فارس الذهبي
فوْرَ فرحتهم بسقوط نظام الأسد، اندفع السوريون يحثّهم فضولٌ تواطؤوا جميعهم حوله، لمعاينةِ ما كانت عليه أحوال العصابة التي حكمتهم أزيد من 54 عامًا، مشكّلين (من الحلقة الأقرب والأعتى من أسرة حافظ الأب)، ليس فقط طبقة حاكمة ومستبدة.
بل، وأيضًا، فاسدة امتصّت خيرات البلاد طوال ستة عقود دون أي شبع أو رحمة بالناس، فسرقوا المال والفرص، واحتكروا الألقاب والامتيازات والمناصب في فجعٍ غريب لاغتصاب كل خيرات البلاد عنوة بمختلف صنوفها المادية والمعنوية، فاستأثروا بالمجالات جميعها التي تضخ عليهم المال والأضواء؛ سرقوا النفط، اختلسوا أموال الجيش والحكومة، ارتشوا ورشوا من أجل الصفقات، هرّبوا الآثار والتحف والذهب والفوسفات والزئبق، حتى اللحوم الممتازة احتكروا تصديرها إلى الخليج العربي.
من بين كل هذا وذاك، شد انتباهي بدهشةٍ مصعوقةٍ اهتمامهم بالفن، فكيف لهؤلاء الذين امتهنوا تجارة المخدرات والنفايات النووية والسلاح والإرهاب، أن يجدوا وقتاً لتذوّق عملٍ تشكيليٍّ بصريّ؟
مع سقوط النظام انتشرت عدة تسجيلات لرجال أعمال اعتمد عليهم النظام في تسيير أعماله، فكسبوا الثروات السريعة، اشتكى هؤلاء المثرون بالحرب من مداهمة العوام لبيوتهم الراقية وتدميرها مثلما فعلت كل الثورات عبر التاريخ، ومن جملة ما ذكروه سرقة لوحات فنية نفيسة فعلاً، فمن لوحات كلود مونية الثلاثة التي تحدث عنها التسجيل واختفت لاحقاً، إلى لوحات كبار الفنانين السوريين مثل فاتح المدرّس ولؤي كيالي، وعدد كبير من لوحات الفنان المتميز صفوان داحول.
كان هؤلاء يوحون في تسجيلاتهم أن الرعاع من الشعب قد سرقوا التحف الفنية التي لا يدركون أهميتها ولا قيمتها، وكأنهم يضعون حداً بينهم وبين الشارع الذي لا يدرك الفن وقيمته، فيعلون من شأنهم ويقللون من شأن الناس.
بغض النظر عن فعل السرقة المستنكر، فإن تلك اللوحات التي يقدر سعرها بالملايين قد وصلت إلى بيوتات هؤلاء بعد سرقتهم واختلاسهم أموال الشعب والفقراء حصراً، ولم تصل إليهم بعد أن أهداهم إياهاه الفنانون أنفسهم.
في مقلب آخر تقفز صورة رأس النظام ابن حافظ الأسد، وهو يقود مجموعة من الممثلين الذين اقتادتهم أجهزة أمنه إلى قصر المهاجرين في آخر زيارة للممثلين إلى رأس النظام، يبدو ابن حافظ الأسد في إحدى الصور، وهو يشرح لهم موجودات مكتب فاخر مصنوع من الخشب الفاخر، بينما تبدو خلفه لوحة للفنان سعيد تحسين (لوحة “معركة اليرموك”) التي اختفت بعد فراره إلى موسكو، وهي لوحة فنية لا تقدر بثمن أنجزها الفنان تحسين بك في خمسينيات القرن العشرين.
لوحة معركة اليرموك
لوحة معركة اليرموك
علمًا أن سعيد تحسين بك (1904-1985) من رواد الفن التشكيلي السوري، وقد ركّزت تجربته على تصوير كبريات المعارك الفاصلة في التاريخ العربي، التي نفذها بأحجام كبيرة ودقة عالية في التفاصيل وعدد كبير من الشخصيات التي تشغل الفراغ التكويني.
