قد كان مقارباً لرؤاه النقدية التنظيرية في كتابه (أورغانون).
التنفيذ والإخراج:
يحمل البروشور الموزع على المشاهدين رؤية المخرج للعمل، والطاقم المكوّن من حوالي ثلاثين شخصاً، والمداميك الفكرية التي تختزلها الجمل التالية: «تجربة للنجاة تقودها ذاكرة تؤمن بعدالة تتأخر ولا تموت / مسرحية نفسية / كيف نحاسب الماضي حين تصبح الذاكرة هي الشاهد الوحيد الباقي؟».
بساطة التنفيذ لا تخلو من رموز، لوجود دمى تمثل الشريحة الاجتماعية الغائبة، وفضاء الخشبة وسقفها حبال وخيوط زاهية تملأ النظر، واختيار موفق للممثلين الثلاثة البارعين والمتفوقين حقاً، ولهم يُعزى حصاد الرضا.
عن الإسلام والمسرح:
هل نحن أمام تحولات عنيفة في الحركة المسرحية السورية والعربية؟ الطموح مسموح، لكن الواقع مثقل بالمعوقات!
منذ أكثر من خمسين سنة ترجم الرائد المسرحي د. رفيق الصبان كتاب (الإسلام والمسرح) لكاتبه محمد عزيزة. (الصورة).
موضوع الكتاب يقول إن العرب والمسلمين تفوقوا في كل الآداب المأخوذة عن الغرب، ما عدا المسرح، إذ بقي مراوحاً في المكان. والسبب أن المسرح ينبني على فكرة الصراع، وولد في كنف بروميثيوس، سارق النار المقدسة من الآلهة.
في حين تهيمن مقولة التوكل المطلق على الله في العالم الإسلامي، وأن قدر المرء المحتوم، المستسلم للإرادة الإلهية والمحدود الحرية، هو الثابت العقائدي المتين والراسخ والمهيمن، مما لا يسمح لظاهرة المسرح بالتمدد والانتشار.
بالإضافة إلى أن اللغة العربية ونحوها وصرفها واللهجات العامية غير ملائمة لطقوس المسرح، كما كان الشأن في اليونان!
لقد أنجبت أمتنا شعراء وروائيين كباراً، واقتصر عدد المسرحيين الكبار على عدد محدود. ويبقى المسرح، برأيي المتواضع، محط رهان على أدوات للتطوير، قد لا تكون ضمن أولويات الدين. وأرجو أن تكون ظنوني خاطئة، وليس من حق أحد حجب التفاؤل.
لقد كانت مسرحية (بروفة يوم الحساب) مثل الحصى التي أُلقيت على مياه الثقافة الراكدة في دمشق، فتحركت الأمواج، وتحرك معها الناس لتجاوز الروتين المعتاد، وطرد الملل!
شكراً فارس الذهبي، شكراً ماهر صليبي، ويارا صبري، وجابر جوخدار، وروبين عيسى. شكراً طاقم العمل، وشكراً لجهود العاملين في المسرح الذين واجهوا ظروفاً وملابسات شاقة في ضبط السيطرة على الصالة بسبب الازدحام الشديد غير المعهود. والعذر منكم إن كنت قد أطلت.