ومن مجمل الأعمال التي اختفت من قصر المهاجرين وكانت وزارة الثقافة قد اشترتها من الفنان، أربعة أعمال مهمة جداً، وهي: “معركة القادسية”، “معركة اليرموك”، “معركة ذات الصواري” و”منظر في الغوطة”.
معركة القادسية
يذكر أن تحسين بك كان غزير الإنتاج إذ إنه يملك في رصيده الفني ما يزيد على ألفي لوحة ودراسة فنية، لكن أهم أعماله هي التي استمدها من التاريخ العربي الإسلامي، أو تلك اللوحات التي رسمها تكريماً لشخصيات عاصرها مثل البورتريه الشخصي للرئيس شكري القوتلي التي نقلها بنفسه من وزارة الخارجية حيث كانت من ضمن أملاك الوزراة إلى المتحف الوطني كي يعيد ترميمها بنفسه، قبل أن يختفي أثرها، واللوحة الرائعة المعنونة بـ”جمال عبد الناصر والأمم” التي تجسّد عبد الناصر وهو يدوس على أفعى الامبريالية ويرفع غصن سلام وتسير خلفه شعوب العالم التي ترجو السلام العالمي (محفوظة في متحف الشارقة).
عبد الناصر
هنالك لوحة أخرى فُقدت أو اختفى أثرها، بعد أن انتوى ترميمها بنفسه قبل أن توافيه المنية، وهي لوحة تمثل المباحثات السورية المصرية من أجل الوحدة في عام 1943، قبل الإعلان عن تأسيس جامعة الدول العربية، واللوحة المهمة جداً لِمرجعيتها التاريخية والدلالية، تعرضت لضرر كبير بسبب حريق طال مخازن وزارة الخارجية.
في تلك اللوحة المنقولة عن صورة فوتوغرافية، يظهر الرئيس سعد الله الجابري، وإلى جواره الوفد السوري المكوّن من جميل مردم بك ونجيب الأرمنازي وصبري العسلي، بينما عُرف من الوفد المصري الرئيس مصطفى باشا النحاس.

تؤكد هذه اللوحة، إضافة إلى لوحة عبد الناصر والقوتلي، اهتمام تحسين بفكرة الوحدة العربية والعمل العربي المشترك (اللوحة موجودة في المتحف الوطني حسب تصريح السيدة هيام دركل المشرفة السابقة على المتحف).
سعيد تحسين وهيام دركل
في مشهد آخر وفي واحد من فيديوهات السوريين التي انتشرت إبان سقوط النظام يظهر أحد الشبان وهو يقلّب في ركام الصور الفوتوغرافية المنتشرة والمهشمة على الأرض في ما قال إنه قصر ماهر الأسد شقيق الرئيس الوريث.
وبينما يتنقّل الشاب بين صور ميادة الحناوي وجورج وسوف، لفتتني لوحة أعرفها جيداً للفنان التشكيلي السوري توفيق طارق تصوّر رجلاً يرتدي طربوشاً أحمر، وطارق من مواليد دمشق في عام 1875، وتوفي في أربعينيات القرن العشرين، امتازت تجربته بخصوصية التلوين والبروتريهات.
اللوحة (على حد علمي) من مقتنيات متحف الفن الحديث في مشروع دمّر، ولكن على ما يبدو أن المجرم ماهر الأسد قد أعجب باللوحة وضمّها لمجموعته الفنية، إلا إن كانت نسخة مقلدة عن الأصل، اختفى الفيديو في زحام (الفلوغات) التي اكتسحت وسائل التواصل الاجتماعي، واختفت اللوحة كذلك.
وعلى منوال سعيد تحسين بك اعتنى توفيق طارق بالتاريخ العربي الإسلامي في كثير من أعماله، ومن أعماله الخالدة في هذا السياق لوحة “معركة حطين” التي تأثر خلال إنجازه لها بالمدرسة الكلاسيكية بنسختها الفرنسية كونه أقام في فرنسا لمدة ست سنوات درس خلالها الفن والعمارة، قبل أن يعود إلى بلده ليساهم في هوية سوريا الفنية والثقافية، ومن إنجازاته المهمة تخطيط شارع النصر (أحمد جمال باشا سابقاً)، وتصميم شعار جامعة دمشق (المشكاة).
نالت لوحته “معركة حطين” كثيرا من الأذى حينما قصفت القوات الفرنسية دمشق سنة 1925، إذ كانت اللوحة موجودة في قصر العظم قبل أن يتم نقلها إلى متحف من قاعة واحدة أقيمت لأعماله في منطقة العفيف في مركز الفنون التطبيقية، ولكن هذا المتحف أغلق لاحقاً، ليتم إهداء اللوحة العظيمة إلى حافظ الأسد لتتصدر الغرفة التي يستقبل بها ضيوف البلاد، وورثها لاحقاً ابنه بشار الأسد كما ورث الحكم، حتى اختفت بعد سقوط النظام السابق.
معركة حطين توفيق طارق
تمتاز اللوحة بمنظورها الكلاسيكي الذي تظهر فيه الشخصيات والفرسان والخيول كبيرة في مقدمة اللوحة لتتضاءل الأحجام في العمق كدلالة على عمق مسرح المعركة واتساعه، الخطوط فيها منحنية وليّنة وكأنها تظهر الأجساد في لحظة حركة وليس ثبات.
باعتقادي أن اهتمام المسؤولين السوريين السابقين بالأعمال الفنية التشكيلية لكبار الفنانين السوريين، ليس سوى استثماراً مالياً بمقتنيات يعلمون جيداً أن قيمتها الشرائية ستزداد بمرور الوقت، بدلالة تركها خلفهم بعد الهروب، ونقلهم الأموال المفيدة، أو ضمن سياق المنافسة فيما بينهم حول قيمة وغرابة المقتنيات التي يملكها كل منهم وتصاعد التنافسية فيما بين أفراد تلك الطبقة التي كانت تحكم البلاد، فلا تعدو تلك اللوحات أكثر من مادة يتبارون في اقتناءها مثل السيارات الفارهة والمجوهرات النفيسة.
بينما سجّل العشرات من المثقفين والعاملين في الفن في سوريا دخولهم إلى القصور الرئاسية أثناء دخول السوريين إليها للفرجة ربما أو للتأكد من سقوط النظام، سجّلوا، إلى ذلك، إنقاذهم عدّة أعمال كانت ملقاة على الأرض، ونقلوها إلى أماكن خاصة لحمايتها وإعادة ترميمها.
بينما، وفي سياق متصل ومنفصل، افتُتِحَت على الإنترنت سوق سوداء لعشرات، أو ربما لمئات اللوحات التشكيلية التي شكلت وتشكّل تراثاً سوريا فنياً وإبداعياً خالصاً، وبدأت عملية تهريب تلك الأعمال من سوريا عبر لبنان ومنها إلى مقتنيها الجدد.
لوحات لا تقدر بثمن لأنها تشكل إرثاً ثقافياً سورياً، اختطفته عائلة الأسد ونقلته من أملاك وزارة الثقافة والمتاحف الوطنية إلى قصورهم الشخصية، وأماكن عملهم التي اعتقدوا أنها ستكون ملكاً لهم حتى الأبد.
ومنها إلى أوروبا لتستقر في قصور المقتنين الجدد لتخسر سوريا والحركة الفنية فيها عشرات الأعمال التي تؤرخ لفترة الرواد ولفترة العصر الذهبي للنشاط الفني التشكيلي السوري.











